حوار مع الروائي البرازيلي باولو كويهلو

كتبهاعتبات/ seuils ، في 31 مايو 2007 الساعة: 23:14 م

 

حوار مع الروائي البرازيلي

 باولو كويهلو

 

 

وليد الزريبي

 "لست وحيدا في هذه الحياة.. إنني قادر على أن أحب الناس ولو لم أكن قادرا على أن أتكلم لغتهم. لقد تألمت كثيرا ليس فقط من وجودي في المحتشد، فلقد عرفت أيضا مستشفى الأمراض النفسية على إثر تجربة عاطفية جارفة، وقد اعتبروني مجنونا، واكتشفت هناك كيف يكره الإنسان الإنسان، وعملت فيما بعد على أن أحارب هذه الحالة حتى لا يعيش الإنسان الإهانة. كما أني أحارب الظلم، فمنذ 1982 وأنا أدعو إلى عدم الزج بالإنسان في المحتشدات.. إنها جريمة.. أبدا لا يجب أن تتكرّر.. كلّ هذه التجارب في حياتي جعلتني أؤمن بأن الإنسان قادر على أن يكون مسؤولا عن الآخرين فطفقت أكتب.. وأكتب حتى اكتشفني الآخرون وأصبح صوتي مسموعا". بهذا البوح استهلّ الكاتب البرازيلي باولو كويهلو حديثه معنا مستلهما سيرة حياته وسجنه ومرارته وتجربته مع الجنون والمصحات النفسية وآرائه حول الموت والحياة والوطن والغربة والشرق والغرب. ولد باولو كويهلو سنة 1947 بريوديجانيرو في عائلة متوسطة وكان والده «بيدرو» يعمل مهندسا، في حين تهتم والدته  "ليجيا" بأمور البيت. زاول تعليمه بالمدرسة المسيحية بسان أنياسيو بريو وسرعان ما نحت لنفسه روحا ثورية متمردة على الأساليب التعليمية الصارمة التي ينتهجها الرهبان، كما شهدت تلك الفترة ظهور ميولاته الأدبية ،
وفي السابعة عشر من عمره قرر أبوه وضعه في مستشفى الأمراض النفسية  فكانت تلك التجربة مادة لروايته «فيرونيك تقرر الموت» خلال سنوات الستين التي شهدت انفجار التيار العالمي «الهيبي» وانطلاق ثورة فكرية عارمة طلب الملحن والمغني «رول سيكساس» من «باولو» أن يوحدا عملهما فأصبح الناطق بلسانه وتواصلا معا إلى سنة 1976 حيث حققا معا نجاحا هاما وساهما في تغيير وجه ساحة «الروك» البرازيلية. ولكن مختلف الأنشطة التي قام بها باولو بتنسيق كامل مع رول سيكساس كانت تتراوح بين العمل الصحفي والموسيقى والصور المتحركة فلم تلق قبولا في ظل الحكم الديكتاتوري المسيطر في البرازيل آنذاك والذي اعتبرها أعمالا تخريبية وهدامة فكان مآل «باولو» نتيجة ذلك السجن وخضع إلى التعذيب. لكنه استعاد حريته بفضل ملفه النفسي السابق الذي أدرجه ضمن المجانين وكان ذلك عاملا ساعده على مغادرة السجن.

