حوار مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم

كتبهاعتبات/ seuils ، في 31 مايو 2007 الساعة: 23:54 م

 

حوار مع الشاعر الفلسطيني

سميح القاسم

 

 

وليد الزريبي

1- الآن، كيف ينظر سميح القاسم إلى تجربته الشعرية، إلى مسيرته الطويلة، هل ندمت على بعض الكتابات؟ هل ثمة كتب لو قُدر لك إعادة كتابتها كنت تلغيها؟

* لا أريد أن أبدو مغرورا ولا أحب الغرور.. وتعرفون أنني بعيد جدا عن سمة الغرور. لكن هناك مسألة أصرّ عليها أعتبرها من حقي الشرعي. أعتقد أني أنقذت الشعر العربي الحديث من عوامل السقوط والتقدِّم والهجانة. أعتقد أنني أجسّد الحداثة الشعرية العربية.

إذا كان المقصود الشكل فهذا أمر طبيعي أنا لم أتخلّ عن العمود الكلاسيكي في أي وقت من الأوقات. كتبت قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة والكلاسيكية، الشكل لم يربكني في أي وقت من الأوقات أحب العمودي في الشعر العربي بولع أعشق الأوزان العربية وهي أجنحة حرية وليست قيود كما يدّعي بعض الجهلة الذين لا يتقنون ولا يتمكنون من العروض لا يعرفون سر العروض إذا تحولت الأوزان إلى جزء من نصك الشخصي فهي تصبح أجنحة حرية ليست قيودا على الإطلاق ولذلك أنا مع الحرية المطلقة في العملية الإبداعية ولا أسميها أصولية.

 

2- هل يستطيع الشاعر الفلسطيني التنصّل من السؤال السياسي؟

* لا يستطيع الشاعر الحقيقي النجاة من جميع الأسئلة، بما فيها السؤال السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

الشعراء المستنسخون من طراز النعجة "دولي" يستطيعون الاختباء وراء جينات التهجين والهرب من الحياة نارًا ونورًا، عذابًا وحُلمًا.

أنا لستُ من هؤلاء كما تعلم ولن أكون منهم وأستذكر دائما قول ماركي أو أنجلس لا أذكر: " ليس لي قَفَا ثور لأديره لهموم الجماهير ".

الدعوة لإخراج الشعر من السياسة وإبعاد السياسة عن الشعر، هي في صلبها دعوة سياسية رجعية قبيحة تُريد تجريد الإنسان من أحد أسلحته القوية في الدفاع عن إنسانيته ولن تجد خارج الهم الإنساني شعرا جميلا وإنسانيا.

ولتهوين المسألة وتوضيحها أنا أحب النقيضين بيكاسو ودالي. لكني أحترم بيكاسو أكثر ممّا أحترم دالي. وأفضل العمل الفني العظيم بمضمون إنساني عظيم.

لا أعترض على نظرية الفن للفن لكني لا أُدخل نباحها إلي بيتي. مع حرية الإبداع لكني أدافع عن الالتزام وأستحضر دائما ما كتبه نيرودا في تقديم منتخبات من أشعار صديقي الراحل الكبير رافائييل ألبرتي، في ذلك التقديم عبارة بسيطة لكنها تعني كل شيء " يخرج الشعر من السلام، كما يخرج الخبز من الطحين ".

فالنضال من أجل السلام والحرية هو في عمقه نضال من أجل الشعر. وأستهجن أن يطالبني أحد بتجنب العوامل السياسية وأنا ابن أمة مذبوحة وشعب مغتصب ووطن ضائع، وأعني الوطن الصغير فلسطين، والوطن الكبير من محيطه إلى خليجه. من واجبي تدريب العبيد على الحرية.

 

3- ألا تعتقد أن جيلكم الشعري أقل حظا من جيل ما بعد " السلام "؟

* السؤال المطروح عادة يقول أن جيلنا أوفر حظا من الأجيال اللاحقة وهذا الكلام مرفوض.كل جيل يفرز شعراءه وكل جيل يشكل صوته وصورته.

أن لا أقرّ نظرية صراع الأجيال لا في الشعر ولا في أي شيء آخر. أنا أقرّ بتواتر الأجيال، وتكامل الأجيال. الصراع يجري في كل جيل. داخل الجيل الواحد يجري صراع شرس حول الذائقة الفنية والمعنى الإبداعي.

هناك معارك لم تحسم على مرور الأجيال. فكرة السّقف غير القابل للاختراق هي فكرة باطلة في رأيي. البعض يزعمون أن جيلنا شكّل سقفا غير قابل للاختراق وهذا غير صحيح. لدي قناعة أن هناك أصوات عديدة في الوطن العربي تستطيع إثبات وجودها بتقاطيعها الخاصة وملامحها الخاصة. أنا متفائل بهذا المعنى لكن أرفض محاولة تجريد أي جيل من انجازاته الخاصة والمتميزة. وأرفض الروح العدائية التي توجّه من الأجيال الجديدة للأجيال السابقة. حتى في تونس هناك من يحاول تجريد الشابي من مكانه ولا خطيئة للشابي، لم يرتكب جريمة، كان شاعرا فحسب. لم يغتصب مكان أحد، ولم يلغ مكانة أحد. وأنا لم ألغ شاعرا فلسطينيا ولم أمحُ موهبة شاعر، لا فلسطيني ولا تونسي ولا ليبي ولا مصري. فلا مبرّر للعدائية.

 

4- كيف يتفرّد الشاعر بصوته؟ هل للعوامل التاريخية دور؟ وكيف يصبح مختلفا؟

* أنا قادم فقط بالصدق، الصدق بالمعنى الفني والمعنى الأخلاقي بكل معنى الكلمة والصدق الفني أن يبني قصيدته على مادة تجربته ألا يستعير من الآخرين. وفي الشعر العربي ظاهرة، ظاهرة السرقات، السّطو. حدث ولا حرج. الترجمة والافتعال كلها أمور في نهاية المطاف تلغي شخصية الشاعر. الصدق بالمعنى الفني والأخلاقي واختزال التجربة، لا يوجد شاعر بدون تجربة عميقة وعريضة وطويلة، لا يمكن.. تجربة الحياة بكل ما تعنيه الحياة من خير وشر وحزن وفرح وانجاز وإحباط وحب وكراهية وغضب بدون الإيغال في الحياة بكل صورها وأشكالها لن تنتج تجربة شعرية جديرة بالبقاء ومتميزة.

 

 

5- في مستقبل الشعر العربي ربما بعد خمسين سنة هل تتوقع أن يتم العودة القوية أو الحنين القوي إلى القصيدة التي تعتمد نظام الشطرين أو القصيدة العمودية؟

* هي لم تمت حتى نعود إليها موجودة أنت تعرف أنها وُجدت بقوة عند الجواهري وتعرف أنها موجودة عندي أيضا بقوة وبعنفوان. أنا أرفض الادعاء بأن الرواية ستحتل مكانة الشعر وقصيدة النثر ستحتل مكان القصيدة العمودية هذه كلها افتراضات غير دقيقة وغير علمية وغير محسوبة، تستطيع قصيدة النثر أن تتعايش مع القصيدة العمودية إذا كانت هذه القصيدة حقيقية وتلك قصيدة حقيقية لا تناقض بين الأشكال، هذا التناقض مفتعل هو مستورد وهو اختراع الآن في أوروبا يعودون إلى الأشكال الكلاسيكية القديمة في بريطانيا وفرنسا وفي ألمانيا هناك عودة.

كنت قبل حين دعيت إلى جامعة روما أصدروا لي مجموعة باللغة الإيطالية وأقاموا حفلا وأمسية وقرأت واخترت أن أقرأ بعض القصائد العمودية وفوجئت بشعراء إيطاليين يقولون إنهم يعودون إلى الكلاسيك الإيطالي ليس لإخلاء الحديث الإيطالي بل لرغبة التنوع والتعدد والتجدد المستمر وإذا التغى العمود الشعري بالمناسبة هذا يعني زوال التراث الشعري العربي من شعراء الجاهلية إلى المتنبي إلى الجواهري.

 

6- أقصد دعوة منظمة على غرار ما هو سياسي؟

* لن تنجح، لن تنجح أية دعوة منظمة لن تنجح. جامعة الدول العربية اذا اتخذت قرارا فستفشل وأية دولة ستفشل. في الثقافة وفي الإبداع لا وجود للقرار هناك قرار غربي أمريكي مع بعض التافهين الرجعيين العرب لإلغاء أمور ثقافية كثيرة لكنها لن تنجح.

 

7- زرت الكثير من المهرجانات الشعرية الدولية، وبطبيعة الحال أنت عربي وزرت الكثير من البلدان العربية، كيف ترى الشعر أو منزلة الشعر وجمهور الشعر العربي بالمقارنة مع الجمهور الغربي. هل تراجع هذا الفن في بلداننا خاصة ونحن أمة يقال أن الشعر هو فنها الأول؟

* قرأت لجماهير أوروبية ليس لعرب في أوروبا، بل دُعيت لأمسيات لجماهير أوروبية ولا أنسى في ستوكهولم حين سلم علي شاعر سويدي وقال " ليتني أملك في السويد جمهورا كجمهورك من السويديين ". في الوطن العربي الشعر مازال سيد الإبداع، وأعتقد أنه سيظل سيد الإبداع إلى قرون. المشكلة في العلاقة: الفضائيات، الانترنت، الفيديو.. كل هذه الأمور قلصت جمهور الشعر بدون شك. لكن هناك مشكلة أيضا في المؤسسة الثقافية ينظمون مهرجانا في عاصمة عربية ولا يضعون ميزانية للإعلان وللإعلام. الشاعر لا يحصل على الاعلان لأمسيته وهذه حالة عربية في أقطار سايس بيكو في حظائر سايس بيكو هناك ظاهرة مرضية التخلي عن الكرامة القومية والسياسية والثقافية. هناك سقوط ثقافي وأنا قلتها في تونس وفي مصر وفي كل مكان أقولها الثقافة خندقنا الأخير كعرب إذا سقط هذا الخندق " كفّك على الضيعة " كما يقال في لبنان. سنتحول إلى ما يشبه أمريكا اللاتينية تلتغي الأمة العربية لنتحول إلى توانسة وليبيين وفلسطينيين ومصريين وعراقيين إلى آخره من بذاءات سايس بيكو، وحراس سايس بيكو معنيون بهذه التجزئة، معنيون بالقضاء على الخندق الثقافي. السؤال هو هل نسمح لهم بذلك أم لا. أنا لا أسمح بذلك، لا أسمح للجامعة العربية مجتمعة بخلخلة الروح القومية العربية الحضارية الراقية في الوطن العربي. مادمت على قيد الحياة أحارب من أجل الدفاع عن كرامتي وعن ثقافتي وعن قصيدتي وعن قصيدتك وعن قصيدته، دفاعا عن وجودنا. لكن القول بزوال الشعر وانتهاء زمن الشعر كلام فارغ يجوز هذا القول في أمريكا اللاتينية. الرواية في أمريكا اللاتينية تفوقت. أصبحت ديوان شعوب أمريكا اللاتينية. لأنهم قدموا نماذج روائية رائعة ومذهلة، قدموا كبار الروائيين في العالم.

ما هي رواياتنا؟ الرواية العربية ما زالت محاولة خجولة لأن تكون رواية بالمعنى التقني للرواية.رواياتنا محاولة تجريب، بحث عن شكل روائي. ادعائنا وغرورنا شيء غير معقول كأن عندنا روائيين بحجم روائيي أمريكا اللاتينية وأوروبا. اليابان عندها روائيين أهم من الروائيين العرب والصين واليونان. من هم الروائيون العرب العظام الذين يلغون الشعر، لا يوجد.

 

8- وماذا ينقص شعرنا ليصبح عالميا؟

* هو عالمي. شعرنا عالمي.

 

9- ومؤثر؟؟

* ومؤثر أيضا. ماذا يعني مؤثر هل بمعنى نغير قرارات الأمم المتحدة.. هو عالمي ومؤثر.

 

10- ارتبط حضوركم الشعري في قلوب الجماهير العربية بحضور القضية الفلسطينية، الآن بدأت القضية تنطفئ نوعا ما داخل صدور هذه الجماهير. فمثلا ألا تخاف من زوال مملكتكم الشعرية؟

* ( يضحك ) أخي حضورنا نتشرف ( اسمح لي أتكلم باسمي الشخصي ) أنا أتشرف بأنني قدمت المعادل الشعري للقضية الفلسطينية أتشرف وأعتز بذلك. لكن أرفض الادعاء بأن حضوري الشعري هو لكوني فلسطينيا فقط بسبب القضية. هذا ادعاء باطل أنا موجود في سوريا بقصيدتي، وموجود في تونس بقصيدتي. لو قرأت لكم قصائدي من دون فلسطين وانفض الجمهور من حولي ستكون نظريتك على حق. في تونس يحبون قصيدتي ولا يحبون فلسطين بسببي، ولا يحبونني بسبب فلسطين، يحبون قصيدتي. أنا قرأت في تونس في مسائل ذاتية ومسائل شخصية أكثر مما قرأت عن فلسطين.

 

11- في فلسطين انطلق صوتكم منذ كتاب الراحل غسان كنفاني، ومنذ اختراق القصيدة، قصيدة سميح ومحمود وسالم جبران ومعين بسيسو وتوفيق زياد خارج الأسر الإسرائيلي، وبعد ذلك نمى جيل شعري فلسطيني بعدكم تحديدا، وهذا الجيل يحسّ بالغبن فكأنّ هذه الأصوات التي سبقته تعترض تقدّمه وتعيق وصوله وتشل خطاه فكيف ترى ذلك؟      

* هذا ظلم غير مبرر. كتب في القضية الفلسطينية ربما عشرين ألف شاعر عربي وخمسين ألف شاعر أجنبي. حضور أو بروز أو بقاء بضعة أسماء لا يضير هذه الأسماء. يبدو أن هذه الأسماء أضافت للقصيدة شيئا ليس فقط الموضوع، ليس فقط فلسطين. هناك شعر كثير عن فلسطين مضمونه حق، موقفه صحيح لكنه ليس شعرا، ليس كل ما يكتب في فلسطين وفي الانتفاضة وفي الحرية وفي هذه المواضيع هو شعر جيد. يجب أن نكون منصفين.

 

12- بتعبير آخر، أدرك أنك ساعدت بعض الشعراء الشباب؟

* أنا ساعدت الجميع من كان قبلي ومن معي ومن بعدي.

 

13- وكيف كان ردّ فعلهم؟

* أنا لا أنتظر ردود الأفعال، أنا قدمت دراسة مثلا مطالع من أنطولوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام. اشتغلت على هذا الكتاب أكثر من سنة، وقدمت هذا الكتاب وطبع. من ألف سنة من كشاجم الرملي حتى راشد حسين. أرهقت نفسي كثيرا، هو ليس مجانيا لكنني أرهقت نفسي وأصدرت هذا الكتاب. أيضا أصدرت كتابا آخر باسم "الراحلون" لعدد من الشعراء السابقين الذين سبقوا جيلي وقدمت في مهرجانات في دول عربية وفي مهرجانات في العالم عشرات الشعراء والمبدعين والفنانين والرسامين والراقصات والمغنين قدمتهم للعالم من خلال الدعوات الشخصية الموجهة إلي. لم أقصر في هذا المجال وأرفض الظلم كأننا خلقنا سقفا غير قابل للاختراق، لا سقوف في الشعر، لا يوجد سقف غير قابل للاختراق في الشعر.

تريدونني أن أتخلى عن تواضعي أنا اخترقت سقف المتنبي وأبو العلاء المعري بقصيدتي. غير صحيح أن هناك سقوف غير قابلة للاختراق.. المعري والمتنبي مع كل احترامي تجاوزناهم في أمور كثيرة، هذا لا يلغي مجدهم وعظمتهم لكنه لا ينبغي أن يلغي انجازنا ودورنا. لا سقوف في الشعر، لا مستحيلات، لا عوائق. أنا ضد العداء، ضد التجني، ضدّ العدائية بين الأجيال أنا مع التكامل كل تجربة تضيف إلى أختها، إلى ما سبقها وإلى ما يليها أيضا.

 

14- أنت معروف أو زاد الجمهور معرفة بك بعد أن غنى لك مارسيل خليفة؟

* لا أبدا. مارسيل خليفة أصبح أكبر شهرة وأعز مكانا بعد أن غنى لي. وأشهر ما غنى "منتصب القامة أمشي" هو ارتفع بها دون شك. فأنا لست بحاجة إلى مغنين لقد غنوا لي منذ 1968 و 1967 عندي أكثر من أربعين قصيدة مغناة ولا أتوكأ لا على مارسيل خليفة ولا على فيروز ولا على فريد الأطرش وأم كلثوم. القصيدة تصل، مارسيل ساعدها وساعدته، المغني يأخذ من الشعر والشعر يأخذ من المغني، هذا تعاون وليس استفادة.

 

15- هل تسمع الأغاني الجديدة الآن؟

* قليل جدا وأنا أحترم ذائقة كل جيل. يبدو أنني أصبحت "موضة" قديمة، يبدو أنني أصبحت "موضة قديمة" في مجال الغناء.

 

16- بعض الشعراء الفلسطينيين هربوا من وطنهم بتعلّة الشعر، لكني أعتقد أنكم عدتم إلى الوطن كفكرة في قصائدكم؟

* لم أهرب إلى الوطن ولم يهرب زملائي من الوطن. هي أحداث عفوية تحدث، تجري. وبقائي في الوطن ليس من أجل القصيدة لدي بيت جميل على سفح جميل في بلدة جميلة، لدي زيتونات وكروم ومقبرة أجداد ومدرسة طفولة، لدي تاريخ وذكريات وهو وطني. لا أخرج منه إلا جثة هامدة. فقط إذا قتلت أخرج من الوطن. هناك من يريد أن يبعدني عن هذا الوطن هل أقدم له مكافأة أبدا هذا وطن.

 

17- ثمة من الشعراء الفلسطينيين من هاموا بفكرة السفر والتنقل والإقامة في بلدان أجنبية…( يقطع حديثنا مضيفا):

* يا أخي أنا سافرت وتنقلت وأقمت وغامرت وأحببت وأعرف العالم أكثر من أي كائن على وجه الأرض. أنا أعرف أوروبا أكثر من الأوروبيين، أعرفها من الداخل، من المعرفة  " الجوانية ". السفر ضرورة للشعر وللفن لكن لا يتعمد أحد ذلك، أنا لا أتعمد لا أقول سأزور جنوب فرنسا أو سأزور شمال إيطاليا لا أتعمد هذا يحدث، يحدث فحسب كما تحب امرأة، يحدث فحسب هل تضع برنامجا.. في السنة سأحب ثلاث نساء.. لا يوجد برنامج لا في الشعر ولا في الحب ولا في الحياة.. لا توجد برامج، أنا لا أبرمج لشيء وليس لدي مشروع شعري. بعد أن أموت يمكن أن يتحدثوا عن مشروع شعري، مادمت على قيد الحياة ليس لدي مشروع شعري. أنا ضد مقولة المشاريع، بعد أن يموت الشاعر إما أن يكون قد حقق مشروعا أولا.

 

18- المنفى.. في وقت مَا أصبح "موضة" شعرية يتغنى بها الشاعر…( يقطع حديثنا مضيفا):

* هذا اعتداء على الألم.. هذا الكلام إهانة للألم.. المنفى ليس موضة، المنفى حالة قصرية مؤلمة وموجعة. وإذا كان المقصود محمود درويش فهو متألم وموجع.. لا يتمتع بالمنفى، والمنفى عنده ليس موضة شعرية.

في المقابل أريد أن أردّ على من يزعم أن خروج الشاعر من وطنه، أي شاعر وأي وطن يساعده على تفتيح طاقاته الفنية.. هذا كلام سخيف وتافه. لست بحاجة إلى أن أصبح مشردا حتى أبدع في شعر التشرد. الإبداع حالة ذاتية وفردية وتقوم على تجارب وعلى طاقات وعلى تراكم ثقافي ومعرفي ولست بحاجة إلى أن أشارك في الحرب الفيتنامية حتى أكتب عن فيتنام وكتبت عن فيتنام قصائد شهد لها شعراء فيتناميون. المسألة ليست بهذه البساطة.. أنا سأغادر الوطن حتى أكتب عن المنفى، ليست بهذه البساطة.

 

19- في الجيل الذي عشت فيه، الشاعر يصعد من منابر معينة هناك كجريدة، هناك حادث، هناك منبر أدبي يصعد منه يتابعه الجمهور.كانت هناك مجلة الآداب، وقبلها الرسالة، أبولو.. مجلة شعر.. منابر كثيرة يمكن أن يندلع منها الشعراء أو ينبعون، الآن كيف تتصور الوضع مع وجود الكثير من المجلات والكثير من المنابر ومع ذلك تكاد المواهب والأسماء تكون قليلة. كيف تشخص هذه الوضعية؟

* السؤال هو حول التواصل بين الشاعر والجمهور. في أيام الجاهلية كان التواصل شفاهيا، الناس يحفظون القصيدة ويرددونها، تنتقل بالرواية، التواصل بالشفاهي، في مراحل سابقة كان النقش على الحجر تنقش قصيدة على حجر أو على الفخار كما في بلاد ما بين النهرين يُكتب الشعر على الفخار ويحفظ ويُنقل ويُنسخ، فيما بعد اكتشفوا الطباعة، حديثة. الكتابة على ورق البرد، إذن أساليب التواصل تختلف. الطباعة ليست الوسيلة الأخيرة للتواصل بين الشعر والجمهور، بين الشاعر والجمهور. أعتقد أن الانترنت سيحتل موقع الكتاب، أعتقد ذلك.. لا أحب ذلك.. لا أحب ذلك، أنا أفضل رائحة الورق والحبر وأكتب حتى الآن بالحبر الزائل، أحب حفيف ريشة القلم على الورق، لكن هذا لا يحكم العملية الإبداعية إلى الأبد. أعتقد أن الانترنت سيتحول إلى المنبر الأساسي للشعر وللفن وللغناء ولكل شيء. هكذا أرى التطور.

 

20- نحن نقدر فيكم هذه الذاكرة الحبرية، لكن الانترنت الآن يسمح لكاتب أن يوزع آلاف النسخ، وملايين القراء حول العالم، ثمة من يبشر بموت الكتاب الورقي وصعود الكتاب الرقمي. إذا كان الكاتب نفسه يستفيد من الانترنت لماذا ندافع عن كتاب ورقي تثبت الرّقمنة، يوميا، ألا مجال له؟

* الكتاب الورقي سيبقى للنخبة، نخبة من القراء، من المهتمين يريدون الاحتفاظ في المنزل بكتاب يعودون إليه من وقت لآخر. في هذا الشهر الفضيل أرجو ألا يساء فهمي: القرآن لا يمكن أن يتحول إلى "ديسكات" على الانترنت فقط، لا بد من كتاب في المنزل، في مكتبة البيت وأعتقد أن الحاجة إلى الكتاب المطبوع ستظل، ستستمر إلى عصور بعيدة لكن شكل التواصل الأساسي لن يكون المنبر ولن يكون الكتاب سيكون الانترنت وهذا طبعا يخلق شيئا من الفوضى فيما مضى كانت المجلة، كان المحرّر ينتقي، الآن على الانترنت لا مجال للانتقاء،كل ما شئت تستطيع أن تعمّمه، ويستطيع أن يراه الملايين ويقرأه الملايين. لست خائفا لأن الملايين ليست من الغباء بحيث تقبل كل شيء أيضا الملايين لديها ثقافتها، لديها درايتها، لديها تلقمها المعرفي وستميز بين الغث والسمين، بين الجيد والرديء، فليصل كل ما يكتبه الناس، دون رقابة، إلى ملايين البشر لكنهم سيختارون في نهاية المطاف على الانترنت أو على الكتاب المطبوع أو على الفخار أو على الحجر، سيختارون ما يستحق البقاء.

 

21- لكن بإمكان "جاحظ" اليوم ألا يموت تحت حزمة كتبه، بإمكانه أن يضع مكتبته الكاملة في جيبه، على CD؟

* أنا أفضل الموت تحت الكتب، على الموت ذبحا بالـ CD .    

 

22- هل صادف أن بحث سميح قاسم عن شيء ما، فعثر عن شيء آخر، تبين أنه هو ذاته الذي يبحث عنه؟

* طبعا.. هذا يحدث لي دائما. دائما.. دائما. مفاجآت الكشف، حتى أثناء كتابة القصيدة تأتيني صور ومعان تفاجئني، تفاجئني تماما. وأخرج منها بجلدي في اللحظة الأخيرة، مثلا في قصيدة " عجائب قانا الجديدة " هنا في تونس أحد الشبان قال أنا سأتشيع حماسة بحسن نصر الله وحزب الله وفي المساء وأنا أكتب هذه القصيدة استكملتها هذه القصيدة في قرطاج وأثبت ذلك في نهايتها (الرامة – قرطاج تموز2006 ) أكملتها هنا وإذا بي أضيف للقصيدة وأعلن أني تشيعت، تشيعت للسنة الظافرة، على دين حرية الصاعدين إلى مذهب الأمم الثائرة.. أخرجت نفسي من هذا المأزق التشيع والتسنن في آخر المطاف الإنسان يتشيع للحرية وللثورة. ليست قضية مذهب. أحيانا أجلس لكتابة رسالة فإذا بي أبدأ بقصيدة أو أجلس لأكتب قصيدة فإذا بي أبدأ مقالة، المفاجأة مستمرة دائما.

 

23- هل ثمة كتب قادرة على تغيير حياة الكاتب إلى الأبد؟

* لا.. لا كتاب ولا امرأة ولا رجل ولا شيء قادر على تغيير حياتي إلى الأبد.

 

24- هل ثمة أوطان قادرة على تغيير حياة الكاتب إلى الأبد؟

* أبدا.. أبدا.. لا أنا صحيح أحب الاثنين لكن أحب الوطن العربي وأحب الكرة الأرضية بالنهاية كلها، ليس عندي تعصب لإقليم ضد إقليم، الكرة الأرضية كلها وطني.

 

25- يقول بعضهم أن سميح القاسم استفاد شعريا من علاقته بدرويش، في حين محمود درويش لم يستفد من هذه العلاقة؟

* هذا كلام أرصفة.. وكلام سخيف. محمود أخي الأصغر وأعتقد أنه يعتز أنه استفاد مني شعرا ونثرا وسياسة وفكرا ولا أرى غضاضة في أن يستفيد الإخوة أحدهم من الآخر لكن أعتقد أن نتاج الموضوع بين أيديكم يلغي هذا الكلام الذي قالوه نقاد المائة دولار، أنا أسميهم نقاد المائة دولار، تعطيه مائة دولار يجعلك شكسبير وأهم منه. نقاد الكافتريات. ليست لديهم أية قيمة. تجربتي سابقة لتجربة أخي محمود، سابقة في الزمن وسابقة في الحضور. هو لا ينكر أنه استفاد مني بدون شك وإذا كنتم تصرون على أنني أيضا استفدت منه فلا بأس. ولا أعرف أين تترجمون في قصيدتي هذا الادعاء. إذا كنتم تريدون ذلك فليكن. وأستفيد من أي شاعر مبتدئ ومن أي شجرة، أنا أستفيد من الكون كله. قصيدتي تحمل الكون كله.

 

26- قصائد صارت لها سلطة وحراس مؤسسة بامتياز، ألا تخاف أن تتحول أنت نفسك إلى مؤسسة؟

* أنا قلتها أنا لست مؤسسة، أنا دولة عظمى لكنني لست عضوا في الأمم المتحدة.

 

27- رأيكم في قصيدة النثر؟

* القصيدة الجيدة هي قصيدة جيدة وأحبها وأحترمها. سواء كانت قصيدة نثر أو تفعيلة أو قصيدة عمودية. جئني بالشعر وسأعانقه. القصيدة التافهة بأي شكل من الأشكال لا تعنيني. تبقى تافهة. الشكل لا يقرر، الخلطة بين الشكل والمضمون والقدرة الإبداعية إما تكون قصيدة أو تكون طُرحا شعريا، غير جدير بالبقاء.

 

28- هل صادف أن كتبت هذا الشكل – قصيدة النثر -؟

* طبعا.. طبعا كتبت أهم قصائد النثر في الشعر العربي الحديث.

 

29- كيف تعاطى سميح القاسم مع ما حدث في جنوب لبنان؟

* كما لم يتعاطى أي كائن، والدليل هذا الكتاب " عجائب قانا الجديدة ".

 

 

                             

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الشعر | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر