مع الروائية و الناقدة المغربية زهور كرام
كتبهاعتبات/ seuils ، في 9 يونيو 2007 الساعة: 05:01 ص
مع الروائية و الناقدة المغربية زهور كرام

حاورها: محمد نجيم-المغرب-
تعتبر الدكتورة زهور كرام من أهم الأصوات الحاضرة بقوة في المشهد الروائي والنقدي المغربي والعربي ، فهي صاحبة الكتب: السرد النسائي العربي " مقاربة في المفهوم والخطاب "، في ضيافة الرقابة، سفر الإنسان ، جسد ومدينة ( رواية ) ، قلادة قرنفل
( رواية ) ، بالإضافة إلى مشاركتها في كتب جماعية نذكر منها : الشكل والدلالة : قراءة في الرواية المغربية ، الكتابة النسائية بالمغرب، أدب الطفل والشباب، المرأة والكتابة. وهي رئيسة وحدة الدكتوراه في الآداب المغاربية المعاصرة بجامعة ابن طفيل: كلية الآداب القنيطرة ، ومنسقة وحدة اللغات والتواصل بمسلك الدراسات العربية بنفس الكلية. تقلدت الدكتورة زهور عدة مناصب عربية وعالمية أهمها : المشرفة العلمية على ورشة الإبداع التاسعة لجائزة الشارقة للإبداع العربي، وعضو اللجنة الاستشارية ولجنة التحكيم جائزة سلطان العويس الثقافية، وعضو لجنة التحكيم في جائزة الأدباء الشباب لاتحاد كتاب المغرب وعضو المكتب الإداري لكرسي اليونسكو ( المرأة وحقوقها ) بالمغرب. شاركت الدكتورة زهور كرام في عدد من الملتقيات الدولية والعربية .
قوافل التقت الروائية المغربية والناقدة زهور كرام وكان هذا الحوار:
س1 : ككاتبة وكامرأة هل تستسغين فكرة التمييز بين الأدب والذكوري والأدب النسائي ؟
ج : الأدب تعبير إنساني.. هذا منطلق موضوعي تحتمه المعرفة الأدبية، لأن العملية الأدبية، تستمد شرعيتها من منطقها الداخلي الذي يجعل من نص ما نصا أدبيا. فهذه مسألة تعد بديهية في النظر إلى الأدب ولهذا، إما أن يكون العمل الأدبي أدبا أو لا، مهما حاولنا دعمه بشروط خارجة عن منطقه التكويني المعرفي-الفني. وهذا دليل على أن العناصر الخارجة عن منطقه قد تسمح باستهلاكه، والتحسيس له وخلق شروط تواصل القراء معه، ولكن لن تخلق أدبيته وإبداعيته.
الانطلاق من هذه القناعة المعرفية يجعلنا نلغي عملية التمييز بين أدب ذكوري وآخر نسائي، من حيث كون النوع أو الجنس لا يمكن أن يحسم في أدبية الأدب.
لكن، بما أن المشهد الثقافي يعرف منذ عقود كثيرة هذا النقاش، بين أدب ذكوري وآخر نسائي، فإن الأمر تطلب وقفة موضوعية عند حيثيات هذا التعبير. لأننا لا يمكن أن نلغي من النقاش ما يتجدد من تعابير ومصطلحات حول العملية الأدبية، لأن نشاط هذه التعابير يُؤثر على بعض التحولات في عملية إدراك النص الأدبي، وهذا في حد ذاته يعتبر مهما لأنه يفتت رتابة ذاكرة القراءة.
هي تعابير باتت تشكل مرجعية للقراءة لهذا لا ينبغي تجاهلها. إنما السؤال هو كيف يتم التعامل معها؟ وهل يتم تجديد تناول العمل الأدبي وفق مرجعية هذه التعابير؟ ثم هل هي تعابير ذات منطلقات نقدية، أي أن السياق النقدي هو الذي بلورها، وصاغها؟. الذي حدث -وما يزال – أن أغلبية القراءات والنقاشات عندما بدأت تحاور شرعية هذا التميز، اعتمدت على مرجعيات خارج أدبية، وفي تناولها لكتابات المرأة انطلقت من السياقات الذهنية والخلفيات الاجتماعية،، التي جعلت المرأة إشكالية تاريخية، والمساطير القانونية غير عادلة، وتسببت في إجحاف التأريخ الأدبي لإنتاجها الرمزي عبر العصور. لعب هذا الثقل الخارج-نصي دورا كبيرا في تأكيد شرعية التمييز، وهذا ما جعل كل ما تكتبه النساء يدخل في كتابة المرأة مهما كانت أدبيتها، مما انعكس على المعرفة النقدية، وخلق قراءات جاءت كردود فعل على وضع المرأة في المشهد الحضاري العام، وانتصرت لما تُنتجه المرأة كيفما كان.
هذه القراءة لا تخدم الأدب، كما لا تخدم المرأة عندما تتعامل مع إنتاجها الرمزي بتعاطف وليس بموضوعية تؤهل خطاب المرأة إلى المنافسة في المشهد الثقافي والمعرفي.
لهذا، أعتبر-انطلاقاً من الدراسات التي قُمتُ بها في هذا الصدد- أن الكتابة النسائية عملية نقدية ذات بُعد إجرائي، لا تدخل في التمييز بين أدب آخر يُنتجه الرجل. وكتابة المرأة هي تلك الكتابة التي تُغني العملية الأدبية، عندما تمدها بتكوينات معرفية وفنية تدعم منطق الأدب. وهي كتابة لا ترتبط بكل ما تكتبه النساء، ولكن فقط بتلك النصوص التي تُنتج بنائيا، ومعرفيا، دلالات جديدة ومختلفة عن السائد للمفاهيم المتداولة. لأننا عندما نقول كتابة المرأة، ما هي المؤشرات البنائية والأسلوبية واللغوية التي أدت إلى هذا التعبير. ومن ثمة، فالكتابة النسائية هي عملية نقدية ليس لها علاقة بالمسألة النسائية، قد تستفيد كتابة المرأة من المسألة النسائية، ومن حيث التحسيس بشكل التعبير عند المرأة، ولكن لا يمكن لمطلب نسائي أن يخلق أدبية النص.
منطلقي في الدرس الأدبي النسائي يدخل في إطار النظرية الأدبية، وبالتالي فاقترابي من الموضوع لم يكن بهاجس الدفاع عن المرأة كوني كاتبة، لأن الدفاع عن المرأة له سياقات حقوقية ونضالية مشروعة في مساحاتها المطلبية، وإنما اقترابي كان تأملا في تجربة نص أنتجت بنائيته طريقة مختلفة في التعامل مع السرد. لذلك كانت البداية مع قراءة نصوص كتبتها نساء عربيات. ثم سجلت ملاحظات من وحي قراءتي لتلك النصوص. وهي ملاحظات بالقياس إلى ذاكرتي المقروئية للنصوص الروائية العربية بشكل عام. ومن هذه الملاحظات اشتغلت على السرد النسائي العربي، ووصلت إلى استنتاجات جعلتني لا أدخل كل ما كتبته المرأة في مصطلح الكتابة النسائية، وإنما فقط تلك النصوص التي تتوفر على شروط بنائية مغايرة تنتج تداولات غير مألوفة للمفاهيم السائدة. وهو استنتاج نصي وأدبي وبالتالي يُغني العملية النقدية باعتبارها تفكيرا في الأدب، ويرقى بتجربة إبداع المرأة إلى لحظة تطوير آليات التفكير.
س 2 : كيف تجدين الكتابة السردية عموما بالمغرب، مقارنة مع نظيرتها بالمشرق؟
ج: تميز المشهد الأدبي المغربي في مرحلة من المراحل، بتطوير الدرس النقدي الذي استفاد كثيرا من المرجعية الفرنسية، بحكم القرب الجغرافي، والتعليم المزدوج، وأيضا بفضل تطور الخطاب النقدي الفرنسي إلى جانب دور الجامعة المغربية التي انفتحت على ثقافة النقد من خلال تدريس مناهج أدبية حديثة ونقد النقد والرواية، والنصوص الأدبية وتحليل الخطاب وكلها مقررات بيداغوجية ارتقت بالدرس النقدي، سواء كمصطلحات أو خطاب معرفي. في هذا الوقت أيضا كانت الكتابة السردية تشهد تشكلها، وتخلق مسارها، غير أن هذا النشاط النقدي لم يكن يلتفت إليها كثيرا خاصة بحكم الاهتمام بالكتابة المشرقية، والتي اشتغلنا عليها كطلبة كثيرا في الجامعة سواء كمقررات أو كانشغال علمي في البحوث والأطروحات. وهذا ما جعل المشهد الثقافي المغربي يُقدم نفسه للإخوة في المشرق العربي على أساس أنه منتج للنقد أكثر من النص الإبداعي.
كما ساهمت شروط صناعة الكتاب المغربي، في تعميق المسافة بينه وبين القارئ المغربي أو العربي بسبب سوء توزيع الكتاب داخل المغرب وخارجه.
غير أن هذا الوضع بدأت تتجاوزه تجارب النصوص السردية المغربية التي باتت تفرض شروط تلقيها، خاصة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، حيث بداية تراكم النصوص السردية المغربية،والتي بدأت تُلفت الانتباه إلى خصائصها المميزة، والتي تتطلب وقفة نقدية تبحث في مرجعياتها وسياقاتها الفنية. ساعد على ذلك، الاهتمام المتزايد بالنص المغربي داخل البحوث والأطروحات الجامعية، وفي الندوات والملتقيات، وظهور متابعات نقدية للنصوص الروائية في الملاحق الثقافية ونشاط ثقافة البيبليوغرافيا في هذا الشأن. وانخراط جيل الشباب في تجربة التعبير السردي بطرق مختلفة وغير مألوفة سواء في القصة أو الرواية، أيضا انفتاح المرأة المغربية على إمكانيات التعبير السردي، وأشيد هنا بالقاصات المغربيات اللواتي يغنين الحركة السردية المغربية بتجارب تحتاج إلى وفقة نقدية.
انطلاقا من مشروع أكاديمي يدخل في إطار برنامج دعم البحث العلمي بالجامعة المغربية والذي أشرف عليه منذ سنتين بجامعة ابن طفيل حول إنجاز معجم المؤلفين والروايات بالمغرب من 1980 إلى 2000 بكل اللغات، وهو ما يسمى بـ "PROTARS" (البرنامج الموضوعاتي لدعم البحث العلمي). فإني ألاحظ التطور الكمي والنوعي للنص السردي الذي أصبح منفتحا على تجارب عديدة في السرد والحكي والسيرة والمحكي والنص المفتوح، ولعلها أشكال تعبّر عن تحرر المبدع المغربي من القوالب الجاهزة، وقدرته على التحرك في أشكال تعبيرية يجرب من خلالها بناءه للذات والعالم. كما لا ننسى أن السرد المغربي ينفتح الآن أكثر على اللغات الأجنبية بالإضافة إلى الفرنسية هناك الإسبانية والأنجليزية. يغذي أيضا هذا السرد ويمنحه تميزه الخاص، المهاجرون المغاربة الذين يكتبون إما باللغة العربية أو بلغات البلدان حيث يعملون بها. وهنا نلتقي بنوع من الكتاب الذين ليسوا كتابا حرفيين بمعنى يشتغلون بالكتابة ويعيشون منها، كما حدث مع الكتاب الفرنكوفونيين الأوائل، ولكن ما نجده الآن أن الأكثرية بدأت تعبر عن تجربتها في ا لمهجر، و فيما يسمى بقوارب الموت (الحريك). أيضا لا ننسى أن السرد المغربي انفتح على تجربة الاعتقال التي غذته بمعجم خاص ورؤية خاصة للعالم كما حررت بناءه.
أظن أننا يجب أن نتجاوز مسألة المقارنة أو القياس في التجربة الإبداعية. لأن السرد العربي بشكل عام تغذيه وتميزه تجاربه السياقية. ما نقرأه الآن من سرد سعودي يجعلنا نُعيد النظر في كثير من منطلقات ومحددات مسار تجربة الإبداع العربي. و ما يُنشر بشكل عام في الخليج العربي أصبح يضيء مساحات جديدة في السرد العربي، كذلك الشأن مع الإبداع المغاربي. وهذا كله في صالح الإبداع العربي، الذي سيظل ينتعش ويتشكل باستمرار من اختلاف سياق التجارب التعبيرية العربية.
س 3 : ما الفرق بين زهور كرام المبدعة وزهور كرام الباحثة وزهور المرأة ؟
ج : أظن أن كل جانب يمنحني ألقا خاصا، ويجعلني أطلب عمرا استثنائيا لكي أستثمر جماليات هذه الجوانب، واستمتع وأنا أراني أتجدد مع كل جانب. هي مكونات لا تتعارض فيما بينها، عندما ندركها كأفق لتجديد علاقتنا بذاتنا.
لا أستطيع أن أكون كما أنا إلا من خلال كل هذه السياقات.
الإبداعي يمنحني القدرة على تطويع ما هو صارم في الحياة، والاقتراب به إلى مساحات الشفافية. والإيمان بجوهر الشئ وروحه ، وعدم الاكتراث بالقشور. يجعلني أرقى بمشاعري إلى منطقة التصوف حيث التوحد لغة التأمل الإبداعي. يدربني الإبداعي على استثمار أبعاد الأناقة في التعبير والسلوك والحس المرهف.. أناقة اللغة.. أليست لغة الإبداع هي اللغة الأولى، أول الفيض في زمن المخاض.. مخاض التجربة. قبل أن تخدشها الملاحظة والقراءة.
أما البحث العلمي فإنه يدربني على الموضوعية، والإيمان بالنسبية، واحترام الآخر كشرط لوجود الأنا. وعدم اعتبار النتيجة المستخلصة من عملية بحث ليست نهائية في الموضوع، وإنما بداية لبحث جديد. البحث العملي يعلمني حس المسؤولية، وكيفية تدبير الزمن والمعلومات والعمل داخل المجموعة. كما يعلمني المزاوجة بين الصرامة في ضبط المعلومات والمنهجية والمرونة لخلق المناخ الخصب لتمرير المعرفة. البحث العلمي فلسفة صارت حكمة عندي، أي كلما ارتبطت أكثر بالمعرفة ومارستها بحثا وسؤالا، كلما رغبتُ عمرا جديدا لأغرف من المعرفة، وأتعرف أكثر على قدرات تفكيري.
أما المرأة فإنها تجعلني أستمتع بمعاني الشفافية والحس المرهف والعطاء.. والجمال في كل أبعاده ، حتى في طبيعة ردود الأفعال، وحالات الضعف التي أرقى بها في التفكير وأعتبرها مظهرا من مظاهر إدراك وجودنا والإحساس به.
لا أجد فرقا بين كل هذه الجوانب في حياتي أو شخصيتي، بل هي التي تشكلني بالشكل الذي أنا عليه. وكل جانب يقوي الآخر، ويمنحه أبعادا جديدة. كلها مؤهلات تشكلني كإنسانة تعيش الحياة باعتبارها حالة إبداعية وموقفا حضاريا . وهذا ما يجعلني أتعايش مع مختلف الظروف من منطلق احترام الخصوصيات، وأتعايش مع كل الفئات من مبدأ الاحترام.
س 4 :ما الذي جنيته من الكتابة كإنسانة وكامرأة؟.
ج الكتابة هي أجمل انتماء بالنسبة لي.لأنها تعلمني الارتقاء بقناعاتي ومواقفي. وتربيني على الإحساس بمعنى الحرية في بعدها الوجودي. وذلك عندما أشعر برغبة التعبير عن موقف أو لحظة أو حتى رغبة فإني أجدها أجمل وأرقى شكل يمنحني حرية الإفصاح والتعبير. تفعل ذلك دون أن تطلب مني الانصياع أو الانحناء، بل على العكس تكرس لدي حس الشموخ.
الكتابة جعلتني لا أنهزم بداخلي عندما أجد التواصل مقيدا بأعراف أو قيود .جعلتني أملك قرارات مواقفي التي يصير لها صوت بفضل الكتابة.
كامرأة.. .أنا أكتشفني من خلال الكتابة. بعدما كتبت روايتي الأولى سنة 1996 "جسد ومدينة" اندهشت، وفي قلادة قرنفل ازداد اكتشافي للمناطق الخفية التي لا أصلها في اليومي.
س 5 : يقال إن البحث العلمي في المغرب يسير في خط تنازلي، ما رأيك باعتبارك أستاذة جامعية في الآن نفسه ؟
ج: كما نعلم، تقدم الأمم يُقاس بمدى تخصيصها من ميزانية الدخل للبحث العلمي، ومدى توفيرها لشروط الابتكار والخلق والمبادرة العلمية. ومهما سنت الدولة قوانين وتشريعات اجتماعية واقتصادية وحقوقية، وتعطّل التفكير لديها في البحث العلمي، فإن التطور المنشود سيظل نظريا، على اعتبار أن ممارسة البحث العلمي هي ممارسة الإبداع والخلق وتنشيط حرية المبادرة والمشاريع والابتكار، أي هل الدولة قادرة على قبول الفكر الذي يبتكر وتمنحه الشروط والإمكانيات، وتضع استراتيجيات في هذا الشأن، وتعمل على تدبير الميزانية العامة بحيث تسمح بارتفاع الدخل لتعزز ميزانية البحث العلمي، لكن عندما نجد الشباب خريجي المدارس العليا ذات البُعد التقني الهندسي والمعلوماتي والتي تصرف عليهم الدولة أموالا من حيث التكوين والمنح والمتابعة . يهاجرون إلى أوربا أو أمريكا خاصة كندا، هذا في حد ذاته يجعلنا نلمس تصور المدبرين لشأن البحث العلمي في هذا البلد، وكيف تصير الدولة مثل مركز لتكوين الكفاءات للأجنبي بأموال الدولة. في هذا تناقض بل عيب بل أقصى درجات التخلف الحضاري ، وعوض استثمار أدمغة هذه الطاقات وجعلها تجرب حظها في بلدها وتخدمه وتمنحه الطاقة ليدخل سوق المنافسة العالمية بمؤهلات أبنائها، تسمح الدولة بهجرتهم. الدولة هي الخاسرة والبحث العلمي هنا يعبر عن تخلفه وهذا يؤشر على طبيعة السياسة المتبعة في هذا المجال.
في الوقت الذي مانزال نستعين بطاقات أجنبية في ميادين كثيرة. هذه ملاحظة مخجلة كوننا نتحول إلى مراكز للتكوين للآخر في الوقت الذي تطور فيه الدول الأجنبية أنظمة حياتها، وتدخل بقوة في المنافسة العالمية.
عندما نأتي إلى الجامعة، كما هو معروف دخلنا الآن السنة الثالثة في أجرأة الإصلاح البيداغوجي الجامعي، الذي من المفروض أن يغير نظام الجامعة المغربية إلى الأحسن، وهو إصلاح يُعد مطلبا مشروعا، وطالب به الباحثون لأن الجامعة لا بد أن تساير متطلبات المتغيرات العالمية من حيث المنهجية والبيداغوجية. طبعا سبقت عملية الأجرأة نقاشات كانت تصل أحيانا إلى إمكانية رفض هذا الإصلاح، غير أن الكل انخرط في الأجرأة من مبدأ ضرورة تغيير نظام التعليم في الجامعة، وكان هناك حماس في البداية، وهو حماس مشروع بدافع ممارسة التجديد وبدافع وعود الدولة بضرورة تحسين الشروط. لأن تطبيق الإصلاح هو الذي يكشف عن عناصر خلله.
المشكل في هذا النظام أنه يحتاج إلى شروطه البنيوية التي تجعل فلسفته قابلة للتحقق. والتحقق لا أعني به تطبيق الإصلاح بأي طريقة كانت ، ولكن التحقق هو نجاح انتقال الإصلاح من النظري إلى التطبيقي وفق فلسفة تخدم المردودية العلمية، وتخلق أبعادا جديدة للجامعة، وتخلق الطالب الذي يتعامل مع المعرفة بتواصل إنتاجي وليس استهلاكي، وتمنح للأستاذ شروط إلقاء الدرس وفق نظرية الإصلاح.
لكن الذي يحدث أن الكثير من هذه الشروط لا تتماشى ومتطلبات التحقق، أحيانا نشعر أننا نجرب إصلاحا وفق الشروط القديمة . كما أن هناك إحساسا خلقه الإصلاح وهو هذا الإيقاع السريع والجري وراء تنظيم المراقبة المستمرة وغير ذلك.وهذا الإيقاع السريع لاشك أنه يؤثر في ممارسة البحث العلمي.
مع ذلك أقول التغيير في حاجة إلى مواكبة من قبل الأساتذة، وضرورة تفعيل الهياكل. من مجالس الجامعة والكلية والشعب والمكاتب النقابية المحلية والجهوية – كلها هياكل لا بد أن تواكب عملية الدفع بالدولة إلى ضرورة توفير الشروط المادية والعلمية والبيداغوجية والمعنوية أيضا لنجاح هذه التجربة.
الأكيد أن هناك شروطا بدأت تتحقق في الجامعة، وأنا هنا أتحدث عن تجربة الجامعة التي أنتمي إليها جامعة ابن طفيل وهي أن الأساتذة أصبحت لهم بعض الإمكانيات التي لم تكن متوفرة من قبل مثل مكاتب للأساتذة وبعض الشروط اللوجستيكية، وأظن أن ممارسة البحث العلمي هي مبادرة الأساتذة، عندما نجد الشروط غير متوفرة نطالب بها في الهياكل المنتخبة، بل يجب النضال من أجلها. هذا بلدنا وإذا كانت السياسة التعليمية لاتحقق لنا طموحاتنا في أن نرى بلدنا يعتني بأدمغته وعقوله وأن يحضن بحب طاقاته ويهتم بها ولا يدعها تعاني في بلاد الآخر ، فأرى من واجبنا أن نمارس دورنا كباحثين داخل الجامعة.أنا أومن بالفعل الإيجابي المرتبط بالمبادرة مع تسجيل الملاحظات حول عناصر الخلل.
الكل يتحمل مسؤوليته في هذا الشأن،حتى بإعلان الخيبة من مشروع أراه موقفا يعبر عن أ ن الباحث حاضر باعتباره مسؤولا عن الجامعة. فقط أتمنى من المسؤولين عن قطاع البحث العلمي والتعليم بهذا البلد أن يعتبروا مسألة الاهتمام بالبحث العلمي هي أهم مدخل للتقدم .
س 6 هل تجدين ذاتك في البيت أم في الجامعة أم في الكتابة ؟
ج: أجد نفسي في كل هذه الفضاءات، لأني أنطلق من علاقة التفاعل بين الذات والفضاءات، من منطلق تبادل المعرفة. وبالتالي فكل ما أكتسبه من فضاء يطور علاقتي بالفضاء الآخر، وهذا ما يجعل علاقتي بالبيت علاقة إبداعية، كما أتجدد داخل الكتابة والجامعة.. أتجدد داخل البيت من خلال إلغاء فكرة النظام الجامد فيه، فأنا من النوع الذي يغيّر ديكور البيت باستمرار. والبيت عندي ليس مجرد ديكور وأثاث ولكن أيضا موسيقى ونباتات وتشكيل وحب ومشاعر ودفء وفلسفة. ولهذا، فالخلفية وراء هذا الصنيع هي المعرفة.. هي الكتابة التي تمدني أفقا متسعا للامتداد، هي البحث العلمي الذي يعلمني خلق المبادرة وإمكانيات البحث المستمر في الخلق والابتكار. طبعا وضعية البيت عندما ننجح في جعله فضاء خصبا للروح، فإنه يمدنا بالاستقرار النفسي وهذا ينعكس على الاستمرار في الكتابة، وفي العمل المنتج في الجامعة.
كل فضاء أدرك فيه ذاتي، لأني أنطلق من تعاملي/تفاعلي مع الزمن والمكان مع الإنسان والعالم من مبدأ التعلم لفهم الذات، وشكل تفاعلي يجعلني أدرك قدراتي كما أدرك لحظات ضعفي وقوتي أيضا.
س 7: تنتشر كتابة المرأة أكثر كلما تجرأت على فك الستائر علة المسكوت والإباحي والجسد أين يكمن المشكل ؟
ج: تعودنا التعامل مع المرأة باعتبارها موضوعا، يتم تداوله في الخطابات، أو تسريده وحكيه في النصوص الإبداعية. كرس هذا الوضع ثقافة في الذاكرة الجماعية، جعلت المرأة منظورا إليها من قبل الثقافات والمؤسسات.
لهذا عندما تكتب المرأة، أو تنتج خطابات تعبر عن انتقالها من الموضوع إلى الفاعل المنتج، فإن هذا الوضع يثير الدهشة، والانتباه، لأن القارئ ما تعود سماع المرأة باعتبارها ضميرا يُنتج معرفة حول ذاته وحول العالم من حوله، لهذا كلما تجرأت المرأة وكتبت عن الطابو كلما اقترب النقد منها ليس من أجل معرفة كيف يتم التعبير بنائيا وأسلوبيا عن الطابو، وإنما ما هي وجهة نظر المرأة في المسكوت عنه ولهذا أيضا يتم اعتبار معظم ما تنتجه الكاتبات من نصوص سردية بمثابة سير ذاتية، لأننا ما نزال نمارس التعامل مع إنتاج المرأة باعتباره مسألة تخصها. كثير من الدراسات عندما تقرأ نصوص المرأة تخلط بين المؤلفة والساردة والكاتبة.
س 8 لكل طقسه في الكتابة، فما طقس زهور ؟
ج: الكتابة عندي حالة في زمن الإبداع، لهذا لا أتحكم في طقسها، قد تعتريني الحالة وأنا أمشي فأسجل نقط أو جمل ، والكتابة مسؤولية والتزام في زمن النقد، لهذا أبحث عن الجو الذي يجعلني أقرأ النص وأستمتع به، وأصغي إلى لغته وأسلوبه وبنائه لكي أنتج منه قراءة معرفية، تخدم النص في حد ذاته. وفي هذه الحالة أجد نفسي أكثر في أجواء بيتي لأنه يوفر لي الشروط النفسية والجمالية التي تجعلني أنخرط في ا لقراءة بدون خدوش أو توقف. ولأني أعتبر دائما النقد مسؤولية حضارية فإني لا أستهين بلحظة قراءة نص أشتغل عليه.
يبقى مكتبي في بيتي هو فضائي الروحي الذي يختزل كل طقوسي في الكتابة. وهو الذي أقضي فيه أكثر ساعات يومي إضافة إلى الجامعة التي تأخذ مني الوقت الكثير بفعل مجموعة من المشاريع العلمية التي أشرف عليها. الكتابة بشكل عام لحظة صفاء مع اللغة والذاتي وهي لحظة أرغبها أن تأتيني حرة طليقة بدون طقس مؤثت مسبقا.
س9: ما مشاريعك المستقبلية أقصد في الكتابة ؟
ج: أشتغل وفق تصور في الكتابة، لدي مشروع هو الذي يحدد طبيعة كتاباتي، هناك مشاريع كتب أشتغل عليها وفق تصورات، أشتغل بتريث، لستُ من النوع المهووس بالتراكم، ولكن أنا أومن بقيمة ما أنشره من أفكار، لأن هذه الأفكار هي التي تحدد تصوري للثقافة والعالم والكتابة.
هناك كتب نقدية قيد الطبع، أخرى أستعد لإعادة ترتيبها لوضعها في الطبع، الجامعة تأخذ كل وقتي من حيث الإشراف على الأطروحات، ومناقشتها وأيضا مسؤولية وحدة التكوين حول الأدب المغاربي المعاصرة والدكتوراه أيضا.
أشتغل أيضا منذ مدة على رواية، ومجموعة قصصية جاهزة للنشر.
بالإضافة إلى مشروع أراه مهما أتحمل مسؤولية تدبيره الآن في الجامعة هو معجم المؤلفين والروايات بالمغرب من 1980، 2000 هو مشروع يأخذ مني الوقت الكبير، وأتمنى أن أخدم به أنا وكل الباحثين المغاربة الذين يشتغلون فيه الرواية المغربية بشكل علمي وموضوعي، ويعيد الاعتبار إلى اللحظة التوثيقية للجنس الروائي في التجربة المغربية.
س10: ماذا عن مشاركتك في إشراف الورشة العلمية مؤخرا بالشارقة ؟
بالفعل حظيت بشرف تأطير ورشة الإبداع التاسعة لجائزة الشارقة للإبداع العربي بالشارقة من 9 إلى 11 أبريل2006 والتي تمحورت هذه السنة حول السرد العربي المعاصر في مشهد العالمية. أعتبر أن فكرة الورشة فكرة إبداعية لأن لها علاقة بالتكوين والتأطير النقدي الذي يرافق الجائزة، وهذا يدل على أن المسؤولين عن هذه الجائزة يدركون بعمق مسألة متابعة الفائزين في كتاباتهم من خلال التوجيه. وبالفعل كانت بالنسبة لي فرصة أولا للتعرف عن قرب عن الجو الثقافي الذي يميز الشارقة، وأيضا فرصة للإستماع إلى مداخلات الشباب الحاصلين على الجائزة والذين قدموا مداخلات في موضوع محور الورشة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الرواية, عالم النقد | السمات:عالم النقد, عالم الرواية
دوّن الإدراج

























يونيو 14th, 2007 at 14 يونيو 2007 3:33 ص
شكرا على هذا الحوار الجميل الذى استمتعنا به وأسجل إعجابى بآراء الدكتورة زهور وخاصة ما يخص المرأة وأدب المرأة فأوافقها تماما على وجهةنظرها وتحياتى
حسام عبد القادر