بعد تجربة السجون والمصحات العقلية بدأ كويهلو العمل في مؤسسة بوليغرام أين التقى بزوجته الأولى. لكن هذه الفترة لم تدم سوى عدة سنوات إذ قرر سنة 1978 مغادرة العمل ليرحل إلى مخيم داشوا حيث استعاد قدراته الأدبية ورغبته على ممارسة الكتابة فمثلت تلك الفترة منعرجا حاسما في حياته والتزامه الأدبي كما صالحت بينه وبين الكاثوليكية. فسلك  الطريق القديمة للحج إلى «سان جاك دي كومبو ستال» صحبة «كريستينا أوتيسيكا» رفيقته الجديدة التي أصبحت في ما بعد زوجته واكتشف هنالك عديد الأسرار داخله والعالم المحيط به فكانت بمثابة الأفكار الرئيسية لكتابه الأول «حاج كومبوستال» الذي يعتبر بداية ظاهرة «باولو كويهلو» وهذا الكتاب الأول تولت إصداره دار نشر صغيرة برازيلية وسحبت منه تسعمائة نسخة ثم باعت منه إلى يومنا هذا ثلاثة وأربعين مليون كتاب وزع في مائة و أربعين بلدا وبخمس وخمسين لغة. وفي سنة 1999 قامت مجلة «لير» بتحقيق كانت نتيجته أن «باولو كويهلو» هو الكاتب الثاني في العالم من حيث مبيعات مؤلفاته. ثم رواية «الكيميائي» التي أحدثت نجاحا باهرا في العالم يوازي النجاح الذي حققته رواية «الأمير الصغير» لأنطوان دي سانت كسيبري أو رواية «النبي» لجبران خليل جبران ومنذ ظهورها أصبح لهذا الكاتب رصيد يعد بملايين القراء في العالم تمكن من شد اهتمامهم بمختلف المواضيع والأفكار التي يطرحها والتي تجسد روحانيات الإنسانية وشغفها الدائم وطوقها إلى الحياة بأسلوب بسيط وممتع. له أيضا مؤلفات أخرى عديدة إلى جانب «الكيميائي» حيث أصدر «الجبل الخامس» و«الشيطان والآنسة بريم» «إحدى عشر دقيقة» و«على ضفة نهر بيادرا جلست وبكيت» وغيرها من المؤلفات التي بيع منها في فرنسا وحدها سبعة ملايين وخمس مائة ألف نسخة.

** كيف يصبح كاتبا ما مختلفا؟

* "وجدت وأنا أكتب في بداياتي أن الروايات هي نفس القصص التي تتردّد، هي قصص الحب، وقصص الحرب، وقصص العلاقة بين الإنسان والقوة والسلطة، وقصص السفر والرحلات. لقد حلمت دائما بأن أكون كاتبا.. ولمّا أصبحت كذلك ازددت تعلّقا بالكتابة الأدبية وبأهميتها ولم يكن من قبيل الصدفة أن يحب الناس الأدب وأن يتعلقوا به.

** يلاحظ القارئ في مجمل أعمالكم اشتغالكم الدائم على الروحانيات وسبر أغوار الذات البشرية الدفينة وخاصة تطعيمها بعبق سحر الشرق، فهل تجيز لنا الادعاء بأنّنا في مجمل أعمالكم نشتمّ بشغف رائحة الشرق المذهلة؟

* لقد أصبحت مبهورا بالوطن العربي وكانت البداية بمدينة طنجة في المغرب، ثم اطّلعت على قصص "ألف ليلة وليلة" التي أعتبرها الأصل في الكتابة الروائية في العالم.. واكتشفت التصوّف الإسلامي.. وقرأت الكثير من النصوص، لن أحسّ بالنقص إذا ما قلت بأني متأثر جدا بثقافة الشرق وآدابه. وإني لا أبالغ إذا قلت بأن الإنسان الذي لا يقدر على أن يحب الشرق يعني أنه بلا قلب. اكتشافي الأول للحضارة العربية الإسلامية كان من خلال العرب المقيمين في البرازيل، ثم طورت معرفتي من خلال قراءة الأدب العربي مثل كتاب ألف ليلة وليلة إضافة للأدب الصوفي مثل كتابات جلال الدين الرومي إلى جانب اطلاعي على النصوص الدينية. ولمّا مارست الكتابة وجدت أن ثقافتكم في أعماق قلبي وتظهر طبعا في تلافيفها.. لقد أحببت الشرق بعمق.

** فماذا عن الادّعاءات التي يروّجها البعض بإعلان نهاية ثقافة الشرق ومواتها؟

* أبدا.. إن ثقافة الشرق هي نفسها ثقافة الحب والشوق فاليوم أنت تقف على أطلال قرطاج، إنّك لا تقول بأنها انتهت، لأنها في القلوب وتاريخها يسري في الذهنية والوجدان الإنساني. الشرق هو الشرق لا ينتهي ثقافيا لحدوث المتغيرات التي كثيرا ما كان الغرب هو المتسبب فيها.. وهو الذي يصنع الآن الصورة التي يريدها عن الإسلام وعن العرب.

** عن أيّة صورة نتحدّث ؟ هل تقصد شرق الموت والخوف والرعب؟؟

* لا يوجد شرق الرعب.. إنما هذه الصفة القذرة توجد في الصحافة الغربية، وكل شيء بدأ على إثر الهجوم على نيويورك وقبيل الحرب على العراق واحتلاله. الشرق لم يتغير رغم الحروب إن الصحافة الغربية هي التي تخلق صراع الحضارات ومن هنا يأتي دور المثقف والأديب والفنان لتجاوز الحروب فالشرق لم يتغير كما أن الأشخاص هم نفسهم.. غير أنني لا أستطيع أن أوقف غزو العراق لكنني أستطيع أن آمل وأن أحارب من أجل قيمي.

** هذه الصفة توجد أيضا في الروايات والكتب والأشعار، فهل تخلّى الأدب الغربي عن ضميره ورسالته الحضارية وأوكل مهامه إلى الصحفيين؟

* الأدب رغم أنه لا يكون بعيدا عن الأحداث لا يجب أن يتورط في ما يصنعه الآخرون ضد الإنسانية، علينا أن نفهم هذه الحقيقة، فالأدب يبحث عن إنسانية الإنسان ويصف الحب ويدافع عنه ويشرب من ثقافته والشرق بالتالي مازال عندي جميلا وزاخرا بالروحانيات المفيدة للإنسانية في هذه التحولات الكبرى التي تعيشها البشرية.

** إذن، قد يلوذ الكاتب بالفرار كلّما أحسّ بخطر يستهدف وجوده البيولوجي وكيانه الضيق؟

* ما زلت مرتبطا بكل ما يجري في العالم، أعتقد أن السياسة تكمن في كل شيء وأساسا في الكتابة.

** ماذا يمكن لكاتب واسع الشهرة أن يقدّم للبشرية، ماذا يمكن أن يغيّر في هذا العالم بالكتابة، ماذا قدّمتم أنتم بالكتابة؟

* أعرف أني لا أستطيع أن أغير شيئا كثيرا في هذا العالم لكني متفائل بالكتابة، أعرف أني لا أستطيع أن أمنع حرب العراق رغم أني كنت ولا زلت ضدها، أعرف أني لم أمنع التعذيب والمحتشدات ولكني مع ذلك أكتب وأناضل وأقاوم. وإن كنت لا أقدر أن أغير الكثير بالكتابة فإني مقتنع بضرورة فعل شيء ما فتحرّكت في محيطي وأسست معهدا يحمل اسمي في الحي الذي أقطنه وهذا المعهد يقدم بعض الخدمات الثقافية والاجتماعية التي تسعدني.

** في أقصى حالات العجز والوحدة يُسأل الكاتب عن حياته هو، عن أسطورته الذاتية، فهل نسألك عن " الكيميائي "مثلا؟

* في إحدى أحرج فترات حياتي.. وكنت وقتها غريبا مشردا أكاد أن انهار.. أمدتني هذه الرواية بقوة الأمل.. كنت أقرأها منشورة مسلسلة في مجلة أسبوعية، وفي كل أسبوع تمدني شحنة أمل وشجاعة لتحقيق أسطورتي الذاتية، أي رسالة الحياة.. تشجعت حتى وصلت إلى الشاطئ الأمريكي، شاطئ الحرية حيث أكتب الآن..

** كيف ينتبه أحدنا إلى أسطورته الشخصية، إلى حياته، ألا ينتابك الخوف أحيانا من وقت كنت أهدرته وفات الأوان؟

* الأدب هو نتاج للحياة والكاتب الجيد هو الذي يستطيع أن يكتب روح شعب ويبثها في كتاباته، إن حلمي كان دائما أن أصبح كاتبا واستغرق ذلك أربعين عاما ففي ذلك السن كتبت أول رواية لي «حاج كومبوستال» سنة 1986: حددت هدفي منذ البداية وأردت أن أصبح كاتبا وركزت على حلمي وانطلقت في كفاح مع الحياة لتحقيقه.

** لكن عندما تشتغل الآلة الإعلامية الضخمة لكاتب ما، فتروج لأعماله وتقف وراء شهرته يفقد النص مصداقيته أو صدقه فتنتفي الحدود بين الكاتب والنص وفيما بينهما القارئ؟

 * قبل عشرين عاما لم أكن سوى برازيليا مغمورا دون أي دعم لكن القارئ هو الذي ساهم في شهرتي والشهرة الآن لأي كاتب أصبحت أسهل من ذي قبل باعتبار دور الترجمة والتوزيع ولكن ذلك ليس أهم شيء بالنسبة للكاتب، فالكتابة هي التي تساهم في شهرة صاحبها لا الآلة الإعلامية. القصة يجب أن تكون مباشرة يجب أن نذهب إلى الهدف مباشرة دون تعقيد. أنا قادر على كتابة رواية في أسبوع لكن القارئ لن يفهم شيئا وسيقول أن هذا الكتاب صعب ولا أفهمه فلا بد أن يكون الكاتب عبقريا إذن ..

** ماذا قدّم باولو كويهلو الكاتب إلى شعبه، إلى ذكرياته، إلى ذاكرته، إلى وطنه؟

* أنا أواصل تعاملي مع العالم ككاتب وكإنسان وأواصل التزامي السياسي وأعترف أني لا أستطيع تغيير تاريخ بلدي الحزين ومدينتي وأن موقفي المعارض للحرب على العراق لم يمنع الحرب وما قلته حول التعذيب في السجون لم يغير شيئا من هذا الواقع، لكنني أستطيع تغيير أشياء أخرى كالحي الذي أسكنه أو مدينتي وأستطيع مساعدة الأطفال والعائلات البائسة في البرازيل من خلال جمعية باولو كويهلو التي تحضن مئات الأطفال وأتحمل مسؤولياتي في هذه الحياة ويوما ما سيتغير العالم..

** كأنّنا بك تسعى إلى مراودة الجائزة الأشهر في العالم، فهل أثّر ذلك على مستوى نصّك؟

* لا أنفي رغبتي في الحصول على جائزة نوبل للأدب لكن الأمر طبعا ليس بيدي خاصة وأن الجائزة كانت دائما لغزا.

** كنت من أبرز معارضي الحرب على العراق فقد كتب رسالة إلى الرئيس الأميركي جورج بوش للاحتجاج على احتلال العراق تحت عنوان  "شكرا سيد بوش"؟

 

* بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول فقدت السيطرة على الأحداث وعمت الفوضى بعد غزو العراق، فلا فائدة من الكتابة عن الحرب لأن قادة الحرب لا يسمعون أصوات دعاة السلام.

 

** على غرار معظم الكتاب الكبار تم استدراجك روائيا إلى الشاشات الكبيرة لكننا إلى الآن لم نشاهد لك فيلما واحدا بعد كل هذا الزخم الإبداعي، فهل تفسّر ذلك بعدم قابلية نصوصك الروائية إلى الترجمة البصرية؟

 

* إن حبي للأدب وللكتابة جعلني أفرق بينه وبين السينما فأنا أحب السينما ولكني مع ذلك كثيرا ما أخرج من قاعة السينما منزعجا إذا كان الفيلم مأخوذا من رواية، فالسينما مهما فعلت لا تستطيع أن تعبر بدقة عمّا ذهبت إليه الرواية. ومن هنا سحبت الرواية التي كنت قد تعاقدت بها مع هوليود على إخراجها سينمائيا، ففي البداية كنت مبهورا بالسينما وأبهرتني هوليود لمّا استقبلتني بالسجّاد الأحمر ولكني لما اكتشفت عدم قدرتها على نقل روح الكتاب تراجعت.

 

** ماذا عن الذاكرة ؟ ما هي اللحظة الأصدق التي تتمثلها الآن في علاقتك بالشرق؟

 

* في مصر سألت مرافقي العربي لحظة وقوفنا أمام الأهرامات أن يقول جملة ما بالعربية لأرددها، فرددت ما علمني وقلت: أهدنا الصراط المستقيم! و لم أزل أسأل الله ليستجيب فيهديني وأسير طريقا يسيرا مستقيما في ما أكتب تحية له و لمن وجّه له الدعوة.

 

** لكل شعب ختمه السري ورموزه الخاصة، في تقديرك ما هو المفتاح السري لكل شعب؟

 

* إذا أردت أن تعرف روح شعب فاقرأ رواياته وقصصه، اقرأ أدبه عموما.

 

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الرواية | السمات:
  دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “حوار مع الروائي البرازيلي باولو كويهلو”

  1. السلام عليكم

    كنت أبحث عن باولو كويهلو ووجدته عندكم فشكر الله لكم..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر