حوار مع الروائي المصري يوسف القعيد

كتبهاعتبات/ seuils ، في 31 مايو 2007 الساعة: 23:44 م

 حوار مع الروائي المصري يوسف القعيد

 

 

 

 

وليد الزريبي

 * هل يستطيع المثقف العربي النجاة من السؤال السياسي؟

- لا.. إطلاقا سواء باعتباره إنسانا عربيا، أو باعتباره مثقفا عربيا، لا ينجو أبدا من الغرق في تفاصيل السياسية. وأنا أصاب بانزعاج شديد لأن معظم الكتاب الجدد في مصر يفتخرون بأنهم لا علاقة لهم بالسياسة إطلاقا، ويعلنون أن هذا شأن السياسيين وليس شأن المثقفين، وبالتالي لا علاقة لهم ولا اهتمام لهم بالسياسة، مع أنه – في تصوري – أن تعريف المثقف هو الإنسان الذي يتعدى إدراكه مشاكله الشخصية، يعني يكون مرشحا ليشعر بمشاكل الآخرين ويحس بهمومهم وبآلامهم ويعبر عنها وينفعل بها ويعتبرها همومه حتى لو لم يكن يعاني منها، هذا هو التعريف البسيط لكلمة مثقف، ومن لا يفعل هذا يفقد شرط من شروط أن يكون مثقفا. 

* لو حدث أن تورط المثقف، هل يمكن للنص أن ينجو؟

- أنا أيضا معترض عن كلمة "التورط" والنص لا بد أن ينجو إذا كان صاحبه يريد له أن يبقى، لأن الكتابة الآنية لا يبقى منها شيء، وربما يُغتفر للشاعر أن يتابع حدث آني بقصيدة شعرية، ليس لمذبحة دمشق التي كتب عنها أحمد شوقي، ولا الحرب اليابانية التي كتب عنها حافظ إبراهيم، لكن في كتابة النص الروائي لا بد أن يستند إلى شيء باق، شيء يبقى مع الزمن، حتى عندما يقرأ هذا النص شخص لم يعاصر هذا الواقع يستطيع أن يصل إلى النص بسهولة، أو شخص بعيد عن المكان الذي تمت فيه كتابة هذا النص. الكتابة شرطها الجوهري يتأتى من تحقق شكلها الفني، وليس لأنها تحتوي على هذا الهم أو ذاك. 

* عندما حصل ماركيز على نوبل سنة 1984 صرح بأنه أخذ منجزات القص من ألف ليلة وليلة وأنه لولا قراءته لها، ما كان قد أنجز ما أنجز. بعدها مباشرة تفطن جيلكم الذي كان مفتونا بالسطح إلى عمق هذا التراث، لكن للأسف عن طريق وساطة، فهل يحتاج كل جيل أدبي إلى كاتب مثل ماركيز ليهديه شهرزاده؟ 

- أنا أريد أن أحكي لك شيئا قبل أن نتحدث عن شهرزاد، عندما كتبت رواياتي الأولى في منتصف الستينات من القرن الماضي، كنا جميعا نفخر بأننا قرأنا البحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست ويولي لجوليس، ونعتبر أن قراءة هذين العملين هي جواز المرور إلى الكتابة الروائية، لكن بعد نكسة يوليو 1967، النكسة المدوية التي حدثت، حدث نوع من العودة إلى التراث كنوع من البحث عن أركان الذات وعن أشياء نستند إليها في معركتنا مع العدو الصهيوني، وفي هذه الأثناء أعدنا اكتشاف تراثنا، وأنا شخصيا اكتشفت في تراثنا سرد وحكي متقدم على الغرب نفسه يغني، فلو قرأت القرآن بعين الفنان ستكتشف أن في سورة يوسف وفي سورة مريم كل منجزات القص الحديثة التي جاءت من الغرب، المونولوج الداخلي، الجملة الاعتراضية، ضمير الغائب، ضمير المتكلم، ضمير المخاطب، ففي سورة يوسف تتجلى كل هذه الأشكال الفنية التي جاءت لنا من الغرب وسعدنا بها جدا، وأريد أن أقول أيضا أنه في سنة 1984 عندما حصل ماركيز على جائزة نوبل وصرح علنا أنه أخذ منجزات القص من ألف ليلة وليلة وأنه لولا قراءته لها مترجمة إلى لغته التي يقرأ بها، ما كان قد أنجز ما أنجز وأن الواقعية السحرية التي قدمها نابعة من ألف ليلة وليلة، هذا الكلام دفع أجيالا جاءت بعدنا لقراءة ألف ليلة وليلة، وأنا آسف لأننا عرفنا هذا التراث عن طريق الغرب، ويجب أن نعترف أيضا بحادثة أخرى مؤلمة، وهي أن ألف ليلة وليلة نشرت بالفرنسية قبل أن تنشر بالعربية، وأن نشرها العربي جاء بعد اكتشاف النص وترجمته إلى اللغة الفرنسية، لكننا جميعا أحفاد شهرزاد، والارتباط بتراثنا مهم جدا في أن نجد لغة قص عربية ونكهة عربية في القص والحكي وكتابة الرواية. 

* تعتبر أن هذا الجيل الجديد أكثر حظا منكم؟

 - لا.. أنا مختلف معك، هو أتعس حظا منا، أنا عندي ابن اسمه أحمد يدرس دراسات عليا في كندا، أنا أنظر إليه بإشفاق، الكتاب الذين جاؤوا بعدنا لن يكونوا أسعد حظا منا، نحن مررنا بخيبات وويلات لكن ما ينتظرهم مجهول، لا أدري إلى أين يمكن أن يقود الأشياء، يعني المدونات على الإنترنت خطر يهدد الكتاب، وضع الكتب على الإنترنت خطر يهدد الكتاب المقروء، هذا الإعلام الرهيب وهذه الفضائيات الرهيبة التي تملأ السماء العربية لا تخدم الثقافة، لكنها تشكل خطرا حقيقيا عليها، أنا لا أعرف شكل المستقبل الآتي، لكني أعتقد أن الوجدان، الكتابة والمعاني المجردة التي جرينا وراءها وحلمنا بها معرضة للخصخصة، وبالتالي أنا أعتقد أنه ينتظرهم مستقبل قد يكون ما عشناه نحن بويلاته وآلامه أفضل بكثير من الآتي. 

* هل المستقبل للرواية، وما رأيك في مقولة "الرواية ديوان العرب"؟

- أنا موافق جدا على هذا الكلام، أنا أريد أن أقول أن الرواية ديوان العالم وليس العرب فقط، بمعنى أن أكثر الكتب نشرا وقراءة هي النص الروائي، ليس لأني روائي ولكن عندما أعرف مثلا أنه في فرنسا وحدها صدر سنة 2006 أكثر من 600 رواية، يعني بواقع روايتين في اليوم وأن حوالي 180 رواية منهم تنشر لكتاب يكتبون لأول مرة، للأسف لا توجد عندنا مثل هذه الإحصائيات في الوطن العربي، لكن أعتقد أن الرواية هي الفن الأول والجوهري والأساسي، ليس في مصر، ولا في العالم العربي، ولا في العالم الإسلامي وفي العالم الثالث، ولكنها على مستوى العالم 

* كيف تفسر ظاهرة لجوء الشعراء العرب للرواية، هل هو موسم الهجرة إلى الرواية؟

- محمود درويش قال لي أنه يكتب رواية اسمها "البيوت" تدور حول البيوت التي سكن بها وعاش فيها، سميح القاسم يفكر في كتابة نص روائي، محمد عفيفي مطر انتهى من كتابة مجموعة قصص قصيرة للأطفال ويكتب نصا روائيا الآن، سعدي يوسف كتب نصا روائيا، محمد القيسي له نص روائي كتبه قبل أن يموت، وهكذا الكل يجري وراء النص الروائي، علما بأنني أعتقد بأن القصيدة الروائية التي تحافظ على الشكل الشعري وتحكي وتسرد، ربما كانت أفضل من أن يترك الشاعر النظم أساسا من أجل أن يكتب نصا روائيا، كان يمكن أن يكتب نصا مفتوحا يمكن أن يكون رواية ويمكن أن يكون قصيدة في نفس الوقت. 

* هل أصيب الموضوع الشعري بالعجز وصار معقدا إلى هذا الحد؟

- ليست عاجزة، أنا سمعت من المنصف المزغني – باعتباره معنا الآن – في العراق منذ سنوات قصيدة سردية كان عنوانها "عياش" أعتقد أنها سرد حقيقي وأنها نص روائي، وأنه لو ابتعد قليلا عن القصيدة ودخل قليلا إلى الرواية كانت أصبحت نصا روائيا كاملا ومتكاملا.

 * هل سرق منكم نجيب محفوظ قراء وحجب عنكم أشياء كثيرة؟

- لا.. أنا لا أوافقك، لأنه توجد دعوى مثارة في مصر من سنة 1968 تقول أن نجيب محفوظ أصبح عقبة أمام الروائيين العرب، وهذه الدعوى تقوم على نظرية تقول أنه في أعقاب كل روائي كبير مثل تولستوي، مثل تشيكوف، مثل دستوفسكي، مثل بلزاك.. أنه في أعقاب كل روائي كبير تأتي فترة من التدهور في الكتابة الروائية، إلى أن يأتي كاتب كبير بعد قرن من الزمان، وهي دعوى مغلوطة، لأني أعتقد أن نجيب محفوظ لم يحجب عنا شيئا ولم يأخذ منا قراء إطلاقا، ونحن لنا تواجدنا، لكنه ليس بشهرته وكثافته، وفقط ما أقوله عن محفوظ أن نوبل التي حصل عليها سنة 1988 لم تتحول إلى نوبل للأدب العربي مثلما كانت نوبل التي حصل عليها ماركيز سنة 1984 وأصبحت نوبل للأدب المكتوب باللغة الإسبانية، يعني أصبحت نهضة حقيقية لرواية أمريكا اللاتينية، والفارق الأساسي بين حالة محفوظ وحالة ماركيز، أن ماركيز جزء من الغرب لكن نجيب محفوظ الآخر، والآخر هذه هي مشكلته الأساسية. 

* هل تعتقد أن هذه الجائزة العالمية أصبحت مشبوهة ومغلوطة، وبالتالي السؤال عن القيمة الحقيقية لهذا النص المتوج أو ذاك؟

- طبعا واضح جدا، الكاتب الأخير الذي حصل عليها هو التركي أورهان باموك وكان في زيارة لمصر منذ أيام وأنا قابلته مرتين وهو كاتب جيد ودؤوب وله انجاز روائي، لكن الجوهر في سبب حصوله على الجائزة هو موقفه من مذبحة الأرمن التي تمت إبان الحرب العالمية الأولى في تركيا، والأرمن مسيحيون وجزء من أوروبا، وتعرضوا للإبادة من تركيا، وتصديه لهذه القضية، وباموك لم يتصدى لها روائيا بمعنى لم يكتب روايات عنها، هو تصدى لها بتصريحات صحفية إثارية، لكن هذه هي حجر الزاوية في حصوله على الجائزة، الجائز طبعا أنا متأكد أن هناك دوافع سياسية تحركها، لكن بالنسبة لنجيب محفوظ أنا أعتقد أنه يستحق الجائزة التي حصل عليها في اليوم الذي كتب فيه الكلمة الأخيرة في ثلاثية بين القصرين سنة 1950، يستحق الجائزة فعلا بعيدا عن السياسة. 

* هل يمكن أن ينزع أحد الكتاب العرب منزع باموك ويصرح تصريحات قد تكون خطيرة العواقب من شأنها أن ترفع أسهمه لدى البيت الأبيض السويدي؟

- أتوقع هذا، أتوقع كتابة روائية تغازل نوبل، مثل التركيز على الأقليات العربية مثل المسيحيين أو النوبة أو الأرمن أو الأكراد، أتوقع كتابة فلكلورية موجهة للغرب، أعتقد أن تكون هناك تصريحات نارية بهذا الشكل، أعتقد ستظهر الشخصيات الإسرائيلية أو الصهيونية كثيرا في المشهد الروائي العربي بحثا عن مثل هذا الرواج، وأتوقع أيضا أن هناك كتاب سيكتبون من أجل الترجمة، كما أعتقد أن هناك زيادة مطردة في ستحصل في أعدد العرب الذين سيكتبون بلغات غير اللغة الأصلية، أعتقد أنه ستظهر كتابة ناتجة من خطة خلفية من أجل الحصول على جائزة نوبل في السنوات القادمة. 

* لماذا انحرفت الجائزة، ألم يكن أدونيس المرشح الأقرب؟ وهل فعلا أدونيس يستحقها؟

- أدونيس يستحق الجائزة وغيره كثيرون من المبدعين العرب، لكن أعتقد أنه يكون هناك قرار مسبق، أعتقد في سنة حصول محفوظ عليها كان هناك قرار أن تمنح لعربي، أن تمنح لشخص يكتب باللغة العربية، أو أن تمنح لمسلم، أعتقد أن أدونيس دخل في دائرة التصفيات الأخيرة لأني قرأت هذا الكلام على لسان سكرتير الأكاديمية، لكن الجوائز لا تعبر عن ضمير أدبي حقيقي في جميع الأحوال، وتحدث تداخلات كثيرة، الأدب آخر تجلياتها عند منح الجائزة لهذا الكاتب أو لذاك. 

* اللهفة التي أصابت بعض الكتاب لترجمة أعمالهم إلى لغات أخرى مهما كان اسم المترجم، ومهما كانت ظروف الترجمة، ومهما كان ثمنها، هل يحط ذلك من قيمة النص العربي أصلا؟

- تماما.. أنا قلت لك أنه من توقعاتي السابقة أنه قد يكتب كاتب من أجل الترجمة، وهناك نصوص تصدر دون ذكر أسماء، هناك نصوص تقدم لمترجمين وهي مخطوطة قبل أن تنشر باللغة العربية، ثم تترجم وتصدر بلغات أجنبية قبل ان تصدر بلغتها الأصلية، وهذا ضد قانون الترجمة، لأن الترجمة تقوم على ترجمة نص أثبت وجوده في لغته وبيئته الأصلية ثم يترجم بعد ذلك، الآن يحدث العكس، واللاهثين وراء الترجمة الذين يقيمون في العواصم الأوروبية أكثر مما يقيمون في بلادهم، هؤلاء لا يعنيهم سوى أن يترجَموا بصرف النظر عن أي اعتبار آخر. وأنا أرى أنها هوجة لن يبقى منها شيء لأن القضية الأساسية مثلا أنا سافرت لندن وباريس وموسكو وطوكيو من أجل أن أحضر حفلات توقيع لكتبي المترجمة، وقد سألت سؤالا محددا للناشر، هذه الكتب التي تترجم هل تطبع منها طبعات شعبية؟ قال لا، سألت سؤالا آخر: هل يقرأها راكب المترو؟ قال: لا. وقال لي أنها في معظمها موجهة إلى دارسي الأدب العربي والمهتمين بالحضارة العربية والمهتمين بالتجربة العربية بعيدا عن القارئ العادي الذي يقرأ النص للمتعة، وأنا أعتقد أنه من النادر أن تصدر طبعات شعبية لكتاب عرب، وأن هذه الترجمات كلها لا تخرج عن نطاق دارسي الأدب والباحثين عن الأدب في أي مكان في العالم. 

* أنا أتساءل معك: ما قيمة الترجمة لكاتب لم يقنع حتى في قومه؟

- لا قيمة لها، ولكن هناك كتاب ينفقون على ذلك الشيء الكثير، وهناك أنظمة حكم عربية أنت تعرفها كما أعرفها تنفق على كتابها بسخاء من أجل أن يترجَموا بصرف النظر عن هل هم موجودين في واقعهم أم لا؟ وهل هم مؤثرين في بلدهم أم لا؟ وهل لهم دور في مجتمعاتهم أم لا؟ والهدف هي الترجمة فقط، وهي تشكل حالة من الهوس الحقيقي عند كثير من الكتاب، وأنا أنظر لهم بسخرية شديدة جدا. الحمد لله أنا فقير ومن بلد فقيرة، لا أنا مستعد أن أنفق على ترجمة كتاب لي، ولا مستعد أن أسافر على حسابي الخاص، لا أستطيع حتى إذا أنا رغبت. وأيضا لا توجد حكومة مصرية مستعدة أن تلعب دورا من أجل ترجمة أعمالي، لأن أعمالي ضدها. وبالتالي فالحمد لله أنا خارج هذا المزاد الرهيب الذي يسيء كثيرا للأدب العربي المعاصر. 

* المجتمعات العربية لا تقل غرائبية وسحرية عن مجتمع أمريكا اللاتينية، هل عجز الكاتب العربي على كتابة هذا المهرجان التراثي المتأصل أم أننا نفتقد إلى كاتب عربي مثل ماركيز لنستدل به على تراثنا وحضارتنا؟

- لم يعجز أبدا، فالمرآة التي تطير موجودة في ألف ليلة وليلة، الرجل الذي يتواجد في مكانين في وقت واحد موجودة في ألف ليلة وليلة، هذه الغرائبية السحرية موجودة في قصص القرآن نفسها، موجودة ويكتبها كتاب عرب معاصرون. لدينا من يكتب هذا ولدينا كتاب أهم بكثير من ماركيز، لكن المجتمع العربي لم يعد حاضنا لمواهب أبنائه وكتابه مثلما كانت تجربة مصر في الستينات. 

* هل يمكن لواقع مثل واقعنا أن يفرز "الكاتب المؤسّسة"؟

 - هذا غير موجود في مجتمعنا، نجيب محفوظ حتى وفاته لم يكن له سكرتير، عندما أتى باولو كويهلو إلى مصر كان معه 18 شخصا مرتبطين به، لدرجة أني أسميتها قافلة كويهلو، كان معه سكرتيرة خاصة، كاتب سيرته الذاتية، مخرج يخرج فيلم عنه، هذه تجربة لا بأس بها، أن يكون معك من يحمل عنك بعض الأعباء لكي تتفرغ للكتابة، لكن للأسف هذه غير موجودة في الوطن العربي، وأنا روايتي الأولى أصدرتها سنة 1969 يعني 38 سنة ومع ذلك مازلت أكدح من أجل أن أعيش، وما زلت أعيش من عائد عملي الصحفي وليس من عائد نشر أعمالي الأدبية، فالكاتب المؤسسة لم نعرفه بشكل متوسع في واقعنا، فأنا لا أخشى من فكرة المؤسسة. 

* تراوح في الكتابة بين الرواية والقصة والمقالة، في أي موضع إبداعي يمكننا نتحسس روح يوسف القعيد؟

- أنا كاتب روائي بالدرجة الأولى، وأكتب القصة القصيرة في الاستراحة بين روايتين، أنا لا أدعي أني كاتب قصة قصيرة، أنا روائي، أعبر عن نفسي بالرواية وأحيانا أكتب القصة القصيرة، ولذلك تجد أن عدد رواياتي يفوق بكثير عدد مجموعاتي القصصية وأستريح جدا عندما أكتب واقع طالع من القرية المصرية، وأضيق ذرعا بالمدينة. أستريح جدا عندما أكتب رواية، وتقل هذه الراحة كثيرا عندما أكتب قصة قصيرة. 

* المقالة الصحفية اليومية تقريبا هل تأخذ من النص الإبداعي؟

- أبدا، كل الأدباء لديهم إجابة جاهزة، يقول الصحافة سرقتني من الأدب، ولو لم أكن صحفيا كنت صرت أديبا أحسن، أنا أقول أن الصحافة خدمت الأدب كثيرا بالنسبة لي ومكنتني من رؤية كل شبر في مصر، ومكنتني من التنقل وأعطتني الوقت الكافي للقراءة والكتابة بشرط أن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وأنا أفعل هذا بدقة شديدة، أن أخصص وقت للكتابة الصحفية مرة في الأسبوع وأنتهي منها بسرعة، لكن الجوهر بالنسبة لي هو ما أكتبه أدبا، وهذا ما أنشره في الكتب وأسعى إلى نشره. وأعتقد أن هذا ما سيبقى مني وليس الكتابة الصحفية التي تكتب بمنطق "أكل العيش" أو مورد الرزق أو وسيلة حياة. رهاني الأساسي هو كتاباتي الأدبية وليست كتاباتي الصحفية. 

* بمنطق "أكل العيش" هل يمكن أن تجمع في يوم ما كتاباتك الصحفية بين كتفي كتاب؟-

 غير وارد بالنسبة لي، أو ممكن أفعل ذلك، يعني ليس لي موقف من هذه القضية. لكن الكتابة الصحفية مثل كتابة السيناريو للتلفزيون أو للسينما، يدخل فيها الإنتاج، يعني أنا مقالتي الصحفية تصدر في جريدة لها سياسة وتوجه ويمكن أن يتدخل رئيس التحرير، ودعك من كل دعوة من دعاوي الحرية في الوطن العربي لأنها كلها دعاوي كاذبة في كل أنحاء الوطن العربي ولا أستثني أي دولة منه، لكن الكتابة الأدبية مختلفة، عندما أكتب أدبا لا أعبأ بأي شيء ليس معنى هذا أني في الصحافة أنافق لكن عندما أكتب لا أكون حرا بالقدر الذي أكون به عندما أكتب نصا أدبيا. 

* هل يؤمن يوسف القعيد بروائية أبناء جيله؟

- طبعا.. أؤمن جدا وأؤمن بالأجيال التي جاءت بعدنا. 

* هل ثمة أسماء مختلفة عن البقية؟

- من جيلنا هناك جمال الغيطاني، لديه تجربة مهمة جدا في استوحاء التراث، استوحاء السرد، استوحاه من كاتبين مؤرخين، لكنهم لو عرفوا معنى كلمة رواية في زمانهما لكانوا قاموا بانقلاب في تاريخ كتابة الرواية كلها كابن إياس الذي أرخ لمرحلة المماليك في مصر.. من الأجيال التي جاءت بعدنا، هناك كاتبة اسمها أمنية زيدان، كاتبة مهمة جدا تكتب نصا روائيا فيه إضافة، وهناك روائي شاب اسمه حسين عبد العليم كاتب له أهميته وله تفرده وأنا شخصيا أتابعهم باهتمام وأيضا أتابع الرواية العربية بقدر وصولها إلينا. هناك في تونس حسن بن عثمان، آخر نص قرأته له اسمه "شيشخان" نص مهم، وطبعا محمود المسعدي الذي اشتهر كثيرا لأن الدكتور طه حسين كتب عنه مقالا نشر عندنا في مصر، وأتابع بقدر كبير الكتابة الروائية في الوطن العربي بقدر وصول الكتاب، لأن الكتاب العربي ينتقل من قطر عربي إلى آخر بصعوبة شديدة، هذا إذا انتقل طبعا. 

* ألم يتراجع دور مصر ثقافيا، وسحب منها البساط لصالح – ما تسمونه أنتم – الأطراف؟

- لا.. مصر تراجع دورها السياسي كثيرا منذ أن وقع السادات على كامب ديفيد، وأقام صلحا منفردا مع العدو الإسرائيلي، وأثر ذلك كثيرا على دورها الثقافي، لكن مازال هناك إبداع أدبي في مصر جيد وممتاز رغم تردي الوضع السياسي، أيضا أنا من المؤمنين بأن الأطراف، وأنا ضد هذا التعبير تماما، تأخذ دورها، حتى لو سحبت البساط. أنا سعيد بهذا لأنهم أشقاء ويكتبون بنفس لغتي ويطرحون نفس همومي ويشعرون بكل ما أتألم به، وأنا سعيد بهم جدا. 

* يعاني الكاتب المغربي نظير شقيقه المشرقي من الغبن والتجاهل، ليس من الإعلام فحسب، بل من الكتاب المشارقة أنفسهم؟

- لا تصل كتبهم إلينا، وإذا وصلت في مناسبة مثل معرض الكتاب، تصل غالية جدا، أسعار فلكية، يعني كتاب بخمسين جنيه، من يشتريه؟ المشكلة في عدم التواصل وعدم وصول إنتاجهم إلينا، لكنه لو أتى إلينا، لو طبع في مصر، سنحتضنه، ولا تنسى أن رموز الثقافة العربية في النصف الأول من القرن العشرين، وإلى حد ما الربع التالي، كانوا كلهم صناعة مصرية، وكانوا كلهم ينشرون في المجلات المصرية، وينشرون كتبهم في مصر. هذه العادة تراجعت، وبالتالي لا نعرف عنها أي شيء. 

* أبو القاسم الشابي مثلا اشتهر في المشرق؟

- طبعا، لأنه نشر في مصر وكان مرتبطا جدا بمصر، ولو لم ينشر – وهذا ليس من باب الشوفينية المصرية – لو لم ينشر الشابي شعره في مصر ما عرفه العالم العربي بهذه الكثرة وما ردّدت أشعاره عن الحرية بهذه الطريقة التي تمت بها عبر مصر. 

* هل على الكاتب أن يقيم في مصر ليشتهر؟

- لا.. ينشر في مصر لا أقصد الإقامة بل النشر، هذه مسألة مهمة. نرجو أن نعود لها مرة ثانية، مصر مقصرة في حق الأشقاء العرب وهم أيضا مقصرين في حق مصر لأنهم يفضلون بيروت علينا الآن، لأسباب كثيرة ومتنوعة ولا أريد الدخول فيها، لكن يوجد تقصير مصري أنا معترف به، وأيضا هناك تقصير عربي لا بد أن يعترف به الأشقاء العرب ولا بد أن يتلافوه. 

* كيف تفاعل يوسف القعيد مع الأحداث الأخيرة في لبنان؟

- أنا مؤمن بمبدأ يقول عدو عدوي حليفي، حسن نصر الله مسلم وعربي، نصر الله وقف ضد إسرائيل 34 يوما، وهذه مسألة أنا شخصيا فخور بها، بصرف النظر عن كثير من تجاوزاته داخل لبنان، هذه مسألة تخص الشعب اللبناني الشقيق لكن أنا سعيد بأن جيشا عربيا وقف ضد العدو الإسرائيلي 34 يوما، الباقي تفاصيل أنا لست طرفا فيها، ليست مسألة أني أنا متعب أو غير متعب، لكن أنا سعيد. طبعا ما يقوم به حسن نصر الله مؤخرا في الدعوة إلى عصيان مدني أنا ضده، لكن أقول أن هذه مشكلة لبنانية داخلية ممكن أن يتصرفوا فيها مع بعضهم.    

* وماذا عن أشباه المثقفين الذين هرولوا لتمجيد إسرائيل؟

- خونة، خونة، خ..و..ن..ة.. 

* هل أنت متفائل بمستقبل الرواية العربية؟

- لا لست متفائلا، أنا مشغول جدا بقضية تراجع القراءة في حياتنا، مشغول بلا حدود بهذه القضية. 

* ما رأيك في مقولة "الحداثة المزعومة"؟

- رأيي الشخصي أن الكتابة في العالم كله والعالم العربي جزء منه، داخلة على ما يسمى بالنص، الذي يكون فيه قص وشعر ودراما وبداخله كل تجليات الكتابة، أنا رأيي أن هذا هو مستقبل الكتابة القادم شئنا أم أبينا وبالتالي أعتقد أن الكتابة تسير في هذا الطريق حتى وإن لم ندرك نحن هذا وإن لم نستوعبه. 

* عل ذكر "النص" في آخر كتاب لدرويش أشّر على غلافه كلمة "نص"؟

- هذا هو مستقبل الكتابة العربية كلها، الرواية والقصيدة والنص المسرحي والدراما.. سيكون هناك النص الذي يحتوي بداخله كل أشكال الكتابة المختلفة. 

* الحداثة، هل هي نص أم سلوك؟

- الحداثة هي سلوك وليست نصا، وللأسف الشديد الحداثة فهمت خطأ مثلما فهمت البنيوية في النقد خطأ عندنا، الحداثة أن ترتبط بمجتمعك أكثر، أن تعبر عنه، أن تصير ضميره، أن تصير لسانه المعبر، أن تصير صوت من لا صوت لهم، لكن للأسف الشديد الفهم العربي للحداثة فهم خاطئ لأنه يرى أن الحداثة هي الإيغال داخل الذات والإطلال داخل النفس والبعد عن الجماهير، ويعتبرون الجماهير جريمة، لكن أنا رأيي أن هذا مفهوم خاطئ للحداثة، والحداثة لا تعني معاداة الجماهير كما يفهم الكثير من المحدثين العرب. 

* هل ثمة كتاب -في فترة من فترات حياتك- أثر في توجهك الأدبي والفكري؟

- لا أنا ضد هذا.. ممكن أن أقول لك ألف ليلة وليلة لكن بمعنى أنه ساعدني على تأكيد اتجاهي أكثر من تغييري، الإنسان الذي يمكن أن يعيد إنتاج نفسه لأنه قرأ كتاب، أعتقد أنه غير صادق. بخصوصي ألف ليلة وليلة والقرآن الكريم، وأنا لا أقول القرآن نفاقا للإسلاميين، إطلاقا، أنا أقول القرآن بطريقة تغضب الإسلاميين لأنه عندما أتكلم عنه كنص قصصي يغضبون جدا ويعتبرون أ، هذا إبعاد للقداسة عن القرآن، لكن ساعدني على تأكيد اتجاهي لكنه لم يؤدي إلى تغيير هذا الاتجاه تغييرا مطلقا، من يقرأ كتابا فيصبح إنسانا آخر لا أعتقد أنه صادق. 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الرواية | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر