حوار مع الشاعر العراقي
عدنان الصّائغ

حاوره/ وليد الزريبي
- هل يستطيع الشاعر العراقي النّجاة من السؤال السياسي؟
* يولد العراقي وفي فمه، فاتورة طويلة، من ديون وخسائر سياسية، تظل تلاحقه حتى النفس الأخير، منفياً مشرداً خارج وطنه - كأغلب مبدعيه - أو مقيماً متبرماً داخل ذلك الفرن الملتهب.. وليس له مهرب أبداً من هذا الطوق مهما حاول أن ينأى بنفسه أو بنصه… إنها تلازمه أبداً كظله، تعرض عليه أجندتها ومضارباتها، شاء أم أبى.. لكنها – أي السياسة، أي الأحزاب - قد تغدو عند البعض مهنة أو هواية أو تجارة، وعند البعض عذاب وفكر ونزف… غير أن الكثيرين من المستقلين، وأنا منهم، لم نلمسَ منها ولم نرَ سوى طواحين هواء ونواعير دم على امتداد نصف القرن الأخير… تبدأ بانقلاب وتنتهي بانقلاب ومعها ينقلب الوطن ومن عليه… من سيء إلى أسوأ… لهذا نأيتُ بنفسي ونصي منذ البدء عن الدخول أو التورط في هذا المعترك، الذي لم أفقه منه يوماً شيئاً.. في بلد مثل السويد الذي عشتُ فيه لأكثر من سبعة أعوام، وفي لندن حيث أقيم الآن، تكاد لا تجد فيهما من الأحزاب أكثر من عدد أصابع اليدين.. وتعال إلى بلدي اليوم تجد في كل دربونة حزب.. وفي كل مقهى يافطة شعار أو صورة زعيم سياسي أو ديني.. فمن الحزب الواحد الذي حكما بالحديد والصديد لأكثر من ثلاثة عقود، إلى هذا التكاثر الأميبي من الأحزاب والطوائف حيث لدينا الآن أكثر من 200 حزب وآلاف من اليافطات التي لم نعد نستطيع اللحاق حتى بقراءة شعارتها… أريد أن أخدم الوطن بعيداً عن يافطة أي حزب أو لجنة. لا اختلاف عندي بين حزب وحزب إلا بمقدار ما يخدم شعبي ويفتح نوافذه للحرية والتقدم. ولا اختلاف بين دين ودين، أو بين طائفة وطائفة إلا بمقدار ما يصون كرامة الانسان ويكرس قيم الخير والجمال والمحبة.. أنا ضد كل السلطات القمعية، سواء كانت مؤسسة دينية أو اجتماعية أو ايديولوجية. وقد تحالفت هذه السلطات حتى بدون اتفاق لتشديد الخناق على أعناقنا الهزيلة طيلة كل تلك العقود الطويلة وما تزال.. لكن يبقى دائماً ثمة ضوء في نهاية نفقنا الطويل والمشتبك، ثمة أمل أن يستفيد سياسيو وطننا ومثقفيه وناسه من تلك التجارب الطاحنة، ونبدأ جميعاً ببناء الوطن الذي نحلم..
- هل أنت الآن بمنأى عن أوروك و عن الطغاة الذين طوقوا موهبتك؟
* قد أحيلك إلى نص ورد في ديواني الأخير "تأبط منفى" لترى أن كوابيسهم ما زالت تلاحق الشاعر حتى وهو في صقيع منفاه النائي، في أقصى الأرض:
"أضعُ يدي على خريطةِ العالمِ
وأحلمُ بالشوارعِ التي سأجوبها بقدمي الحافيتين
والخصورِ التي سأطوقها بذراعي في الحدائقِ العامةِ
والمكتباتِ التي سأستعيرُ منها الكتبَ ولن أعيدها
والمخبرين الذين سأراوغهم من شارعٍ إلى شارعٍ
منتشياً بالمطرِ والكركراتِ
حتى أراهم فجأةً أمامي
فأرفع إصبعي عن الخارطة خائفاً
وأنامُ ممتلئاً بالقهر"..
وقد أحيلك إلى "نشيد أوروك" نفسه لتجد هذا الهاجس المرير قد صبغ حياتي ونصي برماده الكابي وما يزال:
"صاعداً في النشيدِ إلى قلبِ أوروك، ألقي الظلالَ على وطنٍ لا ظلالَ لهُ غير ما خلّفتهُ البنادقُ من بقعٍ وتماثيل. تأتي الفصولُ وتذبلُ. تأتي الجيوشُ وترحلُ. تأتي الملوكُ وتبقى.. يشيّدُ أحدهم قلعةً من جماجمنا ليهدمها آخرررررررر…" والخ..
وقريباً منه ما ذهب إليه الشاعر اليوناني كافافي بحكمته الفاجعة: " ما دمت قد خرّبت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم فهي خرابٌ أينما حللتَ"..
- هل ينظر الشاعر عدنان الصائغ اليوم إلى الأشياء من زاوية أكثر وضوحاً وإشراقا ليرى ما لم يكن قد رآه من قبل؟
* في القاهرة، نهاية الثمانينات، وفي أول سفرة لي خارج الوطن، ألقيت شهادة شعرية عن الحرب أهديتها الى صديقي البغل الذي سبقني راكضاً في الطريق الجبلي المعشب إلى النبع فأنفجر به اللغم.. ذلك اللغم الذي كان مُقدّراً – لولا ذلك البغل المسكين – أن ينفجر بي..
كنتُ جندياً بائساَ، ويائساً، أتمشى قبل الغروب، بين أعشاب السفح الممرعة، قريباً من فوجنا – رغم التحذيرات العسكرية بعدم التوغل في هذه الأرض المحرمة – سائراً أنفّس عن ضيق روحي، وقد أخذتني دهشة الطبيعة وبهائها وخضرتها الخلابة، دون أن أدري ما يواجهني..
هذه الصدفة المهولة علمتني أشياء كثيرة في الكتابة والحياة.. أن الحياة رغم مراراتها تبقى هي الأبهى والأشد سطوعاً من كل شيء.. وعلمتني أن أرى زهور الأمل حتى بين ركام الخراب والشظايا. ومنحتني قوة الصبر والرؤية والحكمة لأواجه فيما بعد كل تلك الفواجع المتلاحقة وأرى المشهد بوضوح رغم سحب الدخان التي تغطي واقعنا. هكذا خرجتُ من الحرب سهواً – كما عبرتُ في أحد قصائدي – وهكذا بقيتُ أواجه تداعياتها القادمة.. إن من عاش الفجيعة بكاملها يجد نفسه قادراً على التحمل والاستمرار، أكثر من غيره .. هكذا عاش جيلنا وهكذا عانى وهكذا كتب.. لقد احالتني قسوة الخراب إلى مراجعة الكثير من كتب التاريخ والأساطير والأديان عليَّ أجد تفسيراً لما حدث لنا على هذه الأرض الطيبة والمرّة، فرأيت العجب العجاب من هذا التاريخ الذي ما زال ينزف حتى الآن.. وقد استخلصت الكثير من هذا، في عملي "نشيد أوروك" الذي أنجزته عام 1996 في بيروت. وأنا الآن في صدد إنجاز عملي الآخر "نرد النص"، وهو نص مفتوح يحاول أن يكمل رؤية المشهد باتساعاته وتداعياته وتداخلاته وخفاياه.
- كيف تنجو القصيدة الواحدة من الحروب القبلية؟
* على الشاعر الحقيقي أن يتعالى بنفسه وبنصه عن حروب داحس والغبراء الشعرية – السياسية – القبلية، كي لا يضيّع أو يستنفد طاقته وإبداعه ورؤاه، في المعارك المجانية والمناقشات الفارغة التي تعج بها مقاهينا الأدبية والأنترنيتية وما أكثرها هذه الأيام.
تلك الحروب التي ملأت تاريخنا وأرواحنا وتراثنا بهذا الغبار المتطاير.. الحروب القبلية في الشعر والسياسة والدين أكلت من اعمالنا ونصوصنا الكثير.. فما من أمة في التاريخ عاشت حروباً بقدر حروبنا وتحملت خسائر كخسائرنا وأضاعت الكثير من نصوصها ومبدعيها كما اضعنا، حرقاً وقتلاً ونفياُ.. والخ، والخ.. إن النص العظيم هو الذي يتسامى على الحسابات الصغيرة، ليلتصق بهموم الناس والشاعر والعصر.. وهو يسأل ويجترح ويتحدى ويستشرف..
- هل نجح نص عدنان الصائغ اليوم من التخلص من جحيم الماضي أم أن جحيم اليوم أشدّ قسوة من الأمس؟
* الماضي بحروبه وقمعه، والحاضر بمفخخاته واسقاطاته، لم يمنحانا فرصة لتأمل ومراجعة ما مضى وما حدث وما سيأتي.. لقد مرَّ كل شيء، بفوضى وسرعة وصخب، جعلك لا تستطيع أن تتشبث بشيء أو تتلمس شيئاً، على مستوى المشهد الجمعي. أما مشهدك الخاص - رؤيتك الخاصة، فلها حسابات تنبع من أرثك ومتابعاتك وقوة روحك ووعيك وبصيرتك على استشراف المستقبل. الجحيمان شديدا القسوة، وأن اختلفا، في الأسباب والنتائج وغيرها.. لكن أرواحنا ظلت كما هي، مشرئبة بأحلامها، تلوب بصبرها وقوتها الإسطوريين، على التحمل، مستعيرة تهكم أبي الطيب المتنبي:
وكنتُ إذا اصابتني سهامٌ تكسّرتِ النصالُ على النصالِ
هكذا تكسرت نصال الحاضر على نصال الماضي، فلم تعد تؤثر أو تثير.. ولم تعد تجد في الشارع غير تلك اللامبالاة المرّة لكل ما يحدث أمامها، وهو مشهد مخادع يمور تحته عويل روح تستصرخ السماء وتلعن كل شيء.. هكذا وجدتُ نصي، اليوم، ساخراً لا مبالياً وتحت سطوره تاريخ من العويل.
ثلاثة عشر سنة من الحروب، ومثلها من المنافى..
أية حياةٍ هذه يا الهي..
وما الذي بقي لنا منها!؟
فبين الشاعر الذي كنته في 1975 قلقاً وفرحاً، بنصوصي الأولى وأحلامي الأولى، وبين الشاعر الذي أنا هو الآن، عام 2005 متأبطاً منفاي وحزني، من بلد الى بلد ومن قصيدة إلى قصيدة، تمتد كل تلك السنوات النائحة.
- هل تكتب اليوم جالسا على سطح بركان، أم على مسطبة هادئة في حديقة البيت، كانت سماؤك في خوذة و اليوم ألا تعتقد أنها صارت خوذة بلا سماء؟
* لم أكتب على أريكة مريحة طيلة حياتي، شعراً أو نثراً، منذ أول نص كتبته لصق سرير أبي المعلول قبل أربعين عاماً، وحتى كتابة هذه السطور في مقهى ضاج قريباً من الهايدبارك.. لا أفكر أين أكتب بقدر ما أفكر ماذا أكتب، وكيف أكتب.. الكتابة عندي انفجار، لحظة حمى، تعرٍ كامل. علاقتي مع الشعر، علاقة يومية وروحية متشابكة.. صار الشعر خوذتي في الحرب، وصلباني في المشتبك، وواحتي في الهجير، ومنفاي في الوطن، ووطني في المنفى..
أمارس كتابة الشعر كما أمارس التنفس، طبيعياً لا تكلفة ولا تعقيداً ولا إفتعالاً. لذلك تراني في الشعر كما أنا في الحياة: قلقاً، هادئاً، مسالماً، محتدماً، ثائراً، متأملاً، حزيناً، فرحاً، كافراً، مؤمناً، متيقناً، شكاكاً، غاضباً، مجنوناً، توّاقاً للحرية، نهماً بتذوق الموسيقى والجمال..
- لم يشأ الكثير من الشعراء العراقيين أن يختاروا منفاهم بل التجأوا إليه باعتباره منفذاً أو مهرباً من القمع والكوابيس والضغوطات السياسية والاجتماعية التي تحاصرهم في وطنهم، ألا تعتقد عدنان أن المسألة تجاوزت احتمالات الهرب إلى ما يشبه التيمة القدرية للمثقف العراقي أو لعلها موضة كُرّست اعتباطا أو تواطؤ لا فرق؟
* نعم أشاطرك الرأي في الكثير من هذا، كأن قدر الشعراء العراقيين أن يموتوا في منافيهم: السياب، الجواهري، البياتي، بلند الحيدري، مصطفى جمال الدين، والخ… والقائمة تطول وتفجع.. لكأن البريكان كان استثناءاً حيث وُجِد مذبوحاً على فراشه، غير بعيد عن مرأى المراكب الغاربة، ونجيع الدم القادم، الذي ذكره الجواهري في أحد أبياته:
أرى أفقاً من نجيع الدماء تلوّن وازورتِ الأنجمُ
وغير بعيد عن شهقات السياب على شواطيء الخليج الملتطم، وهو يصيح:
"ما مرّ عام والعراقُ ليس فيه جوع".. كل الطيور المهاجرة تعود إلى أعشاشها في المواسم، إلا الشعراء العراقيون، فأنهم يعيشون في المنفى ويموتون في المنفى قبل أن يطلقون زفيرهم وأغنياتهم الأخيرة هناك، مثل طائر التم، ويهوون إلى الأبد:
"لي بظلِّ النخيلِ بلادٌ مسوّرةٌ بالبنادق
كيف الوصولُ إليها
وقد بعد الدربُ ما بيننا والعتابْ
وكيف أرى الصحبَ
مَنْ غُيّبوا في الزنازين
أو كرّشوا في الموازين
أو سُلّموا للترابْ
انها محنةٌ - بعد عشرين -
أنْ تبصرَ الجسرَ غيرَ الذي قد عبرتَ
السماواتِ غيرَ السماواتِ
والناسَ مسكونةً بالغيابْ"
- انتظريني تحت نصب الحرية، أغنيات على جسر الكوفة، العصافير لا تحب الرصاص، سماء في خوذة، مرايا لشعرها الطويل، غيمة الصمغ، تحت سماء غريبة، خرجت من الحرب سهوا، تكوينات، نشيد أوروك، صراخ بحجم وطن، تأبط منفى و الكتابة بالأظافر.. عدنان، هل يمكن اعتبار كل هذه المجموعات الشعرية ديكورا كافيا لإدانة مسرح الجريمة؟
* الجريمة أكبر وأشنع يا صديقي فما سرقوا من أعمارنا ووطننا لا يعوض بشيء ولا تكفيه أوراق العالم كلها ولا دموعه. كنت أحاول أن أسجل يوميات الحرب المريرة في دفاتري فأجدها تفيض وتفيض حتى لتغطي سريري ومكتبتي بالنجيع والرماد. كم من الأصدقاء ابتلعتهم سواتر الحرب والمقابر الجماعية.. وكم من الذكريات والأحلام والأيام تسربت من بين أصابعي غير مخلفة سوى مراراتها وحرمانها. كل آهة وكل سطر وكل دمعة وكل صرخة تدين تلك البشاعة ولا تسكت… وتظل تصرخ وتصرخ، كي لا تتكرر المأساة من جديد.. لكنها لا تستطيع أن تعيد شيئاً مما ضاع، وهو كثيرٌ وكثيرٌ وكثيرٌ.. في نصٍ لي كتبته عام 1987 أثناء الحرب أقول فيه:
"مَنْ يلمُّ الشظايا - غداً -
حينما تنتهي الحربُ، مرغمةً؟
مَنْ يعيدُ لأرملةِ الحربِ زهرتَها اليانعةْ؟"
- كتب سعدي يوسف في تعليق على تجربتك: "هناك تمايز أكيد. ثمة جرعة من الحرية، أثرت في الشكل وفي طبيعة المادة الخام. أهي النجاة من الكابوس؟ ربما، لكنها استلزمت التحديق فيه طويلاً.. من موقع الحرية". فهل يحتاج الشاعر أحيانا إلى تبادل الأدوار مع الوحيدة المزدراة، الحرية، و لو افتراضيا لتأثيث الكون الشعري الغير افتراضي؟
* الحرية هي الشرط الأول والأساسي في كل عملية إبداعية. كنا داخل الوطن نراوغ رقيبنا. نحلم بها، نقترب منها بحذر كأننا تقترب من لغم موقوت، لا نعرف بأي لحظة ينفجر بنا، ومع هذا ثمة اغراء لذيذ بالأقتراب وملامسة هذه الجذوة، الحلم، رغم كل شيء.. ذلك الهاجس وذلك الخوف ظلا ملازمين لي، وللكثيرين غيري، كل تلك السنوات الكالحة والموجعة والمميتة، ونحن نحاول أن نجابه الشراسة والطغيان بالكتابة الإبداعية، لتصبح هي، في الوقت نفسه، ملاذنا ومقصلتنا، خلاصنا ومحنتنا. كنا نحاول أن نؤثث مملكة للجمال فوق تلك الأنقاض، ونفتح كوة للنور داخل زنازيننا الأبدية..
- هل يمكن لمن تأبط منفى في جحيم الأمس أن يتأبط خوذة في صقيع اليوم؟
* لا مفر من أن تواجه معضلتك بدلاً من الفرار منها، سواء في النص أو في الحياة، في الممارسة أو في التفكير. وأي ابتعاد عن ملامسة سخونة الواقع أو صقيعه، هي – باعتقادي - عجز عن الإدراك وقصور في التعبير.
هنا تمنحك الحساسية الشعرية، ان كانت حيّة ومتأصلة لديك، شعوراً حقيقياً بالتواصل والتفاعل مع عصرك وناسك بكل اختلافاتهما وتناقضاتهما.. نعم.. أنا ابن هذا العصر بكل أخطائه وجماله ونزقه. أحاول أن ألملم شظاياه المتناثرة داخل نصي وأن ألم بأحداثه وخفاياه.
- هل يمكن لمن خرج من الحرب سهوا أن يدخل إلى ما يشبه السلم سهوا؟
* في بيروت اكتشفتُ أن أظافري التي طالت طيلة سنوات الحرب والحصار لا تتلاءم واتوكيتات المدينة والعصر. وقد تجرح النساء حين أصافح راحاتهن الناعمة. أول قارئة - وهي شاعرة أيضاً - واجهتني بعد طبع ديواني "نشيد أوروك" صبت جام غضبها على أسلوبي ووقاحتي… عبثاً حاولت إقناعها أنني، وأنني، وأني، لكنها أردفت ببرود جميل: ما يهمني ما مرّ بكَ. أريد شعراً يريح أعصابي. لا يهيجها ويثيرها ويمزقها.. بقيت أياماً أحاول أن أعرف أو أفهم أين أنا من الخارطة الجمالية الجديدة.. وكيف يمكنني أن أعايش هذه العوالم والإيقاعات التي لم ألفها. كنت أشبه بسجين يواجه النور لأول مرة في حياته. خطوات متعثرة، ورأس مكوكي لا يستقر على كتفيَّ.. بقيت أكتب بإرتباك لفترة طويلة وربما لا أزال.. في محاولة لتغيير أدواتي وملابسي.. ثم وفي ظهيرة بيروتية، قبل رحيلي منها باسابيع إلى البلد الإسكندنافي البعيد أيقظني من غفوتي تدحرج نرد وسقوطه على خدي.. كان طفلاي مهند ومثنى يلعبان به لعبة "حية ودرج".. أمسكته بيدي لدقائق طويلة - وسط حيرتهما ودهشتهما وارتباكهما - دون أن يدريا أو أدري أنني أمسكت، في هذه اللحظة، نصي الجديد "نرد النص"!!..
- كتب جمال الغيطاني أن ثمة من اعتبرك جبران جديد، هل هذه ميزة المنافي الشمالية الباردة؟ وهل علينا أبدا أن تُسحب منا استمارات الحرية كي نندفع لوجهة غير معلومة جغرافيا لكنها في النهاية تهدي لنا تاريخا باذخا من الشعر و الأحزان؟
* المنفى تنويع آخر في الكتابة وجدتني ملقىً في هذه المدينة، لوليو، الهادئة الوادعة في جنوب القطب الشمالي، بدرجة حرارة تصل إلى 36 تحت الصفر، وحيث أعلى درجات الهدوء والسلام والرخاء والصقيع والحرية. أنا القادم من لهيب شمس لا ترحم، وحروب لا ترحم، وسلطات لا ترحم، ومحظورات لا ترحم.. كانت تجربة جديدة
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