حوار مع الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم
كتبهاعتبات/ seuils ، في 31 مايو 2007 الساعة: 23:56 م
حوار مع الشاعر أحمد فؤاد نجم

وليد الزريبي
المتعة مضمونة في الحوار مع الشاعر الشعبي العربي المصري الشهير أحمد فؤاد نجم ولا يعرف محاوره من أية نقطة يبدأ. لأن أجوبته دائما تحمل حرارة الحياة وطعم الشعر والتحدي. يحكي نجم ويجيبك عن أي سؤال تطرحه أنت، وتتحمل جريدتك مسؤولية نشره. فلم يعترض، كما يفعل بعضهم، على سؤال متحجّجا أو متحرّجا، بل كان يجيب بتلقائية ساحرة عن أسئلة تنطلق من مواضيعه الشعرية الأثيرة والتي عرف بها، ورحلته الفنية الحميمة مع الشيخ إمام عيسى، وعن علاقاته بأهل الفن والسياسة، وعن شعره الذي سجنه وحرّره في الوقت ذاته، وعن " عزة " التي صارت رمزا للمرأة التي لم ينجح معها إلا شعريا، عن كل هذا تحدث نجم مشيدا بأبي الطيب المتنبي كأعظم شاعر أنجبته امرأة في هذه الدنيا…
* هل يستطيع المثقف العربي اليوم النجاة من السؤال السياسي؟
- من المستحيل أن ينجو المثقف العربي من السؤال السياسي، ولا أي كان ممن يعمل في المجال الفنّي والأدبي عموما، بحيث لا يوجد عمل إبداعي أو فنّي خال من السياسة. فأنت تخرج من البيت وتذهب إلى العمل وتذهب إلى المحلات لتشتري بضاعة… هذا عمل سياسي، وتعاطي لمفهوم السياسة، فالإنسان حيوان سياسي مثلما أشار عدة فلاسفة من العصر القديم أو الحديث، أي لا وجود لمثقف معزول عن السياسة، فالإنسان سياسي بطبعه وبشرط وجوده. فيما يخصني أنا لم أنج من السؤال السياسي، وأرجو أن لا أنجو منه، بل كان هو هاجس الإبداع والشعر بالنسبة لي، بل قدر الشاعر والمبدع العربي عموما أن يكون مسكونا بالسؤال السياسي، خاصة في ظل المراحل التي مرّت بها الأمّة العربية في تاريخها الحديث.
* والسياسة هل يمكن أن تتخلّى عن المثقف، في ظرف ما؟
- إذا كان للمثقف حسابات، وإذا كان المثقف غير ملتزم بقضايا أمّته، وعصره، ويحصر واقعه وسعيه وراء إنجازات ذاتية، شخصية، فسرعان ما يتخلى عنه كل من يحيط به، ويجد نفسه على الهامش معزولا عن الحياة والناس، بمعنى المثقف الذي تتخلى عنه السياسة هو الذي تخلى عنها في بداية وعيه كمثقف، فإن لم يصدّق نفسه كمثقف فسوف تحسم فيه السياسة.
* بأي معنى يظل كل شاعر عربي حفيد شهرزاد اللسانية، وهل يمكن للكتابة أن تتحول إلى مرادف الدفاع عن الحياة؟
- لغاية أن يرث الله الأرض ومن عليها، ما دمنا أحياء ومتواجدين بين أمّة فأنت نبتة أمة وثقافة، ستظلّ ملتزما بهذا، أن ترى الواقع وتتأمّل فيما حولك: هل هناك عدل؟ هل هناك ظلام؟ هل هناك نور؟… ستظلّ ملزما بإبداء رأيك ومرغما على قول الحقّ، أو تجد نفسك خارج الحياة، أو بالأحرى خارج حياتك.
* هل الكتابة قدر يختارنا أم نختاره؟
- الحقيقة وحسب رأيي الشخصي: هي قدر يختارنا، لكن نوع الكتابة ومضمونها نحن الذين نختاره، فأنا اكتشفت أنني موهوب كشاعر دون اختياري، لكني اخترت. شاعر بماذا؟ شاعر مع من؟ وضدّ من؟ اخترت أن أكون بين الناس، اخترت كيف أمشي متوازنا بما لم أختر؟ بمعنى آخر الكتابة قدر يختارنا لنُبْتلى باختياره طوال حياتنا.
* قصائد أحمد فؤاد نجم صارت لها سلطة، ولها حراس مؤسسة بامتياز، ألا تخاف أن تتحوّل أنت نفسك إلى مؤسسة؟
- لا… لن أتحوّل إلى مؤسسة لأني بلا احتياجات، ليس لي حبّ امتلاك أي شيء، ومثلما تراني هكذا في "جلابيّة" و"شبشب" أذهب إلى أوروبا وأسافر في الوطن العربي هكذا، أنا لا أجوع مثل الناس، أنا كلّما تذكرت الأكل أشرع بالأكل، أي ليست هناك حاجة تستعبدني فأضطر إلى أن أكون مؤسسة حتى ألبّيها، فليست هناك حاجة ملحّة في حياتي ترغمني على التعامل مع المؤسسة، فما بالك بأن أتحوّل أنا إلى مؤسسة.
* الكثير من الشعراء العرب تحولوا إلى مؤسسة بموجب ودونه، هل هي نهاية الشعر أم الإنسان؟
- عندما يتحوّل الشاعر إلى مؤسسة فإنه آليّا ينتهي كشاعر، فإمّا أن يكون شاعرا أو يكون مؤسسة، لأنه من المستحيل أن يوفّق بينهما، فكثيرا من الشعراء العرب فعلا تحولوا إلى مؤسسة، لكنهم انتهوا كشعراء، بل هناك من انتهى كإنسان.
* هل حقّا أن الكتابة منازلة للمكبوت الفردي والجماعي؟ إن كان الأمر كذلك فأي مكبوت تفصح عنه في كتاباتك؟
- أفصح عن الظلم الذي يعاني منه شعبي وأمّتي، أفصح عن الطموح واستشراف المستقبل الأفضل، فعندما يسألونني: هل مازال لديك أمل؟ أقول: نعم، لي أمل. فعندما أطلب من مصر أن تلد مولودا جديدا فهذا ليس بجديد، فهي فعلت أكثر من مرّة في التاريخ، الكلّ يعرف أن الرجل الإغريقي والمؤرخ هيرودوت هو من نقلوا عنه العبارة الخائبة "إن مصر هبة النيل"، النيل موجود في السودان، وفي إثيوبيا أيضا، فمصر ليست "هبة النيل" مثلما قال هذا الإغريقي، إنها هبة المصريين، نعم مصر هبة المصريين، هبة الفلاح المصري. هو دور مصر الحضاري، إنّها شمعة مستقرة في قاع النهر كلّما أظلم العالم تطفو على السطح، هو دور حضاري قامت به من قبل وعبر تاريخها العريق القديم، قامت به أيضا بعد الإسلام وأثناء الإسلام، فأنا لا أطلب منها المستحيل، عندما أطلب منها أن تستيقظ وتلعب دورها الحضاري. فأنا لم أتفاءل من قبل أكثر من تفاؤلي اليوم، عندما تنتهي الأنظمة العربية وينتهي بها الأمر إلى التآكل وإلى الخنوع، إعدام صدام حسين مثلا فضيحة لهم كلّهم، وصدّام ليس صلى الله عليه وسلم، هو حاكم مستبد لكن فقط لأنه أبدى شجاعة أربع دقائق أصبح بطلا، وهو يذكرنا بعبد الناصر الذي كان له ضحايا كثر لكنّه كان شجاعا فسار في جنازته خمسة ملايين من البشر، أما السادات فقد هربوا بجنازته وأخرجوها بطريقة شبه سريّة لما سجّله من خنوع وغياب الشجاعة.
* ألا يكون الفرق الوحيد بين جنازة جمال عبد الناصر وجنازة صدام حسين هو عدد المشيعين؟
- صدّام حسين استحوذ على قلوب الناس، قلوب كل العرب، وذلك الإحساس الرهيب كون أ الإعدام حصل يوم عيد الأضحى، كان بصقة في وجوههم، وهذه البصقة كانت منذ اغتصاب فلسطين وضياع لبنان ثم العراق. فليس بجديد علينا الإهانة ومحاربة مشاعرنا وتحطيم معنوياتنا، لقد تعودنا على الإهانات.
* جيلكم الأدبي اكتوى بنار الشعارات والهتافات، وتآلف مع الخيبات والبطولات الوهمية، في حين أن الجيل الجديد ليس له ما يخسر على الأقل حتى الآن؟
- أنا أراهن على الشباب.. قد تسألني لماذا؟ لأن الشباب العربي من المحيط إلى الخليج ولأول مرّة في التاريخ الحديث يصل إلى التكافؤ، وفرصته خاصة في مجال الانترنت والكومبيوتر.. فأنا قلت مرة لصحيفة "النيويورك تايمز": "بعد عشرة أو عشرين سنة سيبقى أعظم عشرة عباقرة في هذا المجال، وسيبقى منهم ثلاثة عرب على الأقل". فالشباب العربي اليوم بصدد أخذ فرصته في عدة مجالات نحن حرمنا منها.
* هل يمكن للشاعر أن يتخلى عن إنسانيته من منطلق الدفاع عن المصير الإنساني؟
- ليس للناس إحساس واحد بالوجود، فمثلا مكسيم غوركي يقول: "جئت إلى هذا العالم لكي أختلف معه". نحن موجودون ولا بدّ أن يكون لنا ملاحظات على هذا الوجود عبر الأحلام والأمنيات في اتجاه الأفضل. فأنا مثلا أرى أن الإنسان سيّد هذا الوجود، وأيّ قضية يعانيها أو تمسّ من سيادته إنّما هي قضيتي. الإنسان أينما كان هو قضيتي، فمثلا لا أستطيع أن أرى طفلا يتعذب وأنسى ذلك وأتجاوز، تلك هي قضيتي، وعذابه هو عذابي بل مسؤولية مشاعري وإرادتها رغما عني في التفاعل والتماهي مع هذا الطفل المعذّب.
* أدب أحمد فؤاد نجم اندمج في الجو السياسي الذي غمر مصر إبّان الثورة، الجو الذي قامت فيه الثورات والبطولات والرّجال. هل يمكن اعتباره العمل الوحيد الذي خرج من صلب التحرّك الجماهيري واندمج فيه بصورة نهائية؟
- لا.. ليس بالعمل الوحيد. هناك الكثير خرجوا من صلب الجماهير ولم يندمجوا في السياسة أو بالأحرى في السلطة. أنا انتظرت، انتظرت مع الناس، انتظرت مع الكوم الكبير إن صحّ التعبير، فاختيار الناس هو الأضمن في الانتظار معهم. هم الأبقى وهم الأشرف.
- كيف ترجمت وفاءك لهذا " الكوم " البشري الذي لا نشك في أنه قد ألهمك كثيرا؟
* طبعا. فمن أين أجيء بالشعر؟ أو من أين جاء صلاح جاهين بالشعر؟ أليس من الآباء والأمهات؟ فهم الذين علّمونا، فاختلافي إلى اللهجة العامية في الوطن العربي لأنها مليئة حكما وبلاغة شبيهة بحكم وبلاغة المتنبّي. عندما أستمع إلى موّال شعبي كأنه المتنبي يغنّي ويتكلّم، مثلا هناك أغنية فلاّحية تقول كلماتها: "يا حلواني بيع الحلاوة اللّي عندك، يا حلواني عضّيتو عضّة وبانت مطرح أسناني، خرّ العسل يا جميل وشربتو بأجفاني"، صورة قد لا يستطيع المتنبي تصويرها. فأنا ابن هذه الصورة وأحيانا هي ابنتي، ابن هذه الثقافة ولي الشرف أن أكون ابن هذه الثقافة. لذا لن أخونها أبدا.. ولو خنتها فإنّي أخون نفسي.. ومزابل التاريخ مستعدّة لاستقبال من يخون ثقافته وأمّته ومن يخون نفسه.
* هل أنت متفائل بمستقبل هذا الجيل، وهل تراهن عليه؟
- نعم.. جيل الانترنت أوفر حظا، وأقلّ حرمانا من جيلنا، وأنا كما ذكرت أراهن عليه كثيرا في تحمّل مسؤولية وجود أقل إهانة، وهزائم وانكسارات من وجود جيلنا، وأخذ زمام الأمور في العناية بالإنسان العربي المهموم. أنا لن أموت إلا إذا رأيت هذا الجيل يحاول إصلاح الوطن ويفرض احترام العالم لنا، حينها سأقول: سلام عليكم، إنني ذاهب.
* هل راودتك ولو مرّة فكرة اغتيال نفسك؟
- لن أفكر في هذا مطلقا. فأنا إنسان أحب الحياة حبّا كبيرا. أنا أحبّ أحمد فؤاد نجم كثيرا.. ولو أستطيع فإني أريد أن أبدأ الحياة من جديد، فإني سأختار أن أكون هكذا، أختار أن أكون أحمد فؤاد نجم اليتيم، الفقير، الذي رفض الخروج من مصر ومن أحلامه ومن معانيها… الذي رفض الخروج من نفسه، ومن حبّه لمصر، وللعرب، وللإنسان، رغم ما عاناه من ظلم. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ما تمنيت أن أرى رجلا في الجاهلية مثل عنترة بن شداد" وكان يقول للناس: "علّموا أولادكم حديث وشعر هذا الفارس". ثم أريد أن أخبركم شيئا وهو أن أشعر شعراء العرب هم أفرس فرسانهم إن صحّ التعبير، وهي ليست صدفة فالشاعر الذي لا يفهم الفروسية ولا يمارسها ولا يكون رجل القبيلة وحاميها لن يكون شاعرا كبيرا عند قومه. والشاعر الذي لا يكون فارسا بأي طريقة وفي أي مجال فأحرى به أن ينصرف إلى شغل آخر، ينصرف إلى الزراعة أو أي شيء آخر، فالفروسية ولو في الأفكار والمعاني هي شرط الشاعرية.
* هل نحن أمام عمل أدبي يرتهن بمهمّة واحدة هي مخاطبة الجماهير وإعدادها سياسيّا، وكون هذا العمل الأدبي سياسيا صرفا، هل يفقره فنيّا؟
- الحمد لله أنا لا أعاني من الفقر الفنّي في كتاباتي السياسية كما صنّفتها، بالعكس أنا يمكن أن أكون النموذج الفني بالنسبة للذي يريد العمل في السياسة والنضال، إذ لابد أن يكون هناك بعد جمالي. فقد حصل استفتاء حول شعري: هل فيه فنيات أم لا؟ لكن عندما أذهب إلى أي بلد عربي أجد الناس يحفظون شعري، والذي يسعدني ويطربني ويهبني الأمل هو أن الشباب الجديد هو الذي يحفظ شعري، فهم المستقبل وبالتالي يمكن القول إن نفاذ قصائدي عائد إلى اشتغالي عليه فنيا وأدبيا، فالقصيدة بالنسبة لي ليست خطابا سياسيا فقط بل يجب أن تتوفر على الشرط الأدبي والفني الذي يكسبها مكانة في العقول وفي القلوب أيضا، وعندما تقول "هذه قصيدة" يعني آليا فيها فن وإلاّ ما كانت لتعدّ قصيدة.
* هل كتبت في وقت من الأوقات بدافع تحريض الجماهير؟
- طبعا.. مثل قصيدة "شرفت يا نكسن بابا".. كانت طلقة وصرخة لابدّ أن تخرجها في زمنها، لكن الآن عندما تعيد سماعها فإنّك تستمتع بها لأن فيها خيطا يربطك بالدم المصري. فابن البلد بذكائه ليس مغفلا كي يكتب أدبا في خضم واقع سياسي يكون خاليا من الفن، لن يستطيع أن يعيش المرحلة ولا أن يسمعه الناس إذا خرج عن الإطار الفنّي. إنه شرط تصديق الآخرين له، فالناس تميل إلى تكذيب الكلام السياسي الصّرف.
* لكنك اشتهرت بأنك اقتصرت في كتابتك على المسألة الوطنية السياسية؟
- لا.. أنا لم أحصر أعمالي وكتاباتي في الوطنيات والسياسة، بل كتبت في جلّ المواضيع وكتبت بلا شرط ولا إطار. فالكتابة قبل كل شيء حريّة، فلي قصائد في العشق بل مطنبة في الغزل إلى درجة البذاءة، حتى أن أحدهم كان متعاطفا معي قال لي: أشعارك فيها بذاءة. فقلت له: بذاءة أكثر من بذاءة الواقع؟ فردّ: لا.
* المرأة هل هي نجمة في سماء نجم؟
- طبعا هي في مكان عال وفي العشق خصوصا. وأنّي أحبّ المرأة جدا، فالمرأة بالنسبة لي في الحياة مثل الهواء الذي أتنفسه والسماء التي أراها، يعني لابدّ أن أتنفسها شعرا، عندما نخاطب المرأة على اعتبارها نصفنا الآخر، لابدّ أن تخاطبها برقّة وقول خال من معاني العنف والشدّة التي توجد أحيانا في الشعر الوطني.
* عزّة.. لعلّها الحكاية الوحيدة التي لن تنتهي؟
- طبعا كل نسائي عزّات. فعزّة صورة كبيرة تحتوي جميع الصور، جميع النساء، هناك امرأة اسمها "جاذبيّة صدقي" وهي رسامة. وكانت هناك كاتبة قصص مصريّة.. كلهنّ عيّوش… كلهنّ جاذبية.. كلهنّ حواء.
* تعني " عزّة بلبع "؟
- عندي قصائد كثيرة فيها عزات متعددة. عزّة ليست واحدة بعينها.
* تعني ليست شخصا؟
- قلت لك أشخاص.. نساء متميزات، وعزّة هي النموذج أو هي المقياس وشبيهاتها كثيرات عندي.
* هل يمكن القول إن الشيخ إمام رحمه الله، احتكرك فلم نعد نسمع أغاني من كلماتك بعد الشيخ؟ وهل صار الملحّنون يخافون منك بعده؟
- لا والله. فالحقيقة التي قد تغيب عن البعض هي العكس تماما. فأنا من احتكر الشيخ إمام، فهو فنان عظيم وفعل ما يعجز عنه الآخرون. الشيخ إمام كان صديق ورفيق محنة وأزمات، فقير مثلي ومظلوم مثلي و" فاهم " مثلي. إنه مظلوم مثل المتنبي بقوله "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم".
* أنا سألتك عن الشيخ إمام ولم تطل الحديث حوله؟
- الشيخ إمام أعماله تتحدث عنه ومواقفه أيضا..
* بعد الشيخ إمام لم تتعامل مع فنان آخر؟
- لا، أنت تعرف شغل المسلسلات والاستوديوهات، عمار الشريعي، ياسر عبد الرحمن، لكن العلاقة ليست حميمة كما هو الحال مع الشيخ إمام.
* ماذا تعلمت من السجون، وهل تذكر سبب دخولك لأول مرة للسجن؟
- العالم سجن كبير في غياب العدل والحرية، السجن علمني أن الوطن كله سجن، السجن فيه قوانين وقيم، فيه الخطأ والصواب. في المجتمع الخارجي تموت القيم وتندلع التناقضات، في السجن أناس رافضين للواقع، متمردين، وكل واحد بأسلوبه الخاص، المثقف بأسلوبه، المدمن بأسلوبه، السارق بأسلوبه والمهرب بأسلوبه، السجن مجتمع له أصوله التي تُحترم. وبخصوص دخولي السجن لأول مرة فكانت بتهمة تزوير أوراق رسمية، كنت زمنها أشتغل في النقل الميكانيكي في العباسية وصادف أن أحببت بنت اسمها نوال وكنت أفكر في الزواج بها، وقتها لم أكن أملك شيئا، كان لي زميل في الشغل اقترح علي وضع ختم على استمارات صرف ملابس من محلات القطاع العام وزورنا هذه الأوراق. كانت المحصلة ثلاثين جنيه وكل عشرة جنيه كلفتنتي سنة، سجنت ثلاثة سنوات وكانت المرة الأولى التي سجنت بها، والمرة الأولى أيضا التي ألتقي فيها بالشيوعيين أمثال عبد الحكيم قاسم وسامي خشب وحسين شعلان.
* كانت أياما سهلة وقاسية بدأت بدار الأيتام، التقيت فيها بعبد الحليم حافظ، هل انقطعت علاقتكما بعدها، خاصة أنه لم تجمعكما أعمالا فنية؟
- الفترة التي قضيتها في دار الأيتام كانت قاسية ومؤلمة، كان عبد الحليم حافظ كذلك معي، عشرة سنوات قضيناها جنبا لجنب، كنت أنام على سرير رقم 95 وهو على سرير رقم 94 كان عبد الحليم طفل منكسر وكان يعاني من مشكل في ساقيه، كانت ساقه غير مستوية، وقع له حادث منذ كان عمره ستة سنوات، وقع عليه باب فأحدث له كسر في ظهره وساقه، وحتى مغادرته للملجأ كانت بسبب حادثة أيضا وقع من فوق سطح ومن المستشفى إلى القاهرة وإلى معهد الموسيقى. في دار الأيتام كنا نغني دائما، عبد الحليم كان يغني "حياتي إنت" وأنا أغني "ما دام بتحب بتنكر ليه"، لكن عندما خرجت كان عبد الحليم بدأ يشتهر وأنا كنت بدأت أكتب، عندما ذهبت إليه تصرف وكأنه لا يعرفني أبدا، رغم أن فترة غيابنا لم تتجاوز شهر.
* سنة 1967 بدأت مسيرتك السياسية والنضالية مع رفيق الدرب الشيخ إمام، وكان العمل الفني الأول المشترك بينكما عبارة عن رسالة؟
- نعم رسالة كتبتها يوم 9 يونيو 1967 وكنا نعتقد أن الجبهة المصرية لا تزال سليمة وواقفة وأن الرجال تقاتل على قناة السويس فكتبت هذه الرسالة:
واه يا عبد الودود..
يا رابض على الحدود ومحافظ على النظام..
كيفك يا واد صحيح؟ عسى الله تكون مليح وراقب للأمام..
أمك هتدعي ليك وهتسلم عليك وتقول بعد السلام خليك جدع لأبوك..
ليقولوا منين جابوك ويمسَّخوا الكلام..
واه يا عبد الودود..
أقول لك وأنت خابر كل القضية عاد..
ولسه دم خيَّك ما شرباش التراب..
حِسَّك عينك تزحزح يدَّك عن الزناد..
خليك يا عبده راصد لساعة الحساب..
آن الأوان يا ولدي ما عاد إلا المعاد..
تِنفَض الشركة واصل ويمزحوا الكلاب..
إن كنت وِلد أبوك تجيب لي ثأر أخوك..
والأهل يبلغوك جميعا السلام.
* كانت هزيمة عام 1967 قاسمة وقاسية وغير متوقعة خيبت كل الآمال والتوقعات، فاجعة أصابت الأمة العربية جمعاء، هزيمة عبد الناصر بكتها كل الشعوب، بكاء أحمد فؤاد نجم وسخطه صاغه شعرا؟
- الحمد لله خبَّطنا تحت بطاطنا
يا محلا راجعة ضباطنا من خط النار
يا أهل مصر المحمية بالحرامية
الفول كثير والطعمية والبر عمار
والعيشة معدن وأهي ماشية آخر آشية
ما دام جنابه والحاشية بكروش وكثار
هتقول لي سينا وما سيناش متدوشناش
ما ستمائة أوتوبيس ماشي شاحنين أنفار
إيه يعني لما يموت مليون
أو كل الكون
العمر أصلا مش مضمون والناس أعمار
إيه يعني في العقبة جِرينا ولاَّ في سينا
هي الهزيمة تنسِّينا إننا أحرار؟
إيه يعني شعب في ليل ظلم وضايع كله
ده كفاية بس لما تقوله إحنا الثوار
وكفاية أسيادنا البُعَدا عايشين سُعَدا
بفضل ناس تملى المعدة وتقول أشعار
أشعار تِمجِّد وِطمَاين حتى الخاين
وإن شاء الله يخربها مداين عبد الجبار.
* قصيدة " بقرة حاحا " كانت سببا لبداية نقمة السلطة عليك في عهد عبد الناصر وسببت لكما المتاعب، أنت والشيخ إمام، لكنك إلى الآن تكن الاحترام لعبد الناصر رغم أنك كنت شيوعيا وعبد الناصر سجن الكثير من الشيوعيين، كيف توفق بين حبك لعبد الناصر وبين انتمائك للشيوعيين؟
- أحببت عبد الناصر مثلما أحب عنترة، وعشقته كعشقي للمتنبي، كانت أمي تبكيه بحزن شديد، قلت لها تبكي على من اعتقل ابنك، قالت لي يا تافه "عمود الخيمة وقع يا حمار". بخصوص الشيوعية أنا لم أكن منظما يعني لم أنخرط في التنظيمات الشيوعية، كنت ممتلئ بالأفكار الشيوعية، ثم من وقف إلى جانب عبد الناصر بعد الهزيمة أليس الاتحاد السوفييتي. عبد الناصر هو بلال الذي أذِّن والدنيا ظلام وقال: حيّ على العروبة.. بعد موته بكثير كتبت له قصيدة كنت وقتها في سوريا:
السكة مفروشة تيجان الفل والنرجس
والقبة صهوة فرس عليها الخضر بيبرجس
والمشربية عرايس بتبكي والبُكا مشروع
مين ده اللي نايم وساكت والسُكات مسموع
سيدنا الحسين ولاَّ صلاح الدين ولاَّ النبي ولاَّ الإمام
دستور يا حراس المقام ولاَّ الكلام بالشكل ده ممنوع
أنا بأقول أنا مش ضليع في علوم الانضباط
أبويا كان مسلم صحيح وكان غبي
وكان يصلي على النبي عند الغضب والانبساط
أبويا كان فلاح تعيس في ليلة ظلمة خلِّفوه وفي خرقة سوده لفلفوه
وفي عيشة غبرة طلعوه ولصَّموه وطلسموه ودجِّنوه
وجهِّزوه وجوزوه على عماه
فكان مُحيَّر في هواه ما بين أمي وما بين الجاموسة
وكان يخاف يقتل ناموسة وكان خجول خجول
خجول لكنه كان دائما يقول أستغفر الله العظيم من باب الاحتياط
أبويا طلعتوه حمار فكان طبيعي يجيبني جحش
لا أعرف نبي من أجنبي ولا مين ما جاش ولا مين ما راحش
موسى نبي عيسى نبي محمد نبي وكل وقت وله آذان
وكل عصر وله نبي وإحنا نبينا كده من ضلعنا نابت
لا من سَماهم وقع ولا من نارها شابت ولا انخسف له القمر
ولا النجوم غابت أبوه صعيدي وفهم قام طلعه ضابط
ضبط على قدِّنا وعلى المزاج ضابط
فاجومي من جنسنا ما لوش مرا سابت
فلاح قليل الحيا إذا الكلاب عابت
ولا يطاطيش للعِدا مهما السهام صابت
عمل حاجات معجزة وحاجات كثير خابت
وعاش ومات وسطنا على طبعنا ثابت
وإن كان جرح قلبنا كل الجراح طابت
ولا يطلوه العِدا مهما الأمور جابت.
* سُجنت في عهد عبد الناصر وأيضا في عهد أنور السادات الذي كان رجل العبور قبل أن يقتله عبوره نحو الكنيست الإسرائيلي؟
- السادات كان صاحب مشاكل كثيرة، ويتكلم كثيرا، ويكذب أكثر. عندما كتبت القصيدة لم أذكر اسمه فيها لكني سجنت بسببها سنة كاملة:
هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان من القاهرة
ومن كردفان وسائر بلاد العرب واليابان ومن فنزويلا
وكان من إيران ومن أي دار أو بلد مستباحة للسياحة مع الأمريكان
هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان
نقدم إليكم بكل اللغات مسارح وسيما وجميع الفنون
صحافة ومنابر وتلفزيونات وخطباء في جوامع وجبنة وزتون
ودائما نلعلع في كل الحالات ولا حد سامع ولا يحزنون
وتسمع ما تسمع ده ما يهمناش لأن إحنا أصلا بناكل بلاش
فخليك في نفسك وما تخليناش نسلط عليك القلم واللسان
هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان
يَسُر الإذاعة وما يُسركوش بهذه المناسبة وما بندعيكوش
نقدم إليكم ولا تقرفوش شحاته المعسل بدون رتوش
شبندر سماسرة بلاد العمار
معمر جراسن للعب القمار وخارب مزارع وتاجر خضار
وعقبال أملتك أمير الجيوش ما تقدرش تنكر تقول ما أعرفوش
ما تقدرش أيضا تقول ما أسمعوش
شحاته المعسل حبيب القلوب يزيل البقع أو الهموم والكروب
يأنفد يبلبع حبوب ويفضل يهلفط ولا تفهموش.
* رجاء النقاش، يقول أنا أحب شعر أحمد فؤاد نجم ولكني لم أعد أحب شخصه لأنه يعض كل من وقف إلى جانبه؟
- لا.. أراد تسليمنا للسلطات.. أراد تسليمنا.. فأنا لن أنسى مشهد الشاعر العظيم الراحل محمود حسن إسماعيل عندما ذهبنا إلى مكتبه، عند خروجنا مسك رجاء النقاش من يده وقال له: يا أستاذ رجاء ناشدتك الله هذا شاعر.. ناشدتك الله هذا شاعر.. ناشدتك الله هذا شاعر، قالها ثلاث مرات، أنا لم أفهمها حينها، لأن رجاء النقاش كان في التنظيم الطليعي. بعدها مباشرة قبضوا علينا، عدلي رزق الله يقول له: قبضوا على الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، قال له: لا هذه قضية أخلاقية…
* هل كتبت ممنوع من السفر لأنهم فعلا منعوك منه، أم هي حكاية أخرى؟
- نعم.. منعنا من السفر وصلتنا دعوة من وزير الثقافة الفرنسي جاك لونغ أنا وإمام، في المطار قالوا لنا أنتم ممنوعين من السفر، قلت له من الذي منعنا؟ قال لي المدعي العام الاشتراكي. أذكر جواب إمام لما قال لهم: "غريبة إحنا المفروض اللي يمنعنا المدعي العام الرأسمالي "؟. فكتبت:
ممنوع من السفر ممنوع من الغناء ممنوع من الكلام ممنوع من الاستياء ممنوع من الابتسام..
وكل يوم في حبِّك تزيد الممنوعات وكل يوم بأحبك أكثر من اللي فات..
حبيبتي يا مدينة..
حبيبتي يا سفينة متشوقة وحزينة.. متشوقة وسجينة..
مخبر في كل عقدة..عسكر في كل ميناء
يمنعني لو أغيب عليك أو أطير إليكِ
وأستجير بحضنكِ أو أنام في حجرك الوسيع
وقلبكِ الرضيع أعود كما الرضيع بحرقة الفطام..
حبيبتي يا مدينة متزوقة وحزينة في كل حارة حسرة وفي كل قصر زينة..
ممنوع من إني أصبح بعشقكِ أو أبات..
ممنوع من المناقشة ممنوع من السكات..
وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات وكل يوم بأحبك أكثر من اللي فات..
* يقال أن خلافا حدث بينك وبين الشيخ إمام، في فترة من الفترات، هل هذا صحيح؟
- نعم.. نعم صحيح.. حين كنا في باريس بدا يتصرف على أساس إنه عبد الوهاب، قلت له لا أنت جزمتك بعبد الوهاب، لكن وأنت هكذا، لكن عندما ترجع عند عبد الوهاب في حيه، لن تكون شيئا، بعدها قال لي: هل هو جواز نصارى؟ قلت له لا أبدا، قال لي لا أنا أريد أن أستريح، قلت له حقك يا حبيبي، لكن إياك يا إمام تسعى لمهاجمة تجربتنا، وفي باريس عمل على شتمي وإهانتي بطريقة سيئة، قال عني أنه لا يعرف شخصا بهذا الاسم، عرضوا علي الكثير من الشعراء قصائدهم وقد يكون هو من ضمنهم، أنا لا أعرف شخصا اسمه أحمد فؤاد نجم، انظر إلى أين أوصلوه، هو كان رجل طيب.
* من كان السبب؟
- اتصل بي ياسر عرفات في باريس من تونس، وقال لي: لماذا لا تستجموا عندي قليلا؟ قلت له: لا.. لم نسافر للاستجمام يا أبو عمار هذه فرصنا لنشتغل، فقال لي: وأنا أليس لي حق فيكم، قلت له: لك حق لكن يا أبو عمار من خمسة وعشرين سنة وأنت تزور مصر في ضيافة وزير الداخلية، الذي كان معتقلنا، لما لم تسأله عن هذا الحق؟ وفي الأخير خاطبني كرئيس وقال: أفهم من هذا أنك ترفض دعوتي؟ قلت له: افهمها كما تريد بالسلامة. بعدها كنا في الفندق وعندما أفقت لم أجد الشيخ إمام، قالوا لي سافر إلى تونس، وأنت أيضا انتهت إقامتك.. أنقذني الكاتب الطاهر وطار وطالب وزير الإعلام الجزائري أن يساعدني، وغادرت إلى الشام. ما حدث حدث.. وجعي من إمام لأني أحبه، ليس فقط أحبه بل هو جزء مني وأنا جزء منه،كان قاسي جدا، تجربتنا ستعيش وهي موجودة بين أيدي الناس.
* بعض الكتاب العرب اختاروا منافيهم، لكنّك اخترت أن تظلّ – إن صح التعبير - في منفاك الأم؟
- من موقعي أستمدّ بقائي وأهميتي وقوّتي، فما فرطت في مكاني لأسباب أعتبرها واهية، فرسالة الشعر تملي على الشاعر أن يحافظ أوّلا على مكانه، في وطنه وفاء له ولنفسه. ومنفى الوطن مهما كان أجمل من المنافي الأخرى.
* لم تُتم لي رحلتك من احتكارك الموسيقي للشيخ إمام إلى زياد الرحباني الذي لحن لك مؤخرا؟
- زياد الرحباني.. أتمنّى أن أكون فعلا كذلك، فهو "حبيبي" أو ابني رغم المسافة التي بيننا وأتمنى أن يأتي إلى مصر ويبقى معي سنة "حنكسّر الدنيا".
* زياد الرحباني قال:أحمد فؤاد نجم أبي؟
- نعم هو قال هكذا، لكن أبوتي مؤلمة بعض الشيء، خاصة في زمن كهذا. والمرأة التي ولدته هي السيدة فيروز وهي ستّ الكلّ، يحبّها كل الرجال.
* أحمد فؤاد نجم.. هل يؤمن بشاعرية جيله؟
- طبيعي جدّا، فلست أنا الوحيد، فحتى ذلك الذي يبيع شعره ويبيع موهبته أو يؤجرها لا يعني أنه ليس بشاعر. هل تستطيع أن تقول مثلا إن عبد الرحمن الأبنودي ليس شاعرا، إنه شاعر كبير، لكنه سلك طريقا أخرى اختارها أو فرضت عليه.
* من مثلا من هذه الأسماء؟
- ذكرت لك عبد الرحمن الأبنودي. ولا أريد ذكر المزيد، تفاديا للمشاكل وغضب البعض، خاصة الأحياء منهم. المهم أقول للأجيال الجديدة والموهوبين منهم: موهبتكم أمانة عندكم وليس من حقكم بيعها فهي ملك الناس وليست ملكا لكم، فالشاعر الحقيقي لا يملك نفسه مائة بالمائة.
* هل حدث أن تعثرت أو تلعثمت في سيرك العاطفي؟
- لا فأنا كثير الحديث ومحبّ للكلام وحاذق له، فكيف أتعثر أو أتلعثم. وفرضا أني تعثرت فلا أشعر بالخوف فليس لي ما أخاف عليه.
* يعني ليس لك ذكرى عاطفية فاشلة؟
- قد تستغرب عندما أخبرك أن كل تجاربي العاطفية فاشلة. وهذا قدر الشعراء، فأغلبهم تجاربهم العاطفية فاشلة لأنهم فقط شعراء. أي لهم فائض من العواطف يساوي فائض المواقف.
* المرأة هل تستهلكها أم تستلهمها؟
- أستلهمها طبعا، فالمرأة من النعم الجميلة والمقدسة. الأم مثلا هل تستهلكها؟ وهي أكبر نعمة في هذا الوجود، سواء عند البشر أو عند القطط أو عند الكلاب.
* اعترفت بأن كل تجاربك العاطفية فاشلة، أي تجربة تتصور أنك خسرتها في يوم من الأيام؟
- كل التجارب خسرتها، خسرت كل النساء.
* هل تفرح بخسارة النساء وربح الشعر؟
- لا يفرح الإنسان بالخسارة، لكن ما باليد حيلة. وذلك هو الجزء الأهم من عذاب الشاعر في الأرض. فهو مجبول بالخسارة، بل أحيانا تشكل الخسارة نمط حياته، حتى أنه يتعود على ذلك فيصاب بالصدمة إذا ما حقق ربحا من كثرة ما لا يعرفه.
* هل ثمة أوطان قادرة على تغيير حياة الكاتب للأبد؟
- الأوطان لا تغير حياة الكتّاب، فالكاتب وحده المسؤول عن تغيير حياته أو حتى تغيير حياة الآخرين. وطني لا يجعلني أغير حياتي بل أنا وحدي من أقرّر تغيير حياتي، والشاعر الحقيقي هو الذي يملك قرار مصيره ومسيره.
* الثقة بالذات هل هي ضرورية لهذا الحد؟
- نعم لا بد للكاتب أن يثق بذاته حين يشتغل على أدبه. إن ما يقدمه للناس من إبداع هو الذي يمكن أن يغير حياته. فالكاتب الذي لا يملك ثقته بنفسه هو عديم الموهبة من الأصل، والكاتب الذي لا يستطيع أن يملك قرار تغيير حياته كيف يملك قرار تغيير حياة الناس بأدبه.
* هل ثمة كتب قادرة على تغيير حياة الكاتب؟ أي كتاب قرأته غيّر حياتك أو جزء منها؟
- نعم هناك كتب وأدباء وفنون تغيّر حياة الكاتب. فأنا عندما قرأت رواية "الأم" لمكسيم غوركي أحسست أنني "بني آدم"، ثم كذلك عندما قرأت بيرم التونسي وعندما تطلعت إلى رسوم حجازي. العظماء في الفن والأدب والعلم أحيانا هم من يغيّروا الكاتب.
* ما هي أكثر محطّة أثارتك في حياتك واستفزّتك بشكل مباشر؟
- هزيمة يونيو1967 تلك الهزيمة المهينة. إنها هزيمة مرّة. فقد كنّا محلّقين في السماء ملتفين حول قائدنا ولكن فجعنا بالهزيمة وأثرت فيّ كثيرا مثلما أثّرت في جميع المصريين وعموم العرب… في لحظات ضاع كل شيء ومنينا بهزيمة نكراء.
* هل يحتاج الكاتب إلى تبادل الأدوار - في وقت من الأوقات - إلى تبادل الأدوار مع الحرية، المفترضة في أوطاننا لإنشاء الكون الشعري؟
- مرة صرّحت في التلفزة الفرنسية: أنتم عندكم كثير من الحرية فأعطونا قليلا، فنحن لا نعرفها وليس لنا منها ولو ذرّة، فيظهر نجيب محفوظ ويظهر محمود درويش ويظهر عندنا شعراء وكتاب عظام، فلماذا لا تعيرونا قليلا من الحرية؟
* هل يمكن أن نراهن على بطل عربي من جنس الأدب؟
- هذا هو الذي يجب أن يكون في الواقع لا أن نستشرفه عبر الأحلام الوردية والأمنيات السريالية. يمكن أن تتعثّر ولادته لكن الجيل القادم سيخلق ويبدع هذا النص البطل، فالمراهنة الآن على الشباب مستقبل هذه الأمة والظروف سانحة له ليتحمّل هذه المسؤولية.
* هل تعتقد في وجود قطيعة بين الجيل السابق والجيل اللاحق؟
- هكذا دائما، وأنا أحمّل الجيل السابق المسؤولية. فعندما يصرح الجيل الجديد بأن الجيل الذي سبقه لا يعجبه، فهو محقّ لأن الجيل السابق لم يحتضنه كما يجب ولم يحنُ عليه. نحن في قطيعة أو نعيش قطيعة الأجيال، فالمبدعون العرب لم يتواصلوا زمنيا ومرحليا كما يجب، فالأجيال تعاني من التباعد فيما بينها.
* في بدايتك من أخذ بيدك؟
- بالنسبة لي أخذت بيد نفسي. فقط تأثير ما قرأت وتأثير اهتماماتي وشواغلي هو الذي صنعني.
* أليس ثمة شاعر احتضنك شخصيا؟
-لم يحتضني أحد فرائحتي كانت كريهة تمنع أيا كان من الاقتراب مني وتحيتي من بعيد بحذر، وذلك نتيجة اختياراتي وميولاتي التي لا تروق لهم، " رحتي وحشه ".
* تجربتك التلفزية الأخيرة كيف كان أثرها على الناس؟ وكيف تعاملت معها؟
- تقصد البرنامج الذي أقدمه في قناة "دريم"، فهو الشغل الموازي للتلفزة. نحن نمتلك أداة لنتكلم على سيد درويش وطلعت حرب بكل بساطة حيث لا يحسّ الناس بأن هناك جدارا بينك وبينهم لأنّك بكلّ بساطة أنت معهم.
* أحمد فؤاد نجم كيف تفسر عشقك للمتنبي رغم اختلافك التام معه؟
- وأنا في التلفزة الفرنسية خلال حوار صوّروه في 55 دقيقة، وهذا كثير على أي ضيف، سألني المذيع السؤال البدائي: ما رأيك في باريس؟ فقلت: بشعة. فقال بعد هذا الردّ: نسيت أن أقدّم لكم أحمد فؤاد نجم، إنّه هجّاء العرب المعاصر. فقلت له: شكرا، لأنّك رفعتني إلى الأعلى فأنا مثل جرير أو المتنبي، طبعا لا. فقال لي: أنت تهجو فقط. فقلت له: أنا وصفتها فقط مثلما سألتني فقلت لك بشعة، وأنتم جعلتم من باريس سعادة للآخرين فهيا احمل معي الكاميرا وننزل إلى الشارع، فلن نجد باريسيا واحدا سعيدا، وإذا وجدت فعلا فإنك تكسب الرهان. وقلت له أيضا: إنّا لنا من الهجاء لكم ما يملأ البحار. فقال لي: من نحن؟ قلت له: أنتم لصوص الحضارة، لصوص التاريخ، لصوص الثروات الطبيعية. ثم رددت عليه أيضا بهذين البيتين: رماني الدّهر بالأرزاء حتى/ فؤادي في غشاء من نبال/ فصرت إذا أصابتني سهام/ تكسّرت النّصال على النصال. فقال: الله هذا شعرك؟ فقلت له: أنت قدمتني وقلت إن الذي يقدم هذا الرجل يجب أن يكون على قدر كبير من الثقافة الرسمية والشعبيّة. ثم قلت له: هذا المتنبي. ما وضعه عندكم؟ فقال: كل لغة فيها ثلث لغة المتنبي. فهو ربّ الشعر عندنا.
* هل تعتقد أن المتنبي أفضل شاعر في التاريخ؟
- نعم. هو أشعر بني البشر على الإطلاق. أنا قرأت كل شعراء اللغات الأخرى: بابلو نيرودا، ناظم حكمت، لويس أراغون… الخ وقرأت القديم والحديث، طبعا لم أقرأ كل شيء لكن لم أجد من يضاهي المتنبي.
* بعد أن سقطت كل الأقنعة لماذا تظل لغتك ممنوعة في بعض الدول العربية؟
- إحدى المذيعات سألتني: ما رأيك أنه في موسوعة "عظماء مصر" أنت لست موجودا؟ فقلت لها بوضوح: يعني أن الموسوعة ناقصة لأن أحمد فؤاد نجم ليست مهمته الشتم ثم يمضي، ومشروعي الشعري الذي أنجزته ووهبته عمري سيظل مفخرة لمن بعدي. وقد لمست هذا في أرض الواقع عند جلّ الشباب العربي أينما ذهبت، فالموسوعة إذن ناقصة ومن أعدّها ناقص. أنا بصراحة أقول إن الشعر كلّه ممنوع في الوطن العربي. الفن الحقيقي ممنوع. فنحن في زمن روبي ونانسي وشعبان عبد الرحيم، أليس هذا زمننا وواقعنا؟ أليس هؤلاء هم الرموز الآن؟ فكيف ستتكلم عن الشعر في أمة هؤلاء رموزها؟
* ما هي حجة بعض الأنظمة التي تمنعك من الدخول وقراءة الشعر؟
- يعتبرون لساني سليط وأجيد الشتم بلا سبب.. رغم أن الأسباب جلية حتى للإنسان العادي فما بالك للشاعر.
* بعد ترشحك للرئاسة في مصر، وانقطاعك عن الكتابة لفترة طويلة، أعتقد أنك كتبت قصيدة بمناسبة خطبة ابن الرئيس؟
- مبروك يا عريسنا يا أبو شنة ورنة..
يا وآخذنا وراثة أطلب وأتمنى..
وأخرج من جنة أدخل على جنة..
مش فارقة معانا ولا هرية بَدَنَّا ولا واجعة قلوبنا..
يا عريس الدولة أفرح وإتهنى..
ما أحناش كرهينك لكن هرشينك..
هتكمل دينك وطلع دينَّا.
* في خصوص علاقتك مع دور النشر، ألا ترى أن دور النشر تستغل نجومية أحمد فؤاد نجم؟
- هم يطبعون شعري ويوزعون كتبي، هكذا بكل بساطة وأنا مرتاح. هذا الشعر أليس هو الذي بسببه دخلت السجون، وكان أي واحد يضبطونه ومعه قصيدتي كانوا يسجنونه. فمن ينشر شعري أشكره ولو أملك مالا لأعطيته.
* يعني لا تخالف في حقوقك مع دور نشر؟
- أية حقوق، يكفي أن أفطر وأتغدّى وأتعشّى، أنا لا أحتاج إلى شيء آخر، ولا ينقصني شيء.
* ابن جنّي كان يشرح قصائد المتنبي رغم أنه يكتب الشعر، لكنه لم يقرأه أمام المتنبي طيلة عشرين سنة؟؟
- كيف سيقرأ شعره في حضرة المتنبي، حينما يذكر شعره مثلا، فلا يجرأ على ذلك: كيف يقول بعده وهو القائل: " أنا من نظر الأعمى إلى أدبي / وأسمعت كلماتي من به صمم" وهو القائل أيضا: "وما الدّهر إلا من رواة قصائدي / إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا "، وهو القائل أيضا: " أغاية الدين أن تحفوا شواربكم / يا أمة ضحكت من جهلها الأمم".
* أستاذ أحمد قصيدتك حول حسن نصر الله ألا تعتقد أنها محاولة لحطّ الرحال في أول انتصار عربي انتظرته طويلا؟
- أنا كتبت غنوة صغيرة، بس لسّه قصيدة نصر الله جوّايا ولازم تطلع. نعم شفت حسن نصر الله؟ ليه الوطن كلّوا معاديه؟ اللي عاوزين يقتلوه العرب موش اليهود.
* ما رأيك في من صرّح بأنها بطولة وهمية؟
- جاسوس أو مـ…. أو حاجه كده.
* جميلة بوحيرد مرة قالت لك " أنا أؤمن بالقنبلة وأنت تؤمن بالكلمة، لذلك لن نتقابل؟؟
- قلت لها أعمل معك حوارا.، قالت لي مستحيل أننا نقعد مع بعضنا، سألتها: لماذا؟ قالت لي أنت تؤمن بالقلم والورقة، وأنا أؤمن بالقنبلة، أجبتها: أنت مجنونة يا جميلة. قالت لي: وأنت مجنون، أليس كذلك؟ قلت لها: آ، كذلك. فقالت: المجد للمجانين في هذا العالم البليد.
* هل صارت القنبلة هي اللغة الدارجة الآن؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الشعر | السمات:عالم الشعر
دوّن الإدراج
























