حوار مع المستعرب روجير آلان

كتبهاعتبات/ seuils ، في 30 مايو 2007 الساعة: 19:05 م

 

مع المستعرب روجر آلن

 

حاوره: كمال الرياحي 

  لا يمكن حصر العلاقة بالآخر  في التاريخ الإستعماري و لا في   فكر  الاستشراق  الذي  انكشفت ألاعيبه  و نواياه , فبين الشرق و الغرب  علاقات أخر  أكثر حوارية , و لأننا في حاجة إلى مرآة الآخر أحيانا لمعرفة أنفسنا ,فمرآتنا حولاء و أحيانا تنقلب عمياء . نفتح الباب للحوار مع هذا الآخر و خاصة من هو مهتمّ بنا  و بأدبنا و ثقافتنا . روجر ألن واحد من هؤلاء الغربيين الذين يحلو لهم تسمية أنفسهم بالمستعربين , تعود بداية علاقته بالعرب  إلى تاريخ اهتمامه بالأدب العربي  من خلال أطروحته الشهيرة حول أدب المويلحي و التي بدأها سنة 1961 

 

§   روجر آلان أستاذ الأدب العربي الوحيد بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة

§ ولد في إنجلترا 1942، وتلقى تعليمه في جامعة أوكسفورد.
حصل على درجة الدكتوراة في 1968 عن أدب "محمد المويلحي"

§ منذ هجرته إلى الولايات المتحدة في 1968 تخصص آلان في الأدب العربي، ونشر ما يقرب من 30 بحثا ومقالا عن الأدب العربي

§ صدر له العديد من الكتب  النقدية المهتمة بالأدب العربي  ترجم بعضها إلى العربية  مثل " الرواية العربية  مقدمة تاريخية و نقدية " ترجمة حصة ابراهيم منيف  و " مقدمة للأدب العربي " ترجمة رمضان بسطويسي و مجدي احمد توفيق و فاطمة قنديل .

§ قام بترجمة العديد من الأعمال الأدبية العربية، ومنها "المرايا" للروائي المصري نجيب محفوظ 1977، "السفينة" لعدنان حيدر، "النهايات" لعبد الرحمن منيف (1988)، وعدد من القصص القصيرة ليوسف إدريس ونجيب محفوظ، "دنيا زادة" لمي التلمساني 1990، "العلامة"، "مجنون الحكم" لـ بن سالم حميش 2003.. 

§ يعمل في مشروع ترجمة العربية الذي تديره الشاعرة الفلسطينية سلمى الجيوسي في الولايات المتحدة Administrative Board of The Project for the Translation of Arabic (PROTA)، فضلا عن عمله كأستاذ للأدب العربي في قسم الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية بجامعة بنسلفانيا ومراسل لجائزة نوبل. 

 

 

 

حاولنا في هذا الحوار الخاطف معه أن نرصد بعضا من نظرته إلى الأدب العربي  بعد هذه  المعاشرة الطويلة  له  نقدا و ترجمة و تدريسا . كما حاولنا أن  ننتزع منه  اجابة عن علل اختياره لنصوص عربية   دون غيرها  لترجمتها  و ترشيحها إلى جائزة نوبل للآداب و التي قال أن على العرب أن ينتظروا  20 سنة أخرى لكي ينتظروا  أن تعود إليهم الجائزة , كما أكّد أن لا سبيل أمام  الأدب العربي  للطمع في نوبل سوى الترجمة و لا غير الترجمة  و على رأس  اللغات التي يتوجّب على الأدب العربي الحالم بنوبل  أن يترجم إليها  هي السويدية. فيقول :"   -  ليس هناك أي فائدة في تقديم اسم كاتب عربي للجنة جائزة نوبل بدون توفر عدة أمثلة للنصوص إما المكتوبة في اللغات الغربية أو المترجمة إليها"

و في حوار سابق سألته فيه  هبة ربيع  عن الأسباب التي تدفعه إلى ترجمة نص  عربي دون غيره  ,أجاب "حاولت مؤخرا ألا أختار النصوص العربية التي تأخذ طابع التراث الروائي الأوربي، وأبحث عن المختلف والغريب والصعب في الترجمة لأقدم تحديا للقارئ الغربي يجعله يواجه عناصر الاختلاف في الثقافة العربية، وألا أؤكد موقفه المسبق من الثقافة العالمية. وفي روايات الثلاثية أخذ نجيب محفوظ منحى كثير من الروائيين السابقين من حيث الحبكة الفنية ورسم الشخوص وسير الأحداث من مقدمة وعقدة وحل، لكنني بعد 30 سنة من ترجمتي لمحفوظ أرى أن أهم أعماله يتمثل في روايات من نوع "رحلة ابن فطوطة" و"ليالي ألف ليلة"، وهي مؤلفات مختلفة تماما عن توقعات القارئ الغربي؛ لأنه يمكن لأي مؤلف عربي كتابة رواية على النهج الأوربي التقليدي متقيدا بالحبكة والشخوص وتطور الأحداث."  فماذا تراه يقول في هذا الحوار ؟

عمّان  الثقافية  تفتح بهذه السلسلة الجديدة من اللقاءات   الحوار مع الثقافات الأخرى  الأوروبية و الافريقية  و الأمريكية بحثا عن صورة الأدب العربي  هناك. 

- متى بدأ اهتمامك بالأدب العربي؟ و لماذا الأدب العربي بالذات؟    

 

- بدأت دراساتي للغة العربية في جامعة أكسفورد في سنة 1961 بعد تغييري لموضوع التخصص من الحضارات الكلاسيكية (اليونانية القديمة والرومانية) إلى الدراسات العربية.  وبعد وصول الأستاذ محمد مصطفى بدوي إلى الجامعة في سنة 1963 , وهو أول أستاذ عربي عُين في قسم الدراسات العربية وأول متخصص بالأدب العربي الحديث , تخصصت بالأدب العربي والأدب الحديث بوجه الخصوص وفي سنة 1968 حصلت على شهادة الدكتوراه الأولى في الأدب العربي الحديث من جامعة أكسفورد (تحت إشراف الدكتور بدوي) وكان موضوع التركز في الرسالة "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي (والذي أعددت مؤخرا (2002) مؤلفاته الكاملة للنشر في القاهرة).

  

 

- أين تضع تجربتك  في خانة المستشرقين أم المستعربين ؟أم أن اهتمامك بالأدب العربي لا يعني دخول إحدى الخانتين ؟

 

من المعلوم أن الأدب له علاقات قريبة جدا بالمجتمع الذي أُبدع فيه.  وأكثر ظني أن هذا العنصرالمهم في أي عملية تقييم دور الأدب ودراسته لا تزال له أهمية كبيرة في بعض الحضارات العالمية لا توجد في حضارات أخرى (أو بالأحرى , إلى تفس الحد). وإذا عشنا الآن فترة ما بعد الاستعمار , فأكثر ظني في نفس الوقت أننا تجاوزنا فترة الاستشراق إلى ما أسميه بفترة الأستعراب. فأكثر المختصين الغربيين في الدراسات العربية والأسلامية الذين يدرّسون ويقومون بمشاريع بحثية في هذا الميدان الآن يفضلون الاشتراك مع زملائهم العرب في نشاطاتهم—المبدعين منهم في مجال الأدب وأنواعه والنقاد , وهذا بعد ازدياد مرموق في مهارات هؤلاء المختصين الغربيين اللغوية يسمح لهم بالإقامة في البلدان العربية وتأسيس علاقات زمالة وصداقة بالزملاء العرب.  وفي ميدان الأدب خاصة , يهتم أكثر المختصين الغربيين الأن بالأبعاد الأدبية والجمالية والنقدية والنظرية للموضوع وليس بالميادين الاجتماعية والسياسية إلى نفس الحد (وهذا انعكاس مباشر للاتجاهات الموجودة في أكثر البرامج الأكاديمية للأدب , والأدب المقارن بوجه الخصوص , في الجامعات والكليات والمعاهد الغربية).  فيبحث المستعرب المعاصر عن طرق التعاون والمشاركة ولم تعجبه , ومنذ عدة عقود ,  دراسة العالم العربي ومنتوجاته الأدبية خاصة من بعيد وبدون طرق التعاون مع الكتاب العرب (وإن كان من الممكن الإشارة إلى أن كثير من المعلقين العرب على ظاهرة "الاستشراق" يكتبون عنه وكأنهم لم يقرؤوا كثيرا من المصادر التي نشره أعضاء الجيل الجديد من المختصين الغربيين منذ عدة عقود (ومن الإنصاف أن أشير هنا إلى الحالة المؤسفة جدا في عدم توفر هذا النوع من الدراسات في كثير من البلدان العربية وكذلك في توزيع الكتب العربية منها والغربية داخل العالم العربي ذاته.

وإضاقة إلى ذلك من الواجب عليّ من خلال هذا السؤال فيما يخص الاستشراق أن أشير إلى أن الحكومات الغربية قد أهملوا ولا تزال تهمل آراء المختصين في الميادين المختلفة للدراسات الشرق-أوسطية ويعتمدوا في وضع سياساتهم على آراء خطيرة طوّرها كتلة صغيرة من ال"مختصين" الذين لا يعكس موقفهم تجاه العرب والعالم العربي آراء أكثر المختصين الذين أشرتُ أعلاه إلى رغبتهم في تطوير طرق التعاون مع سكان المنطقة وليس المواجهة.                     

 

- هل تعتقد أن كل المستشرقين قدموا خدمات للثقافة العربية أم انهم في كثير من الحالات عملوا على نقلها مشوّهة ؟إما لأنهم لم يفهموها أو لأن وراء كتاباتهم خلفيات ايديولوجية؟

 

المشكلة المركزية هنا في المصطلحات المستعملة.  فلا يزال كثير من الكتاب العرب يستعملون كلمة "مستشرق" وكأنها إشارة إلى أي دارس في أي بلاد غربية يهتم بالشرق الأوسط فسأقول أنا , وبوضوح كامل إن شاء الله , إني لست مستشرقا بل مستعربا وهذا لأني (وكما أشرت إليه أعلاه) لست عضوا من جيل المستشرقين , وهو—في رأيي على الأقل—جيل قد مضى وقته وتأثيره.  وهنا يمكن طرح سؤال مهم جدا (وأنا هنا آخذ بالاعتبار آراء منظرين من أهم الكتاب الفرنسيين في هذا المجال): هل من الممكن أن يكتب أي كاتب كتابا سياسيا أو اجتماعيا أو نقديا بدون اللجوء إلى ما يمكن لسميته بالإيديولوجية؟ وفي هذا المجال من الممكن أن اقترح أن سوء الفهم والتفاهم كان ولا يزال من أكثر سمات الدراسات المقارنة للحضارات العالمية ولأسباب معروفة (وكما نقول باللغة الفرنسية: يحيى الاختلاف!).  ومن المعلوم والمعترف به أن بعض المختصين بالدراسات الأسلامية والشرق-أوسطية , وبوجه الخصوص من الأجيال السابقة , أدمجوا في مكتوباتهم إشارات واضحة جدا إلى مواقفهم الحضارية وحتى الدينية ولكن لا اعتقد في نفس الوقت أن هؤلاء ال"مستشرقون" يختلفون اختلافا مرموقا عن أي مجموعة باحثين آخرين قاموا ويقومون بعملية دراسة حضارات وثقافات عالمية أخرى.  وإن لم أوافق أنا بأكثر ما عبرعنه كثيرٌ من المستشرقين من الآراء , فأفضل أنا التركز على إيجابيات الوضع (والتي ذكرت بعضها في إجابتي للسؤال السابق).

               

 

- كيف تقدمون الأدب العربي في الجامعات الأمريكية و الغربية بصفة عامة هل تركّزون  اهتمامكم على جمالياته أم على محمولاته؟

 

 

بدأت عملية الإجابة على هذا السؤال أعلاه.  وفي الجامعات الغربية ندرّس الأدب في صيغة الدراسات النقدية والنظرية ونهتم أكثر الوقت بالأبعاد الجمالية للأدب.  ومن الواجب علينا في البداية الأعتماد على نصوص مترجمة لأن اللغة العربية تتطلب فترة زمنية طويلة جدا لإتقان المهارات اللازمة لقراءة النصوص الأدبية المعقدة أسلوبا وشكلا.  وفي واقع الأمر ولسؤء الحظ تتوفر صفوف (مواد) في الأدب العربي في مجموعة صغيرة جدا من الجامعات والكليات ويتخصص به عدد صغير من الطلاب.      

 

- اهتممت في البداية بالمويلحي .هل ترى في روايته "حدث عيسى بن هشام"  النص المؤسس للرواية العربية . و هل يمكن أن نقول إن الرواية باستفادتها من فن المقامة تقف دليلا على تجذّر الفن الروائي في الادب

 العربي و ان رواية زينب لم تكن الانطلاقة الفعلية له؟

 

"حديث عيسى بن هشام" هو جسر يتصل عبره التراث السردي العربي بالأنواع السردية الغربية في فترة تطوير أنواع جديدة مستوردة مثل الرواية.  ولا اعتقد أنه من الممكن ولا المفيد أن نتكلم عن "رواية أولى" لأن تطور الأنواع الأدبية يتطلب عدة عناصر مشتقّة من أكثر من جهة واحدة حتى تصل إلى مرحلة من الممكن فيها القول إن نوعا جديدا قد وصل في الميدان الأدبي (ومثلُ المقامة في التراث السردي يشير إلى ذلك بوضوح لأن الهمذاني جمع عناصرالتراث السردي من سوابقه—السيرة والخبر وأسلوب السجع—في شكل جديد).  أما الرواية فمن البسيط الإشارة إلى أمثلة عديدة (للمراش ولسعيد البستاني وليعقوب صروف ولجرجي زيدان مثلا) كتبت ونشرت قبل نشر سلسلة "قترة من الزمن" (والتي أصبحت فيما بعد "حديث عيسى بن هشام" في 1907).  فمن الواجب علينا الآن إعادة كتابة تاريخ النهضة , آخذين بالاعتبار جانبين:  الأول علاقة النصوص المنشورة في القرن التاسع عشر بالتراث ("الساق على الساق" للشدياق مثلا و"حديث عيسى بن هشام") , والثاني أن تطور الأنواع الأدبية عامة والسردية منها خاصة عملية معقدة ومطولة وأن لكل نوع عدة وجوه (في الرواية مثلا , الرواية التاريخية والرومانسية وال"واقعية").  وفي مثل هذا السياق تصبح رواية "زينب" لهيكل مرحلة من المراحل العديدة في تطور نوع الرواية لها سوابق عديدة في أكثر النواحي المتعلقة بتطوير النوع. 

 

- بعد متابعتك  الطويلة لروايات محفوظ هل الكم الهائل من  الروايات التي أنجزها تعكس تطوّرا فنيا في المقابل ؟أم انه ركض وراء التراكم فقل التجريب و الخلق ؟

 

من الواضح جدا أن محفوظ قد اهتم بالأبعاد الفنية لكتابة السرد منذ البداية , في قراءاته للمصادر النظرية للموضوع وفي عملية تطويره الطويلة للنواحي المتنوعة للفن الروائي.  وبكتابة روايات الأربعينات وبتتويجها بالثلاثية المشهورة (والتي أشارت إليها بوضوح لجنة نوبل في 1988)  أكمل محفوظ المرحلة التطويرية للرواية و"دجّنها" داخل المجتمع العربي ووفر لمعاصريه وأخلافه قاعدة كان من الممكن بها أن يجرب هو ويجربوا هم في عدة اتجاحات جديدة للرواية العربية كنوع أدبي يأخذ بالاعتبار كل المسائل المتعلقة بتطوير مجتمع عربي جديد في العصر ما بعد الاستعمار وبتطوير هوية عربية تلاقي أسسها ليس في الأوضاع الراهنة فقط بل في إعادة النظر في الماضي والتراث (وهذا بعد النكسة بوجه الخصوص).  والمهم أن نشير إلى أن الثلاثية هي مرحلة وسطى فقط في تطوير محفوظ لفنه الروائي وأنه اشترك مع معاصريه الروائيين في إبداع روايات متنوعة في كل النواحي , أسلوب السرد (والحوار خاصة) والمواضيع (المجتمع المصري طبعا ودور الدين في مجتمع  معاصر والفرعونية والتصوف). 

ومن غير ممكن بطبيعة الحال أن نذكر أي مؤلف على المستوى العالمي وأن نقول إن مؤلفاته كلها لها نفس القيمة ولكن من اللازم في نفس الوقت أن نعترف بأن عملية التقييم يعتمد على مقاييس معينة معروفة وأن تلك المقاييس هي كذلك تتغير حسب أذواق العصر والمنطقة.            

 

- اهتممت بكتابات إسماعيل فهد إسماعيل. هل استطاع هذا  الكاتب أم يخرج من جلباب محفوظ ؟ و هل قدّم رؤية خاصة  للمجتمع الخليجي الذي يعيش فيه ؟

 

- كتبت فصلا في كتابي عن الرواية (بالإنكليزي 1982) عن رباعية إسماعيل فهد أسماعيل ولكن لم أهتم بمؤلفاته منذ ذلك الوقت. ولسوء الحظ إنه من غير الممكن لأي متخصص غربي أن يدرس مؤلفات كل الكتاب من المناطق العربية المختلفة.

 

- لماذا تركت المشهد الروائي المشرقي لتتجه نحو نظيره المغربي ؟هل أدركت أن المغرب العربي أصبح يقدّم روايات راقية بدأت  تحوّل وجهة المركز نحو المحيط؟

 

لقد قررت قبل ثماني سنوات تقريبا أن أقوم بدراسة الأدب المغربي وذلك بعد أن اشتكى إليّ بعض الزملاء المغاربة الذين يدرّسون في الجامعات الغربية من عدم اهتمام المختصين الإنكليز بمنتوجات المغرب الأدبية.  وبعد أن قضيت سنة بحث في كلا من تونس والرباط  وقابلت كثيرا من المبدعين والنقاد  كان من الواضح جدا أن الأدب المغربي عامة يتطلب أهتمام الباحثين الذين يكتبون بالإنكليزية (وإن دامت سيطرة الدراسات الفرنسية والإسبانية للموضوع فترة طويلة ولأسباب متنوعة لها علاقة مباشرة بالقرابة الجيوغرافية وتأثير الاستعمار).  ولكن , والحق يقال إن عدد المختصين بالأدب العربي عامة قليل جدا وعدد المهتمين بالأدب المغربي منهم أقل.

 

-في الوقت الذي التفت فيه الغربيون إلى اعمال محمد شكري و محمد زفزاف ….لأسباب نعرفها اتجهت أنت نحو تجربة روائية معقّدة هي تجربة سالم حميش.كيف أقدمت على ترجمة روايات هذا المفكر ؟

 

قررت أن أترجم رواية عربية إلى الإنكليزية في الفترة التي يمكن تسميتها  بفترة ما بعض نوبل محفوظ ,  فبحثتُ عن مؤلفات في الصيغة الروائية لا تتبع المدارس والأمثلة الغربية االمعروفة لهذا النوع السردي  بل بحثتُ عن روايات تُؤكد العناصر الإبداعية القطرية والمحلية فيما يخص الموضوع والشكل والأسلوب.  أردت بذلك أن أدمج في وعي القارئ الغربي (والقارئ للنصوص المترجمة إلى اللغة الإنكليزية بوجه الخصوص) فكرة الاختلاف حضاريا ونصيا.  هناك اليوم عدة كتاب عرب يهتمون بمثل هذه المبادئ في كتابة روايتاهم—إبراهيم الكوني مثلا—حميش من أهم الروائيين الذين قاموا بإحياء أمثلة الأساليب التاريخية السابقة وتطبيقها في بعض رواياته.  وإضافة إلى ذلك  أنا لا أترجم الآن مؤلفات أي كاتب لم أقابله وأنا مسرور جدا من معرفتي الشخصية بالأستاذ حميش والتي تدوم عدة سنوات الآن.  

 

- يرى بعض النقاد أن اهتمامات  حميش الفكرية و الأيديولوجية أثرت في إبداعه الروائي خاصة في رواياته الجديدة مثل "فتنة الرؤوس و النسوة " هل شعرت بذلك و أنت تترجم العلامة و مجنون الحكم و هل تنوي ترجمة بقية أعماله .؟ و هل تجهزه بذلك للترشيح إلى نوبل بعد 10 سنوات  مثلا ؟

 

- باختصار شديد , لا ولا.  وقد ترجمت روايتي حميش لأنهما أعجبتاني لسماتها الفنية فقط بلا تدخل أي عناصر أخرى.  وبالنسبة لجائزة نوبل فلا أتوقع فوز أي كاتب عربي بالجائزة في المستقبل القريب ولا أترجم أي رواية عربية على هذا الأساس. 

 

- اهتممت بالرواية النسائية العربية مثل روايات حنان الشيخ .هل استطاعت الرواية  النسائية تقديم رؤية جمالية   مختلفة للرواية العربية؟ و هل عبرت بالفعل عن هواجس الانثى ام كانت ذات حس ذكوري ؟

 

- هناك اختلافات كبيرة بين كاتبات الرواية العربية فيما يكتبن عنه وكيف يكتبن, اختلافا تشابه عناصرُه الوضع المماثل عند الكتاب الذكور (ويمكن القول , بطبيعة الحال).  ومن المعلوم أن الرائدات في كتابة الرواية العربية فتحن أبواب البيت والعائلة وصورن الحياة اليومية والعادات العائلية من وجهة نظر مختلفة وجديدة وفرت لقراء هذا النوع السردي المهم عدة صور أصيلة للعلاقات داخل البيت بين أعضاء العائلة—الذكور منهم والإناث—وهذه الصور بطبيعة الحال هي صور لا يتمكن الكُتاب تقديمها بنفس الطريقة وبنفس الدقة والحساسية.  ولكن إضافة إلى هذه التفاصيل بالنسبة للمواضيع من الواجب علينا الاعتراف بأننا تجاوزنا الآن فترة من الواجب أن نفرق فيها بين مكتوبات الجنسين.  فهناك عدة كاتبات للرواية قد قدمنا إضافات من غاية الأهمية للنوع الرواية التي من مبادئها الأساسية أن تتغير دائما.     

 

- قلت إن أهم روايات محفوظ " رحلة ابن فطومة " و" ليالي ألف ليلة و ليلة "   هل لان  هذه الروايات استلهمت الموروث الأدبي العربي و اشتغل فيها محفوظ على بنية مختلفة لروايات تاركا النموذج الغربي ؟

 

- لم أقل في واقع الأمر أن تلك الروايات هي أهم ما كتب نجيب محفوظ ولا اعتقد ذلك.  وما قلت هو أن تلك الروايات هي أمثلة لاشتراك محفوظ مع زملائه الروايين العرب من "الجيل الجديد" (يعني خلفائه) في إحياء عناصر شكلية وأسلوبية من الأنواع السردية التراثية في عملية البحث عن طرق جديدة مبدعة للرواية العربية. وبجانب هذه التجارب كتب روايات أخرى ووهو يستعمل وسائل أكثر تقليدا للرواية الموروثة.

 

- هل نجح حميش في مقاربة ابن خلدون روائيا؟ام انه اعاد كتابة رحلته مشرقا و مغربا ؟بمعنى هل تعمق الكاتب في التخييل و حوّل هذه الشخصية من شخصية تاريخية الى اخرى ورقية ام  ان كتب رواية تاريخية  مطعّمة بالتخييل ؟

 

 

- هناك عناصر كثيرة من التخييل في رواية "العلامة" وإن أدخل حميش كثير من المعلومات والنصوص من تاريخ المؤرخ نفسه (في ليالي الإملاء مع حمو الحيحي مثلا وفي علاقة الحب بزوحته الثانية (والتي كانت أرملة الحيحي).  ومن المعلوم أن حميش يهتم بفلسفة التاريخ ويستعمل معرفته العلمية في ذلك المجال حتى يبدع القسم الأول من الرواية الذي يبحث فيه (ومع كاتبه) إعادة تشكيل بعض أرائه الموجودة في "المقدمة".  ف"العلامة" في رأيي مزيج فعال للعنصرين , التاريخ والخيال.

 

- هل فعلا الرواية العربية أصبحت تاريخ المجتمعات العربية و اصدق من  المصنفات التاريخية ؟

 

 

هذا يعتمد بوجه مباشر على الرأي  في أمر مصداقية  النصوص التاريخية! فالتاريخ والرواية كلاهما مثلان لنوع السرد فتعتمد أي محاولة في تقييم  قيمة المحتويات وأغراضها على عملية القراءة وأهداف القارئ وخلفيته الثقافية.   

 

- هل اطلعت على الرواية التونسية ؟

 

- نعم.  قضيت مدة ست أشهر في تونس الخضراء في سنة 1999 ولذلك استغللت الفرصة حتى اشتري نسخ عدة  من روايات تونسية من الصعب جدا الحصول عليها خارج البلاد (ولذلك الوضع تأثير مباشر على اهتمام (أو بالأصح , عدم اهتمام) المختصين بالرواية التونسية.  فقرأت روايات بعض الرواد مثل البشير خريف وعلي الدعاجي ومحمود المسعدي

والبشير بن سلامة ولكن ركزت أكثر على بعض المعاصرين: الحبيب سالمي وحسن نصر (دار الباشا) وصلاح بوجاه (النخاس) وعروسية نالوتي وعلياء التابعي ومحمود طرشونة.  والحق يقال , إنه من الصعب جدا أن يكتب أي متخصص إما عربي أو غربي عن تطور الأنواع السردية في تونس بسبب عدم توفر النصوص ذاتها والغياب النسبي لدراسات مفصلة لها من كثير من النواحي التاريخية منها والأكثر نظرية.      

 

- رشحت مجموعة من اللجان و المؤسسات المغاربية محمود المسعدي التونسي صاحب حدث ابو هريرة قال و السد و مولد النسيان  ,قبل وفاته, لجائزة نوبل . هل قرأت للمسعدي و هل لك رأي في هذا الترشيح ؟

 

- أشرت أعلاه إلى أني على اتصال مستمر بلجنة نوبل في الأدب ومن الواجب على مرشِّحي أي كاتب للجائزة أن يفهموا بعض الشروط المتعلقة بمشروع الترشيح.  أولا والأهم , لجنة نوبل تقرأ نصوص الكُتاب المرشَحين في بعض اللغات فقط (والعربية ليست من هذه اللغات) فبدون توفر نصوص مترجمة لأي كاتب عربي ولعدّة أمثلة من مؤلفاته وفي أكثر من لغة أوروبية واحدة , ليست هناك أي فائدة في ترشيح كاتب عربي على أساس قيمة المؤلفات وتقييمها النقدي في السياق المحلي العربي فقط.  وكان فوز نجيب محفوظ بالجائزة مثلا جيدا لما هو المقتضى وهذا بعدد مؤلفاته المتوفرة في نصوص مترجمة إلى عدة لغات أوروبية (والسويدية واحدة منها!) وتنوعها وتمايزها الفنية.   

 

- خيرت  ترشيح محفوظ بدلا عن أدونيس و بررت اختيارك بان الشعر صعب ترجمته . هل مازلت على رأيك ؟ و هل يكفي هذا السبب لاستبعاد كاتب ما عن الجائزة ؟

 

- ما قلت في ذلك المجال (وبحثته في محادثة شخصية مع أدونيس في القاهرة في سنة 1989) هو أن ترجمة شعر أدونيس بالتحديد صعب جدا وهذا لأنه عبر في كثير من المناسبات عن رأيه أن من أهم أغراض الشعر تغيير معاني الكلمات فبطبيعة الحال في هذا السياق تصبح عملية الترجمة معقدة جدا يتدخل فيه عناصر عبر-نصية عديدة.   

 

- ماهو اهم كتاب عربي مترجم مقروء اليوم في الغرب ؟و لماذا ؟

 

-إذا كنت  تشير هنا إلى "كتاب" أدبي. فالكتاب الأكثر شعبية من بين النصوص الأدبية المترجمة هو بدون أدنى شك ثلاثية محفوظ لأن القارئ الغربي يجد أي صعوبة نصية أو ثقافية في دخول عالمها ويفضل المعروف , نوعيا وشكليا , على غير المعروف.  وحتى إذا أخذنا بالاعتبار مؤلفات محفوظ الأخرى والأكثر "عربية" (ليالي ألف ليلة مثلا ورحلة ابن فطومة وأصداء السيرة الذاتية خاصة) وإذا تركنا جانبا مؤلفات كتاب وكاتبات آخرين , فلا تلاقي نفس الشعبية عند القارئ الغربي.      

 

- تربط بين الترشح لجائزة نوبل و الترجمة . لماذا لم يقع ترشيح ابراهيم الكوني و هو مترجم الى لغات عديدة ؟ و ما رأيك في ابداع هذا الكاتب الليبي ؟

 

-  ليس هناك أي فائدة في تقديم اسم كاتب عربي للجنة جائزة نوبل بدون توفر عدة أمثلة للنصوص إما المكتوبة في اللغات الغربية أوالمترجمة إليها.  وإذا كان لتقييم جدارة المؤلف المعين على المستوى المحلي دورٌ مهم في بداية العملية فكانت بداية فقط لعملية طويلة تعتمد , وإلى أبعد الحدود , على الترجمة وعلى عدد الكتب المترجمة وامتياز الترجمة نفسها وتنوع النصوص المقدمة للتقييم.

  

-  ما هي مشاريعك المستقبلية  نقدا و ترجمة ؟

 

لقد ترجمت في السنوات الأخيرة روايتين لبن سالم حميش ورواية "جارات أبي موسى" لأحمد التوفيق وأكملت قبل أيام ترجمة "حكايتي شرح يطول" لحنان الشيخ.  أما المشاريع النقدية والتي سأعود إليها الآن بعد كل هذه النشاطات في الترجمة , فهي تبحث العلاقة بين الرواية والتاريخ أولا وتطور نوع القصة القصيرة ثانيا.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الأدب الغربي و الترجمة | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر