حوار مع سارتر

كتبهاعتبات/ seuils ، في 30 مايو 2007 الساعة: 22:25 م

 

 

حوار مع سارتر

 

 

 

 

أجرى الحوار : برنار بانجو

 

- من خلال موقف الجيل الجديد تجاهك يبدو موقف ميشال فوكو هو الأكثر تماسكا. علاوة على انه أثار فضول جمهور واسع . فما رأيك فيه ؟

إن ما يقدمه لنا فوكو في كتابه " الكلمات و الأشياء " عبارة عن جيولوجيا، كما لاحظ ذلك كانترز جيدا : أي تلك السلسلة من الطبقات المتتالية التي تشكل أرضيتنا . وتحدد كل واحدة من هذه الطبقات شروط إمكان قيام نمط معين من الأفكار كانت له الغلبة في مرحلة من المراحل . إلا أن فوكو لا يخبرنا عن الأهم : ألا وهو كيف ينبني كل فكر انطلاقا من تلك الشروط ، وكيف ينتقل الناس من فكر إلى أخر ، وهو ها هنا قد يحتاج إلى إدخال الممارسة (البراكسيس) والتاريخ بالتالي ، وهذا بالضبط ما يرفضه ، أكيد أن منظوره يظل تاريخيا . فهو يميز بين المراحل ، السابق منها واللاحق . غير انه يضع الفانوس السحري في محل السينما ،( أي يضع) تعاقبا من لحظات السكون في محل الحركة . أن الحفاوة التي قوبل بها كتابه تدل ، بما فيه الكفاية ، على أن الناس كانوا بانتظاره . والحال أن الفكر الأصيل حقا ، لا يجد قط أحدا في انتظاره . و فوكو يمنح الناس ما كانوا في حاجة إليه : أي تركيبا انتقائيا يستعمل فيه روب – جرييه والبنيوية واللسانيات ولاكان و" تيل كيل " بالتناوب قصد البرهنة على استحالة قيام أي تفكير تاريخي .

إن فوكو يهدف ، بالطبع ، من خلال هجومه على التاريخ إلى الهجوم على الماركسية . والمطلوب هو تشكيل إيديولوجية جديدة ، تكون بمثابة السد الأخير الذي لازال بمستطاع البرجوازية إقامته في وجه ماركس . لقد كان الايدلوجيون البورجوازيون في الماضي يطعنون في النظرية الماركسية  عن التاريخ باسم نظرية أخرى . إما بإنجاز تاريخ للأفكار ، كما فعل توينبى ، أو بتصوير تتابع الحضارات على هيئة سيرورة عضوية ، كما صنع شبينغلر ، أو بفضح انعدام المعنى والعبث في   تاريخ " ملئ بالصخب والعنف " كما فعل كامو . ولكن كل هذه التواريخ المزعومة أصبحت خبرا بعد عين ، لان المؤرخين الحقيقيين لم يحتفظوا بها قط . ويمكن للمؤرخ اليوم أن يكون غير شيوعي ؛ إلا انه يعلم انه من غير الممكن أن يكتب تاريخا جديا دون أن توضع العناصر المادية لحياة الناس ، وعلاقات الإنتاج ، والممارسة ( البراكسيس )، في المقام الأول ، - حتى وان كان ( هذا المؤرخ ) يعتقد، مثلى ، أن " البنيات الفوقية " تشكل مناطق مستقلة نسبيا فوق تلك العلاقات. وعلى ضوء هذه الأعمال تبدو كل النظريات البورجوازية عن التاريخ بمثابة صورة كاذبة مبتورة . وليس بالإمكان اختراع نسق جديد لا يشوه ، بشكل أو بآخر مجموعة المحددات المشروطة هذه . ولانعدام القدرة على تجاوز الماركسية ، فينبغي إذن حذفها . سيقال انه من المتعذر الإمساك بتاريخ كتاريخ ، وان كل نظرية للتاريخ هي بالتحديد "دوكسولوجيا" ( نظرية تقوم على الشكر والحمد ) ، إذا ما استعملنا مصطلح فوكو . و بالتخلي عن تبرير مراحل الانتقال ، سيتم معارضة التاريخ – وهو ميدان اللايقين – بتحليل البنيات الذي يسمح ، وحده ، بالبحث العلمي الحقيقي .

-         أنت ترفض البنيوية إذن ؟

- أنا لا أناهض البنيوية ، قطعا ، إذا ما بقى البنيوي واعيا بحدود المنهج . هكذا يقول لنا بينفينست، بعد سوسير : " لقد غالى الناس كثيرا في استعمالهم للتعاقب أثناء دراستهم للسان . وقد آن أوان النظر إلى هذا الأخير من زاوية تزامنية، أي باعتباره نسقا من التعارضات ". و أنا اقبل هذه الفكرة بسهولة ، خصوصا وان الفكر بالنسبة لي لا يختلط باللغة . وقد مضى زمن كان الناس فيه يحددون الفكر باستقلاله عن اللغة ، وكأنه شيء لا يمكن الإمساك به ، كأنه شيء لا يوصف ، يسبق التعبير في الوجود . وها هم اليوم يسقطون في الخطأ المعاكس. فيحاولون إقناعنا بأن الفكر ليس سوى لغة ، كما لو أن اللغة نفسها لم تكن منطوقة.

والحقيقية أن ثمة مستويين للغة ، بحيث تتمظهر هذه في المستوى الأول باعتبارها نسقا مستقلا ذاتيا ، يعكس (عملية ) التوحيد الاجتماعي . أن اللغة عنصر من عناصر "المجال العملي – لها مد" أي مادة صوتية توحدها مجموعة من الممارسات . ويتخذ الباحث اللغوي كلية العلاقة هذه موضوعا لدراسته ، وله الحق في القيام بذلك مادامت ( هذه الكلية ) مشكلة سلفا . هذه هي لحظة البنية ، حيث تبدو الكلية وكأنها شيء دون إنسان ، كأنها شبكة من التعارضات يتحدد طرف كل عنصر فيها من طرف عنصر آخر ، وحيث لا حد هناك ، إذ لا وجود لغير العلاقات والاختلافات . إلا أن هذا الشيء الذي غاب عنه الإنسان هو في نفس الوقت ، مادة شكلها الإنسان ، وتحمل اثر الإنسان . وانك لن تجد في الطبيعة ، تعارضات مثل  تلك التي يصفها عالم اللغة . أن الطبيعة لا تعرف سوى استقلال القوى . وترتبط العناصر المادية ، بعضها ببعض  ، كما تؤثر بعضها في بعض . إلا أن هذا الرابط خارجي دائما . ولا يتعلق الأمر بعلاقات داخلية ، مثل تلك العلاقة التي تضع المذكر مقابل المؤنث ، والجمع مقابل المفرد ، أي أن الأمر لا يتعلق بنسق يشرط وجود كل عنصر داخله  وجود باقي العناصر . وإذا ما سلم المرء بوجود نسق من هذا النوع ، وجب عليه التسليم أيضا بان اللغة لا توجد إلا منطوقة ، أي لا توجد بعبارة أخري إلا وهى قيد الفعل . ويحيل كل عنصر من عناصر النسق إلى كل ، غير أن هذا الكل ميت ما لم يتكفل به شخصا ما ، ويشغله على هذا المستوى ، (وهو المستوى الثاني) ، لا يعود الكلام عن بنيات جاهزة  قد توجد دوننا . وهناك في نسق اللغة شيء لا يمكن للهامد إعطاءه لوحده ، وهو اثر ممارسة ( من الممارسات ) و لا تفرض البنية نفسها علينا إلا في نطاق ما هي مشكلة من قبل آخرين ولكي نفهم كيف تتشكل، ينبغي لنا، إذن ، إعادة إدخال الممارسة ( البراكسيس) من جديد كسيرورة مجمعة . على التحليل البنيوي أن يفضي ( إذن) إلى فهم جدلي .

 

 

 

        وهل ينطبق النقد الذي طرحته الآن على أعمال ليفى ستراوس؟

لقد احتج ليفى ستراوس غير ما مرة على المغالاة في استعمال مفهوم البنية في بعض الميادين التي يكون تطبيقها فيها محفوفا بالمزالق فعلا : مثل النقد الأدبي . أما الأبحاث التي يقوم بها هو بالذات في ميدانه فهي أبحاث إيجابية. ومن المؤكد أن التحليل البنيوي يسمح بفهم افضل لنسق علاقات القرابة المعقد ، أو لدلالة الأسطورة، ظاهريا ، هي دمج العناصر العبثية أو المستهجنة التي تهدد حياة مجتمع ما ، يبقى أن الناس هم الذين بلوروا الأسطورة وصاغوها ، بل أن أوغل المجتمعات في القدم ،و أكثرها جمودا في الظاهر ، تلك المجتمعات التي يسميها ليفى ستراوس المجتمعات " الباردة " ، هي مجتمعات ذات تاريخ ، فقط يأخذ (هذا التاريخ) حيزا زمنيا أطول من الحيز الذي يأخذه تاريخ المجتمعات"الساخنة" . ويستحيل من منظور بنيوي ، أي لا جدلي ، تناول هذا التطور . فالتاريخ يتبدى و كأنه ظاهرة محض منفعلة ، إما لكون البنية تحمل في طياتها ، ومنذ البداية ، أسباب موتها ، أو لان عنصرا خارجيا يحطمها .

لست اعترض على وجود البنيات ، ولا على ضرورة تحليل أوليتها. ولكن البنية ليست بالنسبة لي سوى لحظة من لحظات " المجال العملي – الهامد" ، إنها نتيجة ممارسة (براكسيس) تتجاوز منفذيها . ولكل إبداع بشرى ميدان سلبيته ؛ لكن ليس معنى ذلك أن السلبية تخترقه كلية . أنت تذكر كلمة اوغست كونت :" التقدم هو تطور النظام " ، إنها تنطبق تماما على الفكرة التي كونها البنيويون عن التعاقب، والتي تقول : أن الإنسان يتطور ، بمعنى ما ، من طرف تطور البنية ذاته . وأنا لا اعتقد أن التاريخ هو النظام . و إنما هو اللانظام . لنقل انه لا نظام عقلاني . وفى ذات اللحظة التي يحافظ فيها التاريخ على النظام ، أي البنية ، فانه يكون بصدد تفكيكها ، هكذا يخلق صراع الطبقات بنيات تتجلى عبرها ، وتشرطه بالتالي ، ولكنه بقدر ما يسبقها زمنيا بقدر ما يواصل تجاوزها دون توقف .

سأتناول مثلا هو ساد . أن عمل ساد يقع ضمن مجموعة " اركيولوجية " معينة . فهناك لغة العصر ، وهناك أيضا نمط الفكر الميت المترسب فيها . و من ضمن الموضوعات الأساسية لهذه الأيدلوجية ( نجد ) موضوعة الطبيعة . أن بورجوازي القرن الثامن عشر يعتبر أن الطبيعة خيرة . ولكن ساد ليس بورجوازيا . فهو أرستقراطي يشهد الانحدار المتزايد لطبقته . وهو يعلم أن الإمتيازات آخذه في الزوال . انه يجد نفسه ، إذن ، تجاه الآخرين ، في وضع من يملك ، نظريا ، حقوقا لا حد لها ، وفى نفس الوقت الذي لم يعد قادرا فيه على التمتع بها ، ولا على تحقيق رغبته الفردية كأرستقراطي .

 

-         هذه هي الوضعية الأصلية . و لفهم معناها كان على ساد أن يتجاوزها ، لصالح تركيب ذاتي ، (كان) هو السادية . إن السادية نظرية للعلاقة بين الناس ؛ وما يبحث عنه ساد هو التواصل . لكنه ، ولكي يعبر عن أفكاره حول التواصل ، سيجد نفسه مضطرا لاستعمال اللغة المعطاة له . ولو أن السادية جاءت متأخرة بقرن من الزمان لعرفت بأنها مناهضة للطبيعة . الأمر الذي لم يكن ممكنا في القرن الثامن عشر، بحيث كان على ساد  أن يمر عبر فكرة الطبيعة. هكذا سيقيم، إذن ، نظرية للطبيعة مماثلة لنظرية البرجوازيين مع فارق واحد هو أن الطبيعة ، بدلا من أن تكون خيرة، ستكون شريرة، فهي تريد موت الإنسان. وهكذا سينتهي كتاب "جولييت" بصورة رجل يستمني في بركان .

إن ما أقوله هنا سريع جدا ، بالطبع . و لكنك ترى أن هناك علاقة مزدوجة: ف" الطبيعة " تسرق من ساد معنى فكره ، إلا أن ساد يسرق، بدوره ، المعنى من الطبيعة .

- كيف  تفسر الحظوة التي يتمتع بها التوسير لدى نفس المثقفين الذين يعلنون انتماءهم لليفي ستراوس او فوكو او لاكان ؟ مع العلم أن التوسير ماركسي .

يؤكد التوسير بان الإنسان يصنع التاريخ دون وعى منه . ليس التاريخ هو الذي يقتضيه، بل أن المجموعة البنيوية التي يتموضع ضمنها هي التي تشرطه . أن التاريخ يدلف إلى البنيات . لكن التوسير لا يرى أن ثمة تناقضا بين بنية المجال العلمي الهامد وبين الإنسان الذي يكتشف نفسه مشروطا بها . ويتخذ من كل جيل تباعدا جديدا تجاه هذه البنيات ، وهذا التباعد هو الذي يسمح بتغير البنيات ذاتها . ويتمسك التوسير ، مثله في ذلك مثل فوكو ، بتحليل البنيات . الأمر الذي يرجع – من الزاوية الايبستيمولوجية – إلى اتخاذ موقف لصالح التصور (le concept) ضدا على المفهوم (la notion) . فالتصور لا زماني. ويمكن لنا أن ندرس كيف تتوالد التصورات ، بعضها من بعض ، داخل مقولات محددة . غير أن الزمن ذاته ، والتاريخ بالتالي ، لا يمكنهما أن يكونا موضوعا لتصور ما ، فهناك تناقض في الحدود . وما أن يدخل المرء الزمنية ، حتى يلزمه مراعاة أن التصور يعرف تعديلا داخل التطور الزمني . أما المفهوم فيمكن تحديده، على عكس ذلك ، باعتباره ذلك المجهود التركيبي الهادف لانتاج فكرة تتطور هي ذاتها، عبر التناقضات و التجاوزات المتتالية ، وتكون، من ثم، متجانسة مع تطور الأشياء. وهذا ما يسميه فوكو "دوكسولوجيا" ويرفضه .

وخلف هذا التيار الفكري بمجمله نجد ، في العمق، موقفا ديكارتيا جدا: فمن جهة هناك التصور، وهناك الخيال من جهة أخرى . وهذا هجوم ضد الزمن. (فالموقف المذكور) يرفض التجاوز، أو على الأقل، يرفض تجاوزا يقوم به الإنسان. وهنا نعود إلى النزعة الوضعية. فقط ( ينبغي توضيح ) إنها لم تعد وضعية وقائع، بل صارت وضعية علامات. هناك كليات، أو مجموعات مبنينة تتشكل عبر الإنسان ، بحيث تنحصر وظيفة الإنسان الوحيدة في فك رموزها ، وان يكون فوكو قد حيا المجهود " الشجاع " لالتوسير ، فهذا دليل على انهم يسيران ، معا، في نفس الاتجاه . عندما كان ماركس قيد الحياة ، لم يستعمله آخرون قط . وإذا ما استطاع البنيويون استعمال التوسير ، فذلك يرجع إلي أن لديه إرادة تفضيل البنيات على التاريخ .

-         - يقدمك البعض ، أحيانا، على انك آخر الفلاسفة . وهذه طريقة لقول أن الفلسفة قد ماتت . فما رأيك ؟

إذا ما سلم المرء ، مثلى ، بان الحركة التاريخية تجميع دائم ، وبان كل إنسان هو جامع ومجمع في كل آن و حين ، فان الفلسفة تمثل مجهود الإنسان المجمع من اجل استعادة معنى التجميع . ولا يمكن لأي علم تعويضها ، وذلك لان كل علم ينصب في ميدان ، من ميادين الإنسان ، سبق تقطيعه . ومنهج العلوم تحليلي ، في حين أن منهج الفلسفة لا يمكن إلا أن يكون جدليا . وان الفلسفة – من حيث هي تساؤل حول الممارسة ( البراكسيس ) – هي بذات الوقت تساؤل حول الإنسان ، أي  حول الذات الجامعة للتاريخ . ولا يهم ان تكون هذه الذات قد حادت عن مركزها أو لم تحد . كما أن الأساسي ليس هو ما صنع بالإنسان ، بل ما صنعه هو بما صنع به. وما صنع بالإنسان هو البنيات ، هو المجموعات الدالة التي تدرسها العلوم الإنسانية . أما ما يصنعه الإنسان ، فهو التاريخ ذاته ، هو التجاوز الواقعي لهذه البنيات عن طريق ممارسة جامعة . وتقف الفلسفة في نقطة التقاطع . أن الممارسة ( البراكسيس) هي ، في حركتها، تجميع تام ؛ إلا إنها لا تنتهي قط سوى إلى تجميعات جزئية ، سيتم تجاوزها بدورها . والفيلسوف هو ذلك ( الشخص )  الذي يحاول التفكير في هذا التجاوز .

-         وهو يملك منهجا لهذا الغرض ، وهو المنهج الوحيد الكفيل بتناول مجمل الحركة التاريخية عبر نظام منطقي ، هو الماركسية . والماركسية ليست نظاما جامدا ، و إنما هي مهمة ومشروع مطروحان للإنجاز . و لأسباب مختلفة حصل توقف في إنجاز هذه المهمة ، لقد رفض الماركسيون لمدة طويلة ، إدماج المعارف الجديدة حول الإنسان ، ومن هنا أفقرت الماركسية . أن المسالة المطروحة اليوم ، هي مسالة معرفة ما إذا كنا نرغب في إعادة الحياة إليها ، عبر توسيعها وتعميقها ، أم أننا نفضل تركها لتموت . أن يتخلى المرء عن الماركسية معناه التخلي عن فهم الانتقال . و الحال أنني أظن بأننا دائما في حالة انتقال ، ودائما في حالة تفكيك عبر الإنتاج و في حالة إنتاج عبر التفكيك ؛ وبان الإنسان منقطع وبشكل دائم عن البنيات التي تشرطه ، وذلك لأنه مختلف عما يجعل منه ما هو ، وبالتالي لست افهم هذا التوقف عند البنيات : فهذه فضيحة منطقية بالنسبة لي .

http://www.enashir.com/blogs/tarik/9481/

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حوار مجهول مع سارتر

أنا ضد نفسي

 

ترجمه:  ايمن عبد الهادي

 

في عام 1972 قرر بول ا. شليب الذي كان يدير سلسلة "مكتبة الفلاسفة الأحياء" في الولايات الأمريكية أن يصدر عددا خاصا عن سارتر وجمع أكثر من ثلاثين دراسة شاملة عنه وأخذ وعدا من الفيلسوف الفرنسي نفسه بان يمده بسيرة ذاتية  مختصرة عنه يكتبها هو بنفسه، ولكن سارتر فقد بصره وتعذر بطبيعة الحال أن يفي بوعده، الذي قدمه لبول شليب. وعليه تقابل الاثنان معا في مجموعة من اللقاءات في الفترة من12 حتى 19 مايو 1975  مدتها سبع ساعات في حضور "اوريست بوتشينى "الأستاذ الجامعي و"سوزان جرونهيك " الأستاذة بالكولاج الامريكى بباريس و"ميشيل ريبالكا" الذي أصدر مع ميشيل كونتا مجموعه أعمال عمن سارتر الكاملة عن مكتبة "البلياد "الشهيرة. وقد رفض أستاذ الوجودية الفرنسي وقتها أن يشهد تلك اللقاءات أي من الفلاسفة الفرنسيين الأكاديميين .

هنا ترجمة لنص تلك الحوارات الهامة والتي نشرت لأول مرة عام 1981 في كتاب بعنوان "فلسفة جون بول سارتر " تحت إشراف بول أ. شليب وقد نشر هذا النص في عدد "مجازين ليتيرير " رقم 182 والذي صدر في مارس 1982 وأعادت المجلة الفرنسية نشره في عدد فبراير الماضي .

ـ ميشيل ريبالكا كتابة الأدب كانت مشروعكم الأساسي ما الذي آل بكم إذن نحو الفلسفة؟  جان بول سارتر: لم أكن مهتما أبدا بالفلسفة كفلسفة خاصة،إن من بين من درسوها لي أستاذا يدعى شابريه  وهو لم يجعلني ارغب أبدا في دراسة الفلسفة ولم تؤاتنى تلك الرغبة أيضا في معهد المعلمين المركزي، أما أستاذي بيرنز فقد كان صعبا للغاية، ولم أكن افهم ما يقوله . وفى إعدادية معهد المعلمين قررت أن ادرس الفلسفة وذلك بفضل أستاذ جديد هو كولونا ديستيريا ــ وقد كان ضئيلا جدا ومصابا وذا عاهةــ وهناك كانوا يحكون أن سيارة أجرة كانت قد صدمته، و أن جموع الناس اقتربت منه لحظتها  وهم يقولون "ياللهول "وفى واقع الأمر لقد كان مصابا بعاهته منذ وجوده وأول بحث قام بتدريسه مسترشدا ببرجسون كان ما الديمومة لذا فقد قرأت دراسة عن المعطيات  المباشرة للوعي،وبالتأكيد هذا ما دفعني فجأة باتجاه دراسة الفلسفة فقد وجدت في هذا الكتاب وصفا لما اعتقدته حياتي النفسية  لقد فتنت به حيث أصبح موضوعا تأمليا بالنسبة لي .

وقلت لنفسي سأدرس الفلسفة وفكرت بكل بساطة ووجدت أن الفلسفة طريقة لوصف حالات الإنسان الداخلية وحياته النفسية فكل شيء يمكن أن يفيد كمنهج وأداة في اعمالى الأدبية، وكنت ارغب دائما في مواصلته كتابة الروايات وأحيانا بعض الدراسات ولكنني رأيت أن حيازة الأستاذية في الفلسفة وان تصبح معلما للفلسفة فان ذلك سيساعد في معالجة الموضوعات الأدبية .

ريبالكا في تلك الفترة كنت ترى الفلسفة أساسا للعمل الادبى  الم تكن ثمة حاجة لابتكار فلسفة تأخذ في اعتبارها حياتك الخاصة .

سارتر هدفي كان الاثنين كنت أريد أن أفسر حياتي…. "حياتي الداخلية كما كنت اسميها ـوكان من شأن هذا أن يفيد كأساس للأعمال التي تعالج موضوعات لا اعلمها ولكنني كنت متأكدا أنها موضوعات أدبية خالصة .

ريبالكا في عام 1924 عندما دخلت Ecole normaleهل كنت قد اتخذت قرارك؟

 سارتر كان قراري أن ادرس الفلسفة كمادة أصبح أستاذا فيها أدركت الفلسفة كوسيلة، ولكنني لم أرها كمجال يمكن أن أكرس اعمالى له دون شك كما كنت أفكر سأستخلص حقائق جديدة ولكنها لن تفيدني في الاتصال بالآخرين .

ريبالكا :إذن هل تعلق الأمر  باهتداء ما ؟

سارتر : للكنه كان أمرا جديدا جعلني أتناول الفلسفة كأمر جاد . قاعدة وأساسا لما سأكتبه لم تبد لي الفلسفة كشيء  ما لابد أن يكتب نفسه بنفسه لقد احتفظت ببعض الملاحظات.الخ . حتى قبل أن اقرأ  برجسون كنت مهتما بما اقرأ وأكتبه من "أفكار " بدت لي فلسفيه:بل كان عندي مفكرة طبيب،مقسمة أبجديا  كنت  قد عثرت عليها في المترو وكنت أدون فيها تلك الأفكار .

ريبالكا: لنعد إلى الوراء  هل كان ثمة اهتمام فلسفي في عائلتك ؟

سارتر : على الإطلاق جدي لأبى كان مدرسا للغة الألمانية وكان لا يعلم شيئا عن الفلسفة وكان يسخر منها وزوج أمي كان مهندسا تخرج في مدرسة العلوم والفنون والفلسفة هنا كانت فلسفة علوم بشكل من الأشكال .

ريبالكا :هل اثر على قرارك بعض الأصدقاء مثل  نيزان ؟

سارتر لا بالرغم من أن نيزان ولا اعلم لماذا . درس الفلسفة في نفس وقت دراستي لها وأصبح هو أيضا أستاذا للفلسفة بعد بعض السنوات . لقد تحول في نفس وقت تحولي ولعبت الفلسفة بالنسبة له نفس الدور الذي لعبته بالنسبة لي 

رييبالكا :الم تكونا متفقين؟

سارتر: بلى دونما شك

ريبالكا: ما الذي أثار اهتمامك فيما قرأته عند برجسون ؟

سارتر: المعطيات المباشرة للوعي هي التي أثارتني، احد الأساتذة في السنة الدراسية الأولى وجهني نوعا ما إلى دراسة ذاتي، ومنذ ذلك الوقت اهتممت بمعطيات  الوعي  بدراسة  ما يحدث في الدماغ،الطريقة التي تتشكل بها الأفكار كيف تظهر المشاعر وكيف تختفي …الخ عند برجسون  وجدت ملاحظات حوت فكرة الزمن  عن الوعي عن ما كان يمثل حالة من الوعي….الخ وهذا اثر على دونما شك ومع ذلك انفصلت  سريعا جدا عن برجسون  لإننى أهملت أفكاره في نفس فترة الدراسة في إعدادية معهد المعلمين .

ريبالكا في كتابكم"الخيال"هاجمتم برجسون بشده إلي الدرجة التي عاتبكم فيها ميرلوبونتي.

سارتر : لم أكن معتنقا الأفكار برجسون أبدا ، ولكن تعرفي الأول معه أوضح لي طريقه في دراسة الوعي جعلتني أقرر دراسة الفلسفة.

سارتر: أول أعمالك الفلسفية الهامة والذي قدم في دبلوم الدراسات  العليا عام

1927 دار حول الصورة لماذا حازت الصورة على اهتمامك  أكثر من أي شيء أخر ؟

ريبالكا:لأنها في نهاية الأمر فلسفة لذاتي وهذا يعنى أنها علم للنفس ولقد تخلصت من هذا المفهوم فيما بعد فحلت الفلسفة ولم يعد هناك علم نفس لا يوجد أو يوجد ولكن يكون بمثابة الهزر أو يوجد كجهد يحاول أن يشكل كنه الإنسان وذلك عبر المفاهيم الفلسفية.

ريبالكا : ما الفلسفات  التي أثارت اهتمامكم  بعد برجسون ؟

سارتر: الفلاسفة الكلاسيكيين  كانط, أفلاطون , كثيرون  وعلى الأخص ديكارت كنت أرى إنني سأكون فيلسوفا  ديكارتيا أو على الأقل  في "الوجود والعدم "

ريبالكا: هل اشتغلتم على هؤلاء الكتاب  بشكل منظم ؟

سارتر : بشكل منظم تماما طالما كان على أن استعد لبرامج الدبلوم والأستاذية،الفلاسفة الذين كنت أحبهم ديكارت أو أفلاطون  على سبيل المثال كنت قد درستهم في السوربون بمعنى أخر التكوين الفلسفي الذي كنت قد تلقيته خلال كل هذة السنوات كان تكوينا مدرسيا وكان هذا أمرا طبيعيا طالما كان سينتهي بحيازة الأستاذية فمر واحدة نصبح أساتذة ونصبح معلمين للفلسفة وكل شيء يكون منتظما .

ريبالكا :هل تأثرت بنيتشة ؟

أتذكر إنني قدمت عنة عرضا عند برنشفيج في السنة الثالثة في "مدرسة نورمال" كنت مهتما به كاهتمامي  بكثيرين آخرين ولكنه لم يمثل لي شيئا ما .

ريبالكا : يبدو لي هذا متناقضا  نوعا ما فقد انجذبت  نحوه بما انك حاكيته في الـ   وفى نفس الوقت أثرت زوبعة ضد النيتشويين في المدرسة عندما أعلنت صارخا :هكذا تبول زرادشت.

سارتر : أظن  أن هذا ينسجم مع بعضه في "emredocle" أردت أن استعيد روائيا تاريخ  نيتشة فاجنر ـ كوسيما فاجنر،وذلك بان أضفى عليه سمة أكثر وضوحا لم ابتغ أن اعرض فلسفة نيتشه ولكن أن اعرض فقط حياته كانسان فقد كان عاشقا لكوسيما في نفس الوقت الذي كان فيه صديقا لفاجنر . وقد أصبح فريدريك طالبا في "Ecole normale" وفى نهاية الأمر حاكيته وكانت عندي مصادر أخرى ببقية  الشخصيات  إنني لم انته أبدا من تلك الرواية

ريبالكا: وماركس ؟

سارتر: لقد قرأته ولكنه لم يلعب اى دور بالنسبة لي في تلك الفترة

بوتشينى : هل قرأت هيجل أيضا

سارتر : لا عرفته من خلال بعض الأعمال والمحاضرات ولكنني لم أدرسه إلا  متأخر  جدا عام 1945

ريبالكا : نريد أن نعرف بالضبط  متى اكتشفتم الدياليكتيكية ؟ 

سارتر : متأخرًا ، بعد الوجود والعدم .

بوتشينى(مندهشًا) : بعد الوجود والعدم؟! 

سارتر : نعم كنت اعرف ما هو الدياليكتيك في Ecole normale  سارتر: متأخرا،بعد الوجود والعدم,بوتشيني(مندهشا):بعد الوجود والعدم؟ ولكنني لم استخدمه في الوجود والعدم ثمة مقاطع تتشابه إلي حد ما مع الدياليكتيكيه ولكنها لم تسمي هكذا بتعيين الاسم وأظن أنها لم تكن كذلك علي العكس من بداية العام 1945.

ريبالكا :يري كثير من النقاد انك اعتنقت الدياليكيكية منذ البداية .

سارتر هذا شأنهم ، ولكنني لا أري الأشياء هكذا.

بوتشيني : ومع ذلك يوجد في الوجود والعدم جدل الموجود في ذاته والموجود لذاته

سارتر: نعم ، ولكن ماذا إذن ، في هذا الحالة ، توجد الدياليكتيكية عند كل الكتاب،إننا نجد في كل مكان متناقضات تتعارض مع بعضها البعض ، تتحول لتكون شيئا أخر .الخ.

ريبالكا : كثيرا ما وجهوا عتابا لك بعدم اهتمامك بالتفكير العلمي وبالعلوم المعرفية، ألم يكن لهذا التفكير وتلك العلوم نصيبا في تكوينك ؟

سارتر: نعم لقد تعين علي دراستها في الليسية ((مدرسه نورمال)) (حيث كانوا يهتمون كثيرا بالعلوم) ، ثم كان من اجل محاضراتي الخاصة أن اقرأ بعض الأعمال المعينة ولكن في نهاية الأمر ، لم يمثل لي هذا الشئ الكبير من حيث تأثيره.

 

بوتشيني : وكير كجارد ، متي اكتشفته؟

سارتر:عام 1939-1949 ومن قبل كنت أعلم بوجوده ، ولكنه لم يكن إلا اسما بالنسبة لي ، وهذا الاسم ، ولا أعلم لماذا  كنت أنفر منه(00)أريد أن أقول أن ما كان هاما جدا بالنسبة لي ، هو الواقعية ، أي أن العالم يوجد كما أراه وأن الأشياء التي أدركها  حقيقية. ولم تجد تلك الواقعية  تعبيرا عنها يكون مقبولا لأنه يتعين لكي تكون واقعيا ، أن يكون لديك في نفس الوقت فكره عن العالم وفكره عن الوعي . وهنا بالضبط كمنت مشكلتي .  وظننت إنني وجدت حلا ، أو شيئا ما يمكن اعتباره حلا عند هوسرل أو بالاحري في كتاب صغير ظهر بالفرنسية يتناول أفكار هوسرل.

ريبالكا: كتاب ليفيناس؟

سارتر نعم لقد قرأت ليفيناس قبل أن اذهب إلي برلين بعام،في نفس الفترة قال لي ريمون أرون الذي كان قد ذهب ثانية إلي ألمانيا أن الكتاب يحمل أفكارا عن الفلسفة الواقعية . وكان ذلك بعيدا عن يكون صحيحا ولكنني كنت راغب جدا في معرفة ذلك وذهبت إلي ألمانيا عام 1993(00)وهناك اكتشفت الظاهراتية.

ريبالكا : البعض يري سارتر ظاهرياتيا وسارتر وجوديا ، أتظن أن لهذا التمييز مبررا؟

سارتر :  لا ،لا أري تمييزا،درس هوسرل (الأنا )،(الذات) كمعطي داخلي للوعي، في حين إنني في 1934 كتبت مقالا (تعالي الأنا) اعتبرت فيه الأنا نوعا ما من شبه الموضوع بالنسبة للوعي،وبالتالي فانه يوجد بعيدا عنه. واحتفظت بوجهة النظر تلك حتى الوجود والعدم ، وإنني لا احتفظ  بتلك الفكرة حتى اليوم،ولكن لم يعد هذا موضوعا لتأملاتي منذ الساعة التي ظهر فيها.

بوتشيني: مسالة الأنا مثلت إشكاليه  في كثير من أعمالك النقدية .

سارتر: ترجع تلك الأعمال النقدية لما جري العرف عليه لماذا ينتمي الأنا إلي العالم الداخلي ؛ لو كان موضوعا للوعي ، فانه يكون خارجا عنه ،ولو كان داخلا في الوعي فإن هذا الوعي يكف عن أن يكون نافذ العقل (قادر علي الاستبصار) وذلك كي يضع يده علي موضوع داخله هو ذاته .الوعي يكون خارجيا .ولا يوجد وعيا باطنيا.

بوتشيني: الصعوبة ترجع لكونه ليس شيئا….

سارتر: لا ، وأنت لستم كذلك أيضا، انتم لستم شيئا ولكنكم في نفس الوقت تكونون موضوعا في وعيي .لا توجد ذاتية في الوعي ، أنها الوعي ، هنا يمكن أن نجد معني للوعي يكون موضوعيا .الأنا شئ يلمس الذاتية ، ولكنه ليس من الذاتية ولا يمكن أن تكون له علاقة ما مع الذاتية.

بوتشيني : كتبت سيمون دي بوفوار أن هذا يمثل احد ظنونك الأكثر صرامة .أهذا ظن أم حقيقة؟

سارتر: أظن أن هذا حقيقة .ففي الفكر الاستنباطي لا التقي أبدا بالأنا ،ذاتي أنا ولكني ألتقي بذوات الأخرين والوعي غير الاستنباطي يستخلص دونما شك من الذات أو الأنا والذي لا يظهر إلا في الوعي الاستنباطي أو بالاحري في الوعي المتعقل ، وذلك لان الوعي المتعقل سبق أن كان شبه موضوع في الوعي الاستنباطي ومن وراء الوعي المتعقل يوجد هذا الشيء الذي نسميه الأنا وذلك كنوع من الهوية المشتركة والتي تنتمي لكل الحالات التي تلي الوعي المتعقل.

ريبالكا : في أولي كتاباتك الفلسفية، عندما كتبت علي سبيل المثال  ، الخيال أو التخيل، هل كان ثمة طموح أسلوبي لديك؟

سارتر  لم يكن عندي أبدا طموح أسلوبي في الفلسفة أبدا كل ما في الأمر إنني حاولت أن اكتب بوضوح .قالوا لي أن ثمة مقاطع مكتوبة بشكل جيد،هذا محتمل عندما تشرع في الكتابة بوضوح فإننا في الواقع نكتب بشكل جيد بطريقة ما بل إنني لست فخورا بهذه المقاطع، لو افتراضنا وجودها .أردت أن اكتب فرنسيه تحمل اكبر قدر من البساطة ، ولم افعل ذلك دوما ، مثلا في نقد العقل الجدلي .

ريباليكا: وما تعريفك للأسلوب.

سارتر : سبق أن تكلمت عن الأسلوب في مواضيع أخري في بعض الأحاديث . الأسلوب قبل كل شئ هو الاقتصاد. يتعلق الأمر بكتابة عبارات تحمل الكثير من المعاني التي تتعايش معا والتي تعتبر فيها الكلمات كنايات ، تعبر عن الأشياء بقدر ما تعتبر عن مفاهيم في الفلسفة ، يتعين علي الكلمة أن تعبر عن مفهوم ،مفهوم فقط الأسلوب علاقة ما بين الكلمات تعود إلي معني ما معني لا يمكننا أن نحصل عليه بإضافة بسيطة من الكلمات.

ريبالكا: غالبا ما يطرح عليك سؤال حول مدي انقطاع واتصال فكرك.

سارتر: ثمة تطور ما .ولكنني لا أظن أن الأمر يتعلق بانقطاع .المؤكد أن حدوث تغير في فكري كان بسبب الحرب 39_1940، الاحتلال ،المقاومة ،تحرير باريس .كل ذلك حولنا من الفكر الفلسفي الكلاسيكي إلي أفكار توجد فيها الفلسفة ويوجد فيها الفعل ، يتصل فيها النظري  بالعملي : فكر ماركس ، كير كجارد،نيتشه ، أفكار الفلاسفة التي يمكن من خلاله أن نفهم أفكار القرن العشرين.

ريبالكا:هل تدخل فرويد في تلك المرحلة؟

سارتر: كنت اعرفه منذ فتره دراستي للفلسفة. ثم قرأت بعض الكتب له أتذكر إنني قرأت "علم النفس المرضي في الحياة اليومي" في السنة الأولي من Ecole normale ".ثم أخيرا تفسير الأحلام (00) لكنه صدمني من خلال الامثله التي قدمها في" علم النفس المرضي في الحياة اليومية "كانت بعيدة جدا عن الفكر العقلي والديكارتي ثم تعمقت في مذهب فرويد خلال سنوات دراستي لحيازة الأستاذية فلم أتفق معه خاصة فيما يتعلق باللاوعي.وعام 1958 رشحني جون هيوستون  بعمل فيلم عن فرويد ولكنه واجه صعوبات لان الاختيار وقع علي أحد  لا يعتقد باللاوعى لكي يصنع فيلما يمدح فرويد .

ريبالكا :قال كومينج أن ثمة اتجاها لديك للمبالغة من انقطاع وعدم استمرار فكرك :كنت تعلن كل خمس أو ست سنوات انك تغيرت وانك لن تفعل ما كنت تفعله لو استعرنا منك المثل الذي ضربته لنا منذ قليل الخاص بدفتر  الطبيب الذي كان معك فترة دراستك كطالب والذي أصبح في "الغثيان "هو دفتر "العصامي " يبدو بديهيا انك تفكر ضد ذاتك

سارتر: لكن الأمر ليس كذلك , إنني أفكر ضد ذاتي في نفس اللحظة والفكر الذي نحصل علية يكون ضد الفكر الذي بدأنا منه ويكون ضد الفكر الذي سأفكر فيه عفويا لم اقل أبدا إنني أتغير كل خمس سنوات على العكس أظن أن ثمة تطورا متصلا منذ الغثيان وحتى نقد العقل الجدلي ، اكتشافي الكبير هو "الاجتماعي "خلال الحرب لأنه عندما تكون جنديا على الجبهة فان هذا يعنى انك تكون حقا ضحية لمجتمع أخذك إلى هناك رغما عنك ويعنى أنه يقدم لك قوانين لا ترغب فيها و"الاجتماع "لم يكن في الغثيان ولكننا نلمحه فيها من بعيد .

ريبالكا بهذا الشكل يمثل الوجود والعدم نهاية مرحلة بالنسبة لك ؟

سارتر: مطلقا الفصول الاجتماعية الخالصة في الوجود والعدم هي التي كانت سيئة جدا تلك التي دارت حول ال"نحن "وذلك بالمقارنة بالفصول التي دارت حول ال"أنت والفصول  الأخرى .

ريباليكا: يتساءل موريس ناتنسون تحديدا عما تمثله العلاقة بين الانطولوجي والسوسيولوجي بالنسبة لك.

سارتر: لا ولا حتى مفهوما انثروبولوجيا هو مفهوم منذ بداية الحياة .

 

ريبالكا : هل الموجود لذته (مفهوما ) جمعيا أم نوعيا ؟

سارتر: لا بداهة لا يوجد أبدا إلا الموجود لذاته وجودكم وجودي  ولكنه لا يوفر موجودات لرواتها.

بوتشينى :قوة منطقك انه مؤسس على الانطولوجيا .كيف وصلت إلى هذا المفهوم ؟

سارتر :أردت أن يكون لفكري معنى بالنسبة للكائن .واعتقد أن الفكرة الانطولوجي وجدت عندي بسبب تكويني الفلسفي ، المحاضرات التي تابعتها .تتساءل الفلسفة عن الكائن أو عن الكائنات وكل فكر لا يصل إلى التساؤل عن الكائن لا يكون مشروعا .

بوتشينى : أنا متفق تماما.ولكني أريد أن أذكرك بان ثمة تفكير علميا (فلاسفة فيينا مثلا) أنكر بشكل تام كنوع من أنواع التوهم كل مفهوم للكائن .

سارتر: اعلم ذلك ولكنني اعتقد إننا لو انطلقنا من ذلك فان هذا يعنى إننا نتفلسف بمعنى أخر لا أطن أن فكر فلاسفة فيينا (وفكر أولئك الذين يقتربون منهم) فكرا صائبا،وبالتالي يقدم نتائج صائبة،لابد أن نبدأ من الكائن وننطلق ، مثل هيدجر .لابد أن يخضع الكائن في كل حال للتساؤل عنه وهذا يقودنا  إلى أفكار أكثر تفصيلا عن مشاكل الفلسفة المعاصرة

ريبالكا :(00)هل يمكن أن توجد وجهة النظر الاستعادية التي تمكننا من مناقشة الوجود والعدم اليوم دون  أن ندخل في جدلية ؟

سارتر: أن هذا مسألة صعبة أن نعرف كيف نفسر فيلسوفا مات وكانت عنده الكثير من الفلسفات .كيف يمكننا مثلا أن نتكلم عن شيللنجshelling اى قيمة يمكن إعطاءها لفلسفته الأولى وكيف يمكن أن نفهمها بالنسبة لفلسفته الثانية ؟أن تعلم بدقة ما هي مصادر فلسفته الاوليه والثانوية أن تعرف كيف تتدخل الفلسفة الأولى في الثانية هذة مسألة صعبة جدا لم أحلها بعد .

بوتشينى: ولكنني أتساءل هل كان بوسعك طرح المسألة الاجتماعية كما فعلت في نقد العقل الجدلي دونما انطولوجية تأسيسية ؟

 سارتر لا أظن ذلك حقا الطبقة، المسألة تم تمييزي هنا كماركسي وهذا كان يمثل بالنسبة لي تفوقا على الماركسيين ، وذلك بطرح مسألة الاجتماعية انطلاقا من الكائن الذي يتجاوز الطبقة طالما أن ذلك يخاطب الأشياء الجامدة من هنا يمكننا أن نطرح الأسئلة الخاصة بمشاكل الطبقة وهذا ما اقتنع به .

ريبالكا :كثيرا ما تسأل عن مكان علم الجمال في فلسفتك أهي فلسفة أهي فلسفة جمال أم فلسفة فنون .

سارتر: لو كانت عندي فلسفة للجمال فإنها ستكون متحققة بكاملها في الأعمال التي كتبتها ولم أجد بالتالي أن ثمة داع لان يكون عندي فلسفة جمال كما "هيجل ".

جرونهك:هل فكرت أن تقدم فلسفه للغة؟

سارتر:لا فلابد أن تدرس اللغة داخل الفلسفة ، ولكنها لا يجب أن تكون أساسا لفلسفة.أعتقد أننا يمكن أن تخرج بفلسفة للغة من فلسفتي ، ولكننا لا يمكن أن نفرض علي فلسفتي فلسفه للغة.

جرونهيك: نعود ثانية لمسألة الأدب /الفلسفة ،هل مازلت ترى الأدب كوسيلة اتصال سارتر : نعم ولا اعتقد أن الأدب يمكن أن يكون غير ذلك إننا لا نكتب أبدا أو بالاحرى لا ننشر أبدا إلا لو كان ذلك من اجل الأخرين .

 

ريبالكا :أتظن أن الفلسفة وهى تشبه في ذلك عمل الكاتب تجربة خاصة يمكن نقلها؟

سارتر :لا ربما دور الفلسفة هو تقديم المنهج ، منهج لإدراك العالم انطلاقا من الوجودية.

جرونهيك : حاول "كومينج "أن يثبت أن منهجنا الدائم كان جدليا سارتر : لم أبدا جدليا وبدأت اهتم بالمسألة عام 1945 وتعمقت في الجدلية بدءا من القديس جينية واعتقد أن نقد العقل الجدلي  كتابا جدليا بحق الآن يمكن وما أن نتسلى بالقول إنني كنت جدليا من قبل دون أن اعرف .وهكذا يمكننا أن نثبت أن برجسون كان برجسونيا ولديه من العمر ست سنوات عندما كان عندما كان يأكل خبزا بالمربى .

ريبالكا : لقد عرفت نقد العقل الجدلي ككتاب ضد الشيوعية ويحتمل أن يكون ماركسيا سارتر :ضد الشيوعية ،أمر مؤكد .ولكن الماركسية كلمه لا استخدمها كثيرا في الوقت الحالي اعتبرت الكتاب ماركسيا كنت مقتنعا بذلك ولكنني تراجعت ، اعتقد اليوم أن نقد العقل الجدلي يقترب من بعض مستويات الماركسية ، ولكنه ليس مؤلفا ماركسيا

ريبالكا: في كتاب "مسائل في المنهج" فرقتم بين الأيديولوجية والفلسفة ،ولكنها تفرقة  أزعجت النقاد . سارتر : لأنهم جميعا يرغبون أن يكونوا فلاسفة لقد أدركت الفرق ولكن المشكلة معقدة جدا الأيديولوجية ليست فلسفة منظمة مدبرة ومتعلقة أنها مجموعة من الأفكار هي في الأساس أفعال مستلبة تعكسها ، أفكار لم يتم التعبير عنها أبدا ولا تأخذ شكلا ولكنها تظهر في الأفكار الشائعة لعصر مجتمع معروف تمثل الإيديولوجيات سلطات ما وهى نشطة ويتنظم الفلاسفة ضد الإيديولوجيات رغم إنهم يعكسونها بشكل ما وذلك بانتقادها وتجاوزها ولاحظوا أن الأيديولوجية توجد بالفعل عند أولئك الذين يعلنون أنهم قد وضعوا حدا لها .

 

بوتشينى :أنا نفسي انزعجت لقد رأيت وجودية نقد العقل الجدلي كدراسة تجميعية الماركسية كتجاوز وذلك في حين إنكم قلت أن الوجودية لم تكن إلا عقبة أمام الماركسية .

سارتر: نعم لكن هنا يكمن  الخطأ لا يمكن أن تكون  عائقا بسبب فكرتي عن الحرية والحاصل في ذلك فلسفة مستقلة إنني أظن أبدا أن هذة الفلسفة ماركسية في نهاية الأمر أنها لا يمكن أن نتجاهل الماركسية .أنها متصلة بها كان تتصل بعض الفلسفات بفلسفات أخرى دون أن تعتبر منها ولكنني لا اعتبرها أبدا ماركسية .

ريبالكا إذن ما العناصر التي خرجت بها من المار كيسة ؟

سارتر :مفهوم فائض القيمة مفهوم الطبقة فضلا عن أن كل ذلك قد تم تنقيحه وذلك لان طبقة العمال لم يتم تحديدها أبدا من قبل ماركس والماركسيون  لابد أن نراجع تلك  المفاهيم ولكنها تبقى بالنسبة لي مفاهيم مشروعة كعناصر بحث

ريبالكا :  اليوم لا تقدم نفسك كماركسي؟

سارتر :لا وفضلا عن ذلك إننا نعيش الآن نهاية الماركسية وخلال المائة عام القادمة لن يكون للماركسية شكلها الذي نعرفه عنها .

ريبالكا :الماركسية نظريا أم التي تم تطبيقها ؟

سارتر :الماركسية كما تم تطبيقها ولكنها طبقت أيضا كماركسية نظرية منذ ماركس والماركسية تعيش حياة أخرى وقد شاخت في نفس الوقت ، والآن نعيش المرحلة التي ستنتهي الشيخوخة فيها بالموت وهذا لا يعنى أن المفاهيم الأساسية للماركسية ستختفي على العكس فسيتم استعادتها، ولكن توجد مصاعب كثيرة تعترى الماركسية اليوم .

ريبالكا :ما هي تلك المصاعب ؟سارتر :بإيجاز سأقول أن تحليل الرأسمالية القومية والدولية عام 1848. لا علاقة له برأسمالية اليوم لا يمكننا أن نفسر مجتمعا متعددة القوميات بتعايير ماركسية 1848. لابد أن ندخل هنا مفهوما جديدا لم يتوقعه ماركس والذي لن يكون ماركسيا بالمعنى البسط للكلمة .

بوتشينى :إذن كان نقد العقل الجدلي تجاوزا للماركسية ؟سارتر :على كل حال لم يكن على المستوى الذي وضع فيه أن يكون تفسيرا بسيطا للماركسية مع بعض التعديلات لم يكن ضد الماركسية .ولكنه لم يكن ماركسيا حقا .

يوتشينى :ثمة تجاوز بأفكار جديدة التسلسل ، سأكون العملي بأفكار جديدة لم تكتشف من قبل .سارتر :أظن أنها أفكار جاءت من الماركسية ولكنها تختلف عنها .ريباليكا : ومع من تنفقون بعد الاعتراض على الماركسية سارتر :مع أولئك الذين يسمون الماويين مناضلى اليسار البروليتارى .والذين أدرت معهم صحيفة "قضية الشعب" كانوا ماركسيين في البداية ولكنهم فعلوا مثلي لن يكونوا كذلك أو سيكونون كذلك بشكل اقل (..)

ريبالكا :بعض النقاد يرون أن لكم فلسفة ماوية ؟سارتر هذا عبث لست ماويا وفضلا عن ذلك فان :هذا لا يعنى شيئا لقد تكلموا قليلا عن لكويه عندما كتبت الوجود والعدم لهذا معنى ما عند بعض الجماعات ، معنى فكرة الالتباس ، تتخيل بعض أشكال الحياة الاجتماعية كما رأيناها أو نعتقد إننا نراها في الصين ونريد أن نطبقها حتما هذه الجماعات كانت مأوية عندما لم تطل راس ماو إلى قضية الشعب وكفوا عن أن يكونوا كذلك عندما أطلت راس  ماو .

ريباليكا : يبدو لي دوما نه بالنسبة للماويين الفرنسيين فثمة 15% من الماويين و 9%من أشياء أخرى ، ليس من اليسير تحديدها .

سارتر : من الصعب تفسيرها ولكن من المهم أن نفعل وهذا ما حاولنا أن نفعله في " لدينا حق في أن نثور ".

ريبالكا :وما الذي ستكون علية فلسفة الثورة التي ولدت الآن ؟

سارتر أنها فلسفة على نفس المستوى يمتزج فيها النظري بالعملي  مثل الماركسيين فلسفة النظرية فيها تقود إلى العملية ولكنها تنطلق من الحرية التي تبدو لي أن الماركسية قد غابت عنها .

ريبالكا : في لقاءان سابقة استخدمت مصطلح الاشتراكية الفوضوية.

سارتر :أنها كلمة مرتجلة ولكنني احتفظ بها لإننى أحب جدا أن اذكر بأصول فكرتي الفوضوية إلى حد ما كنت دوما متفقا مع الفوضويين الذين كانوا هم فقط الذين يرون الإنسان الكامل الذي يشكل بالفعل الاجتماعي والذي بتميز أساسا بالحرية وهذا يعنى أن الفوضويين على المستوى السياسي ،مألوف إلى حد ما.

ريبالكا : وربما على المستوى النظري أيضا ؟ 

سارتر : نعم بشرط أن نأخذ فقط النظرية ونترك عن عمد الاستبصارات الجيدة جدا ، تلك الخاصة بالحرية وبالإنسان  الكامل.

ريبالكا : لو خيرت اليوم بين سمتين أو طبعين : الماركسية والوجودية فماذا ستفضل ؟  سارتر  : أفضل الوجودية وهذا ما كنت سأقوله لكم .

ريبالكا : لن تختار كلمة تعبر أفضل عن موقعكم ؟

سارتر :لا لإننى لا أفضل أن أبحث عنها لقد سموني وجوديا ،وتقبلت الكلمة ولكنني لست أنا الذي وضعتها .   (…)   

 

بوتشينى : طلابي يسألون دوما أين الحيوانات في الوجود العدم .

سارتر الحيوانات ليست موجودة فيه لإننى أظن أن من يتكلم عن الحيوانات في علم النفس هو بشكل عام أحمق ، وعلى كل حال هي لا تتصل مطلقا بتجارب الوعي الذي نحن علية .علم النفس المرضى بالحيوان يعاد النظر فيه ولكن على أية أسس ؟ من الصعب الإجابة على ذلك.

ريبالكا :هل يوجد وعيا نباتيا ؟

سارتر :لا اعلم أبدا ، لا أظن أن الحياة والوعي من المترادفات ، الوعي حيث  نلاحظه  وتوجد حيوانات لا تملكه مثل الحيوانات أحادية الخل

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الفلسفة والفكر | السمات:
  دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “حوار مع سارتر”

  1. من خلال درستى

    للفلسفة اؤكد بان الفيلسوف الفرنسى سارتر كان لة الدور الكبير فى تحرير دولة من الدول العربي

    ة وهى الجزائر لانة ربط بين السلام والحرية .,,,,,,,,,,, عبد الناصر …..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر