حوار مع محمد أركون

كتبهاعتبات/ seuils ، في 7 يونيو 2007 الساعة: 19:01 م

 أركون ونقد الاستشراق

 

محمود عزب

باريس فى 4 أكتوبر 2006

 مدخل

كان الاستشراق دائماَ مثار جدل فى الماضى والحاضر. ومازالت رموزه مثار دراسات، لم تكن فى اغلبها علمية أو على درجة كافية من الموضوعية.

ذلك فى الغالب لأن العرب والمسلمين من جانبهم حين يحاولون دراسة الاستشراق والمستشرقين، يقع أكثرهم فى فخاخ المشاعر والعواطف… فقد شاع ربط الاستشراق بالاستعمار، فأصبح ذا سمعة ليست بالحسنة، حتى أن الكثيرين ممن كانوا يسمون مستشرقين أصبحوا يتوجسون من هذه التسمية، ويفضلون أن يدُعَوا مستعربين Arabisants أو علماء إسلاميات Islanologues

وليس معنى ذلك أن كل من كتبوا عن الاستشراق والمستشرقين، من الباحثين العرب والمسلمين، كانوا أسرى العاطفة والذاتية.. كما أن الاستشراق لم تكن كل رموزه قاتمة أو منحازة فى بحوثها وآرائها….

ومعنا الآن خلال هذه الدراسة القصيرة واحد من كبار علماء الإسلاميات فى أكبر جامعة من جامعات فرنسا وأوروبا كلها.. تعلم فيها، ثم عاش حياته أستاذاً لتاريخ الفكر الاسلامى بها – هو محمد أركون.

وقد ولد ونشأ فى بلد ذي ثقافة عربية إسلامية هو الجزائر، وبدأ حياته الدراسية هناك فى جامعات يقوم بالتدريس فيها أساتذة فرنسيون، فى الجزائر المستعمرة التى كانت تدعى الجزائر الفرنسية، كان على وعي ببدايات تكوينه فى هذا الجو قبل أن يأتى إلى فرنسا نفسها لاستكمال دراساته.

إنه تعود منذ بدايات حياته الدراسية والعقلية على تخطى الحدود… هكذا وصفه الأستاذ شتيفانى فيلد فى برلين سنة 2003 إلا أن منحه جائزة ابن رشد للفكر الحر لسنة 2003.

يقول الأستاذ فيلد:

"ربما كانت أفضل طريقة لوصف حياة ونشاطات محمد أركون هى القول بأنها دائماً تتخطى الحدود. فالحد الأول هو مسقط رأسه. ولد أركون سنة 1928 فى الجزائر من أصل بربرى. وقد تخطى الحدود الجغرافية عندما ذهب للدراسة الجامعية، حيث قطع البحر المتوسط من الجزائر إلى باريس للدراسة فى السوربون. ثم تجنس بالجنسية الفرنسية، بذلك يكون قد تخطى الحدود اللغوية، ثم الحدود الثقافية السياسية.  وكل تخط لأى حدود هو تعب ووداع، وحزن، وبنفس الوقت هو انطلاق جديد، ثم فرصة…. ثم فى عام 1968أركون أستاذاً لتاريخ الفكر الإسلامى والفلسفة فى السوربون".

وإشكالية هذا البحيث، هى، السؤال التالى:

"ماذا عندما يكون ناقد المستشرقين جامعاً هذه التركيبة كونه بربرياً، عربياً مسلماً، مزدوج اللغة أو متعدد اللغات يرى المستشرقين منذ سنواته الجامعية الأولى، ويدرس بمناهجهم ويكمل معهم فى بلادهم، ويدرس وينتج بلغتهم؟

لم تثر شخصية من بين علماء الإسلاميات فى جامعات الغرب ما تثيره شخصية محمد أركون. غزير الإنتاج كتباً ومقالات ومحاضرات، مدعُو ومحاضر فى أوروبا وأمريكا وكل قارات العالم تقريباً. هو موضع ثقة أكثر الباحثين فى العالم، بل وموضع ثقة أكثر المسئولين وكبار رجالات السياسة..

كانت ثمة محاولات دائمة لتصنيفه، هل هو مستشرق أم باحث مسلم؟

وكانت الإجابة أو محاولات الإجابة عن هذا السؤال مثار جدل كبير، واختلافات فى الشرق والغرب، أما فى الشرق، أى فى البلاد العربية والإسلامية، فكانوا يضعونه أحيانا فى صفوف المستشرقين، أليس بنقد الإسلام وعلومه بمناهج شبه حاسمة، أبعد ما تكون عن التمجيد والتقديس"؟

وأما فى الغرب فهم يرونه يكتب بشكل مختلف عن إشكاليات العقل الإسلامى، ويستحضر النصوص الأصلية دائماً، ثم انه دأب منذ رسالته للدكتوراه فى جامعة السوربون على نقد للعقل الاستشراقى..

كان لصعوبة لغته، وخصوية مفرداته، ومنحوتاته واصطلاحاته الجديدة غير المتعارف عليها، دور   فى عدم سهولة فهم مايكتب وكان كثيراً مايتصف، أو يوصف بالغموض فى الشرق والغرب كذلك وكان نادراً مايترجم للعربية، ونادراً ماتكون الترجمة واضحة سهلة مفهومة، حتى اختص بترجمته باحث عربى جاد هو هاشم صالح الذى يحاول كثيراً أن يفسر ويحلل كثيراً من العبارات والأفكار الأركونية فى هوامش الكتب ليساعد القارئ العربى على استيعاب لغة أركون.و لهذا فإن تأثيره فى جامعات البلاد العربية، مازال فى دور التنامى ويسير بشكل بطئ.. وإن كان له حواريون، وأنصار متزايدون.

هو يختلف إذن عن الباحثين العرب والمسلمين حتى أولئك الذين درسوا مثله فى باريس وفى السوربون. وأدى ذلك إلى اعتبار بعضهم إياه مستشرقاً…

وهو يختلف كذلك عن الباحثين الغربيين فى علوم الإسلام اختلافاً كبيراً فى المنهج وغير المنهج وكثير منهم لذلك لايعتبره مستشرقاً.

ثم إن هؤلاء وأولئك قد يقولون أو يقول كثير منهم إنه خرج على تقاليد المستشرقين منذ عهد ليس بالبعيد..

وكون الرجل مازال حياً يرزق، ومازال ناطقاً كاتباً باحثاً ومحاضراً ومتداخلاً كثير التداخل ذات اليمين وذات الشمال، قد يجعل ذلك من محاولة تحديد موقعه، أي كونه مستشرقاً أو غير مستشرق أمراً سهلاً فى نظر البعض، إذ يستطيع أن يرد وأن يتدخل، وأن يصحح وأن يؤكد، وهو ما يحدث كثيراً، ولكنه من ناحية أخرى قد يكون صعباً، فالظاهرة حية متحركة، وهو لم يضع قلمه بعد، بل مازال مستمراً فى طرح مشروعه الكبير "الإسلاميات التطبيقية" ومازال ينتج مصطلحاته وينحت قاموس مفرداته أو مفردات قاموسه.

وتستمر الصعوبات لدى ناطقى الفرنسية ولدى ناطقى العربية. ولكن هل يعتبر أركون نفسه مستشرقاً؟ وما أهمية ذلك؟.

§       كيف يقدم أركون نفسه؟

فى حوار مباشر مع الكاتب الصحفى أحمد الشيخ. وفى كتاب بعنوان "حوار الاستشراق (صادر عن المركز العربى للدراسات الغربية .. والذى يضع الحوار مع أركون ضمن عشرين من أسماء كبار المستشرقين المعروفين. يقول احمد الشيخ فى ص 63:

"فى إطار حواري مع المستشرقين الفرنسيين توجهت للبروفيسور محمد أركون، وهو من أصل جزائرى، وسألته كيف يفسر واقع أن البعض يعدونه ضمن المستشرقين كجان بيير برونسيل هوجوز " فى مقال نشر فى صحيفة "لوموند" الفرنسية، وأن البعض يضعونه بأنه من الأصوليين، مثل أوليفييه كاريه" فى كتابه الأخير "سيد قطب: قراءة ثورية للقرآن"، والبعض الآخر يصنفون كتاباته خارج الحقل الإسلامى"

"طرحت هذه الاختلافات على البروفيسور أركون، وطلبت منه أن يحدد لنا موقفه من حركة الاستشراق فأجاب:

" أود أن ألاحظ إن الذين يظنون أننى أكتب عن الاستشراق والمستشرقين. لم يطلعوا على جميع الكتب التى نشرتها حتى الآن. كان كتابى الأول  - وهو أطروحتى – يعالج ماأسميته الإنسية فى القرن الرابع الهجرى، وهو كتاب يدرس جوهر الثقافة العربية، فى فترة محدودة، تعتبر من أهم الفترات التى يمكن دراستها اليوم فى تاريخ الفكر العربى، واعتمدت على نصوص لمفكرين مسلمين، وحاولت فى هذه الدراسة التى كتبتها فى الستينات أن أرد على مناهج المستشرقين، فى دراسة الفلسفة العربية، وفى دراسة الفكر الإسلامى بصفة عامة، وموقفى مما يخص جميع الثقافة العربية الإسلامية هو موقف جزائرى تربى فى الجزائر وتكون فى الجزائر فى عهد الاستعمار، حيث كان فى نفسى مثل زملائى فى هذا الوقت، رد فعل ضد الضعف الذى كنا نتألم منه فى الجامعة الجزائرية التى يدرس فيها الفرنسيون، وكان المناخ السائد هو مناخ استعمار، وكنا نريد أن نرد على هذا الوضع وأن نتحرر منه، وهذا الشعور يطبع جميع ما كتبته انطلاقاً من الخبرة الجزائرية فى الخمسينيات، التى كانت تتصف بهذا الاضطرام الثقافى والفكرى، بين الشخصية الجزائرية، وأهداف التحرير الجزائرية، وبين الفكر الذى كان ينتقل إلينا عن طريق الثقافة الفرنسية إلا أننى كباحث لا أتكلم  عن هذا الأمر بصورة مباشرة، لكن الذى يقرأ يتمعن ماكتبته وما أكتبه يمكنه أن يجد فى  مقاصدى واتجاهاتي هذا الاستلهام المتصل بهذه الخبرة التى عشناها فى عهد  الاستعمار".

إنه فى هذا يكاد يشبه أكثر الطلاب العرب الذين تكونوا فى جامعات فرنسا… وهمومه تشبه هموم حوارهم مع جامعاتهم وأساتذتهم.. كان يكافح المستشرقين والجامعة كفاحاً إيديولوجيا، وعندما جاء إلى فرنسا للدراسات العليا رأى الاستشراق من قرب آخر، يقول:

"هذا ما اكتشفته هنا فى باريس، ولازلت أكافح ضده، لكن هذا الكفاح هو كفاح منهجى ومعرفى وليس بكفاح إيديولوجى"

ولكنه فى الوقت ذاته يدعو إلى:

"ضرورة تغيير المناهج التى يتبناها الباحثون المسلمون عن الفكر الإسلامى، والمسائل الإسلامية"

وهو ربما يخشَّى أن يحسب طرف من الطرفين وكأنه انحاز للآخر ولذا نراه يؤكد فى وضوح:

"… لذلك أنقد نقداً حاسماً مواقف المستشرقين الذين يقفون بعيداً عن المناهج الحديثة" وانتقد أيضاً المسلمين الذين يرفضون هذه المناهج الحديثة لأنها غربية.. مامعنى هذا الكلام، هل هناك عقل خاص بالغرب وعقل خاص بالعرب والمسلمين؟  نحن بشر وجميع مسائل المعرفة متعلقة بالإدراك، وعلى هذا الأساس النفسانى الجذرى، ينبغى علينا أن ننتقد المعرفة، أن ننتقد جميع ماينتجه العقل البشرى أنىَّ كان فى جميع الثقافات.. وجميع التجارب، بغض النظر عن كونه يابانيا أو أفريقيا، أو عربيا أو مسلماً".

§       نقد الاستشراق:

أما من داخله فنقده قليل، ونادراً مايتسلط النقد على أعماق الاستشراق ذاته، على مناهجه، وأصوله… وأما من خارجه أى عند العرب والمسلمين خصوصاًُ فالقضية معقدة ولايسهل الحكم فيها أو عليها بتسرع ولابحسم..

وإذا أخذنا نقطة بداية محددة، ولتكن بدايات عصر نهضة العرب والمسلمين، ولنقل منذ بدايات التواصل خلال نشأة الجامعات العربية، غير الدينية بدأ الحديث عن الاستشراق والمستشرقين، بل قبل ذلك بما يشبه القرن، منذ حوارات الطهطاوى، مع  دو ساسى ورفاقه… أما بداية الاحتكاك المادى الحقيقى فكانت تقريبا مع الجامعة المصرية، التى صارت فيما بعد جامعة القاهرة.. (بعد تمهيد الأفغانى ومحمد عبده اللذين كانا على اتصال مباشر ببعض رموز الاستشراق). لقد استدعت الجامعة المصرية عدداً من المستشرقين من أوروبا الغربية، للتدريس بها … وهم أولئك المتخصصون فى العربية والإسلام وعلومهما…

ومازالت أسماء كارلو ناللينو أستاذ تاريخ الأدب العربى حتى العصر الأموى، وسنتلانا أستاذ تاريخ الفلسفة الإسلامية وتاريخ الترجمة،  وميلونى الذى كان يدرس تاريخ الشرق القديم/ وإنُّو ليتمان الذى كان يتحدث عن اللغات السامية،  وبدأ بعد ذلك حديث يقدر لهؤلاء وغيرهم حسن جهودهم فى دراسة التراث العربى الاسلامى وتحقيقه ونشر أكثره، وفى الوقت ذاته بدأ الحديث عن بعض المواقف الاستشراقية الإيديولوجية والأحكام المسبقة.

وتتابعت الدراسات الناقدة للاستشراق بشكل أو بآخر، والمكتبة العربية غنية نسبياً، ومن الناحية الكمية بالدراسات التى تنقد الاستشراق والمستشرقين، بمنهجية أحياناً، وبعاطفية وإيديولوجية كثيراً.

ثم جاء إدوار سعيد، وفتح باباً جديداً، يتبنى كثيراً من التحليل التاريخى والأدبى والنفسى، ويبحث عن كثير من موضوعية، وأجبر الباحثين فى الشرق والغرب على السواء وكثيراً من المستشرقين أنفسهم على قراءته ومناقشته واحترامه.

 فأين أركون ونقده الاستشراق من ذلك كله؟ أين هو بمكوناته الغزيرة المتعددة والمعقدة والمتراكبة، وقدرته الفائقة على تخطى الحدود، وعبور الزمان والمكان؟ أين هو من نقد الاستشراق والمستشرقين، وهو الذى يتميز بمعاشرة واقتراب فائق النظير؛ وهو يكاد يشكل وحده فى ذلك نموذجاً شبه فريد، وشكلاً ولوناً خاصة فى تكوينه، وفى منهجيته، وفى إنتاجه؟

§       أركون ونقد الاستشراق:

أنه حسب كلامه هو، قد انتقل من الجانب الوطنى، جانب الشخصية الجزائرية وأهداف التحرير الجزائرية، جانب مشوب بالإيديولوجية، وهو أمر مفهوم إلى جانب واع مثقل بالخبرة:

"عندما انتقلت إلى باريس، درست فيها، اتسعت خبرتى النفسانية والثقافية واكتشفت أن مانطلق عليه "الاستشراق" فى حقيقته حركة علمية هامشية"

وهو تعبير على حد علمنا لم يُسبَق إليه محمد أركون.

ولاجتماع عوامل عدة – فى رأينا كذلك – سيبدو نقد أركون للاستشراق وكأنه نقد داخلى، وكأنه آت من أعماق الاستشراق ذاته… يراه من داخله، وينقده فى سياقه الجغرافى والتاريخى والفكرى.

ويمتاز أركون فى نقده هذا بالتوجه مباشرة إلى أصول الاستشراق إلى أعماقه ومنهجيته، فهل هو بذلك، وبكل معطياته الخاصة فى تكونه وتطوره منخرطاً فى خط توجه بدأ على استحياء يدعو إلى مايسمى بعلم الاستقراب – دراسة الغرب وثقافاته وعلومه دراسة نقدية تحليلية فى موازاة الاستشراق.."

ولكن أركون ليس أتيا من خارج الاستشراق تماماً، لاجغرافياً ولا منهجياً. ثم إن "مشروع الاستقراب " هذا مازال فى أطواره الأولى… بل مازال مشروعاً يبحث عن إطار ومناهج وأدوات .. مازال متردداً ومحاطاً بأسئلة صعبة تنقد الفكرة ذاتها.

فنقد الاستشراق لن يكون بالضرورة استغراباً.. فالأول يتوجه إلى حقل دراسات بعينه رموزه معروفة ومناهجه مطروحة منذ زمان أما الآخر .. الاستغراب فيحاول التوجه إلى الغرب وثقافاته كلها.. وهو عالم شبه  هلامى أو واسع فضفاض.

هل يكشف أركون فى دراساته عن جديد من قصور فى الاستشراق وهو ينقده برؤية جديدة من داخله، ويضيف إليه أساساً كان الاستشراق يفتقده حتى صرح به أركون؟

وحيث يقول بأن الاستشراق حركة علمية هشه أو هامشية فهو لايوجه اتهاماً جغرافيا، ويتركه على علاته! وإنما يقول:

"أقصد أن الدراسات العربية الإسلامية فى الجامعات الغربية، وليس فى فرنسا فقط تتسم بأنها منعزلة فى الجامعة لاتنغمس فى الحياة الجامعية ككل.  وهذه الدراسات تعتبر دراسات خاصة، لبعض الناس الذين يريدون أن يخوضوا فى أمور بعيدة عما يهم الفكر الغربى والثقافة الغربية".

إن هذا هو ما جعلنا نقول بأن النقد الأركونى لاستشراق أت من داخله وموجه إليه, فلا يتصَّوَرُن الكثيرون من الباحثين العرب والمسلمين بل ومن الأوربيين والغربيين أو غيرهم، أن أركون يعود إلى حظيرة الإسلام والمسلمين، ويحن إليه أو ينقد نقاده من المستشرقين! إن ذلك سيكون حكاً سطحياً مبنياً على كثير من الذاتية والعاطفة، ولاصلة له بالعلم والبحث… فنحن نرى أن أركون لم يتغير ولم يحد عن طريقه الذى كان بدأه:

" كان كتابى الأول – وهو أطروحتى -  يعالج ما اسميته الانسية فى القرن الرابع الهجرى…. وحاولت فى هذه الدراسة التى كتبتها فى الستينات أن أرد على المستشرقين، على مناهج المستشرقين فى دراسة الفلسفة العربية، وفى دراسة الفكر الإسلامي بصفة عامة".

إن ما قد حدث ربما هو تعميق وتعمق فى الرؤية نتيجة الخبرة وليس تغييراً أو تغيراً فى أساس التوجه،  فإذا عاد اليوم إلى التأكيد على هامشية الاستشراق، فهو بالأحرى فقد يأتى من داخل المجتمع العلمى الغربى، وكأن أركون يدرك أكثر من المستشرقين حاجات هذا المجتمع الغربى والثقافة الغربية، ويعيب على هؤلاء وعلى العقل الاستشراقى عدم تلبيته لهذه الحاجات، وعدم إشباع ذلك الاهتمام.

وبذلك لايكون أركون فقد داخلاً فى سباق نقد العرب والمسلمين المعتاد للاستشراق والمستشرقين، إذ هو ينطلق من رؤية المجتمع الغربى واحتياجاته وهمومه.. وعدم انسجام الاستشراق معه.

وهو من ناحية أخرى ينطلق يختلف عن منطلق إدوارد سعيد كذلك فى نقده للاستشراق … يقول سعيد فى مقدمته:

"وإذا اتخذنا من أواخر القرن الثامن عشر نقطة انطلاق محددة تحديداً تقريباً، فإن الاستشراق يمكن أن يناقش.. ويحلل بوصفه المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق. التعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه، وإقرارها. وبوصفه، وتدريسه، والاستقرار فيه وحكمه .. الاستشراق كأسلوب غربى للسيطرة على الشرق، واستبنائه وامتلاك السيادة عليه"

إن أول فرق يتبادر إلى ذهن القارئ أن أركون، ويحسب مفرداته يرى ويقر أن:

 أولاً: الدراسة العربية الإسلامية -  الاستشراق -  فى الجامعات الغربية، تتسم بالانعزال ولاتنغمس فى الحياة الجامعية ككل.

ثانياً: هى بالتالى تعتبر دراسات خاصة، أو فردية لبعض الناس، لآحاد من الناس، يريدون أن يخوضوا فى أمور بعيدة عما يهم الفكر الغربى والثقافة الغربية.

أما إدوارد سعيد، فهو يرى، وبحسب مفرداته كذلك:

أن الاستشراق مؤسسة،أى عمل جماعى، وليس عمل أفراد.  ولكن من هى هذه المؤسسة .. هل هى المستشرقون وحدهم أم أنهم جزء من كيان أكبر؟ ليس ذلك مايهم إدوارد سعيد، ولكن مايهمه هو:

أولاً: كيف يتم ذلك التعامل؟ إنه يتم "باصدار تقريرات حول الشرق، وإجازة الآراء فيه، وإقرارها، وبوصفه وتدريسه".

ثانياً: …."والاستقرار فيه، وحكمه…  الاستشراق كأسلوب للسيطرة على الشرق واستبنائه، وامتلاك السيادة عليه"،

·       ولكن لماذا هذه المقارنة؟

حاشا لنا أن نجتزئ أو نقطع، أو أن نمر بهذه الأمور الدقيقة مرور الكرام، فالمقارنة التى قد تفيد حقاً فى فهم خط دراسة الاستشراق من توجه إدوارد سعيد، إلى توجه محمد أركون – وهى ما قد نعد به – تحتاج إلى وقت وجهد للتحليل أعمق فى داخل أعمال كلا الباحثين الكبيرين، وهما – على اختلافهما فى المنطلق وفى الوسائل -  قد يتداخلان ويتكاملان، فهى إشكالية الاستشراق.

أما مانريد أن نركز عليه الآن، ومانرى أن أركون ينفرد به حقاً، فهو الخطوة الثانية فى نقده الاستشراق والمستشرقين وهى رؤية علمية أكاديمية بحته.

يرى أركون "أن المستشرقين لايتبنون مايظهر من جديد فى إشكاليات البحث ومناهجه، فظاهرة العلوم الإنسانية، فى الجامعات الغربية ترجع إلى الخمسينيات والستينيات.. وعندما نقارن المناهج التى ينتهجها، المستشرقون بالمناهج التى ينتهجها الباحثون والمؤرخون والانتروبولوجيون، واللسانيون، وجميع مايتعلق بالعلوم الإنسانية والاجتماعيةن نجد فرقاً كبيراً بين المناهج الاستشراقية، ومناهج هؤلاء لأن  العلماء المستشرقين لايتابعون الإنتاج العلمى فى جميع العلوم، كما يوجد فى جميع الميادين التى يمارسها المتخصصون الذين يدرسون المجتمعات والمسائل الفكرية".

إنهم إذن منعزلون، ليس فى داخل جامعاتهم ولكن فى داخل أقسامهم، والأمر جد خطير فإن ذلك الانعزال وعقليته تتوالد وتستمر، ثم إن ملامح تلك العقلية تؤثر سلباً على علوم العربية والإسلام، فالطلاب والباحثون المسلمون يأتون من بلادهم للدراسة فى تلك الأقسام  وهذه الجامعات، ويعودون فيؤثرون بدورهم فى مجتمعاتهم .. وهكذا إلى مالانهاية.

والذى يقرأ كتابات أركون بدقة ويستمع إليه فى محاضراته باهتمام يجده يحمل بشدة على أولئك الذين يتجاهلون تطبيق المناهج الحديثة والإشكاليات الحديثة فى دراسة الثقافة العربية.

·       وهو يطرح ذلك على محورين متزامنين معاً:

الأول للدراسيين والباحثين المستشرقين:

"هذا هو موقفى الحقيقى من الاستشراق، ولازلت منذ سنين، ولا أزال أدعو فى محاضراتى وكتبى من أجل تطبيق مناهج حديثة فى الدراسات الإسلامية.. وألخ..

على هذه النقطة، لأنها أساسية".

والأخر: للدراسيين والباحثين المسلمين والعرب:

"يجب على الباحثين العرب أن ينتقلوا  من النقد الايديولوجى المحض، والجدلى، لما يسمونه الاستشراق إلى النقد العلمى والمعرفى، وإنهم إذا انتقلوا إلى هذا المستوى سيدركون ضرورة تغيير المناهج التى يتبناها الباحثون المسلمون عن الفكر الاسلامى والمسائل الإسلامية.

لأننا إذا لم ندرك أهمية الايستمولوجيا، لايمكننا أن نتقدم فى تحديث البحوث التى تتناول المسائل العربية الإسلامية"

·       ثم إنه يؤكد ويكرر:

لذلك "أنقد نقداً حاسماً مواقف المستشرقين الذين يقفون بعيداً عن المناهج الحديثة" …. "وأنقد أيضاً المسلمين الذين يرفضون هذه المناهج لأنها غربية".

أما نقده للباحثين العرب والمسلمين، فهو قديم، وهو ليس فريداً فيه، ولاجديداً، وربما يميل إلى العموميات والخطوط العريضة، وربما كان ذلك متوازياً مع تزايد حالات التضييق على الباحثين والمفكرين فى بلاد الإسلام. وقليلاً مايدخل إلى التفاصيل الدقيقة لملامح فكر إسلامى عربى جديد، تظهر رموزه هنا وهناك. وهو يحاول الاستمرار والتقدم، وهو يلاقى كثيراً من التهميش فى الداخل والخارج على السواء…

وأما نقده-  أي أركون -  للفكر الاستشراقى، وهو نقد علمى منهجى، وهو ليس جديداً، كما يقول أركون نفسه، فهو فى حالة تطور مستمر، وفرق بين التحول والتطور، وهو ربما يطالب المستشرقين أولئك بما يشبه تطوره هو، إذ يزداد اعتماده كثيراً على ما انتجه الفكر الغربى الحديث  أو على المنظرين الغربيين، بل على نصوص كنصوص الشافعى وابن رشد والفارابى".

وهذا فرق أساسي بينه وبين المستشرقين، إذ لايعتبر نفسه إذن مستشرقاً.

أما الملمح الأخير -  الذى نود التنويه به -  من ملامح نقد أركون للاستشراق والمستشرقين، والذى نعد بالتركيز عليه أكثر وتفصيله فى تنمية هذه الدراسة أو فى غيرها، فهو نقد تعامل المستشرقين مع القرآن ودراساته.

ومجال الدراسات القرآنية عند المستشرقين، وربما عند كثير من الباحثين المسلمين مجال يتسم إما بالركود والتراجع، وإما بالمغامرة والجرأة غير العلمية غالباً.

وفى كتابه عن "الفكر الأصولى واستحالة التأصيل -  نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامية " (ترجمة هاشم صالح، صادر عن دار الساقى بيروت ط 2 سنة 2002).

فصل فى غاية الأهمية بعنوان"القرآن والدراسات النقدية المعاصرة وفى سياق نقده للمستشرقين يقول أركون:

"ولكننا سوف نذكر أيضاً بمعطيين اثنين يفاقمان من حالة المستشرقين الغربيينن الذين يستخدمون أدوات ومسلمات العقل التاريخوى والفيلولوجى المتضامن مع العقل العلموى:

1) كل المستشرقين (ماعدا استثناءات قليلة جداً لم تترك أى أثر دائم) يزودون المناقشات المنهجية. والقلق الإبستمولوجى، ولايهتمون إلا بدراسة الوقائع المادية المحسوسة، بالمعنى الذى يقصدونه، وضمن الإطار المعرفى الذى يختارونه".

2) هناك نوعان من العلماء المستشرقين: المؤمنون وغير المؤمنين. والمؤمنون يحملون معهم عندما يدرسون التراث الاسلامى ثقافتهم اللاهوتية اليهودية والمسيحية، وأما غير المؤمنين، من لا أدريين أو ملاحدة، أو حتى مجرد علمانيين، فإنهم يطمسون تماماً مسألة المعنى فى الخطاب الدينى أو يتجاهلونها تماماً. وهكذا يرفضون الدخول فى مناقشات حول مضامين الإيمان ليس بصفتها قواعد حياة وسلوك مستبطنة من قِبَل كل مؤمن، وإنما بصفتها تركيبات نفسية لغوية واجتماعيه وتاريخية.

هكذا نجد أن القضية المركزية لمسألة "الحقيقة" قد أخليت تماماً من الدراسة العلمية للقرآن. ومعلوم أنه نص يهدف أولاً، وقبل كل شئ إلى تقديم المعيار الوحيد والمطلق، والمقدس للحقيقة الكلية العليا، بصفتها الكائن الحقيقى، والواقع الحقيقى، والشريعة الحقيقة (أو الحق فى لغة القرآن) هكذا نجد أن هذه المسألة المركزية بالنسبة للعقل الدينى، كما للعقل الفلسفى الأكثر نقدية وتقدماً، تهمل من قبل هؤلاء الباحثين الأشاوس".

لقد أطلنا هذا الاستشهاد من أركون لنقد الدراسات القرآنية فى جامعات الغرب، قاصدين واعدين بتوسيع الدراسة وتعميقها ونشرها… ولأننا نلاحظ على جانب من جوانب الاستشراق وهو جانب الدراسات السامية أموراً مشابهه كثيرة وخلطاً وتجاهلاً، وسرعة أو تسرعاً فى  إصدار الأحكام وكأنها -  أي الدراسات السامية -  تعانى ما تعانيه الدراسات القرآنية من تكرار ودوران فى حلقة مفرغة.. وإن آثار ثقافة الباحث، مؤمناً كان أو ملحداً أو علمانياً لذات أثر كبير فى نقده وتحليله، واستنتاجاته.

 

"أما حديث الأجيال الجديدة من المستشرقين، شأنه شأن حديث الأجيال الجديدة من الباحثين العرب، فهو حديث ذو شجون، وحدث ولاحرج".

 

 أنظر الرابط  http://saidcongress.demini.com/files/0000000013/ponencias/mahmoud%20azab%20in%20arabo(1).doc

 


محمود عزب

أستاذ الحضارة الإسلامية

بالمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية

باريس – فرنسا

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الفلسفة والفكر | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر