حوار مع الشاعر العراقي عدنان الصائغ

كتبهاعتبات/ seuils ، في 9 يونيو 2007 الساعة: 20:24 م

 

حوار مع الشاعر العراقي

عدنان الصّائغ

 

 

حاوره/ وليد الزريبي

 

- هل يستطيع الشاعر العراقي النّجاة من السؤال السياسي؟

* يولد العراقي وفي فمه، فاتورة طويلة، من ديون وخسائر سياسية، تظل تلاحقه حتى النفس الأخير، منفياً مشرداً خارج وطنه - كأغلب مبدعيه - أو مقيماً متبرماً داخل ذلك الفرن الملتهب.. وليس له مهرب أبداً من هذا الطوق مهما حاول أن ينأى بنفسه أو بنصه… إنها تلازمه أبداً كظله، تعرض عليه أجندتها ومضارباتها، شاء أم أبى.. لكنها – أي السياسة، أي الأحزاب - قد تغدو عند البعض مهنة أو هواية أو تجارة، وعند البعض عذاب وفكر ونزف… غير أن الكثيرين من المستقلين، وأنا منهم، لم نلمسَ منها ولم نرَ سوى طواحين هواء ونواعير دم على امتداد نصف القرن الأخير… تبدأ بانقلاب وتنتهي بانقلاب ومعها ينقلب الوطن ومن عليه… من سيء إلى أسوأ… لهذا نأيتُ بنفسي ونصي منذ البدء عن الدخول أو التورط في هذا المعترك، الذي لم أفقه منه يوماً شيئاً.. في بلد مثل السويد الذي عشتُ فيه لأكثر من سبعة أعوام، وفي لندن حيث أقيم الآن، تكاد لا تجد فيهما من الأحزاب أكثر من عدد أصابع اليدين.. وتعال إلى بلدي اليوم تجد في كل دربونة حزب.. وفي كل مقهى يافطة شعار أو صورة زعيم سياسي أو ديني.. فمن الحزب الواحد الذي حكما بالحديد والصديد لأكثر من ثلاثة عقود، إلى هذا التكاثر الأميبي من الأحزاب والطوائف حيث لدينا الآن أكثر من 200 حزب وآلاف من اليافطات التي لم نعد نستطيع اللحاق حتى بقراءة شعارتها… أريد  أن أخدم الوطن بعيداً عن يافطة أي حزب أو لجنة. لا اختلاف عندي بين حزب وحزب إلا بمقدار ما يخدم شعبي ويفتح نوافذه للحرية والتقدم. ولا اختلاف بين دين ودين، أو بين طائفة وطائفة إلا بمقدار ما يصون كرامة الانسان ويكرس قيم الخير والجمال والمحبة.. أنا ضد كل السلطات القمعية، سواء كانت مؤسسة دينية أو اجتماعية أو ايديولوجية. وقد تحالفت هذه السلطات حتى بدون اتفاق لتشديد الخناق على أعناقنا الهزيلة طيلة كل تلك العقود الطويلة وما تزال.. لكن يبقى دائماً ثمة ضوء في نهاية نفقنا الطويل والمشتبك، ثمة أمل أن يستفيد سياسيو وطننا ومثقفيه وناسه من تلك التجارب الطاحنة، ونبدأ جميعاً ببناء الوطن الذي نحلم..

- هل أنت الآن بمنأى عن أوروك و عن الطغاة الذين طوقوا موهبتك؟

* قد أحيلك إلى نص ورد في ديواني الأخير "تأبط منفى" لترى أن كوابيسهم ما زالت تلاحق الشاعر حتى وهو في صقيع منفاه النائي، في أقصى الأرض:

"أضعُ يدي على خريطةِ العالمِ

وأحلمُ بالشوارعِ التي سأجوبها بقدمي الحافيتين

والخصورِ التي سأطوقها بذراعي في الحدائقِ العامةِ

والمكتباتِ التي سأستعيرُ منها الكتبَ ولن أعيدها

والمخبرين الذين سأراوغهم من شارعٍ إلى شارعٍ

منتشياً بالمطرِ والكركراتِ

حتى أراهم فجأةً أمامي

فأرفع إصبعي عن الخارطة خائفاً

وأنامُ ممتلئاً بالقهر"..

وقد أحيلك إلى "نشيد أوروك" نفسه لتجد هذا الهاجس المرير قد صبغ حياتي ونصي برماده الكابي وما يزال:

"صاعداً في النشيدِ إلى قلبِ أوروك، ألقي الظلالَ على وطنٍ لا ظلالَ لهُ غير ما خلّفتهُ البنادقُ من بقعٍ وتماثيل. تأتي الفصولُ وتذبلُ. تأتي الجيوشُ وترحلُ. تأتي الملوكُ وتبقى.. يشيّدُ أحدهم قلعةً من جماجمنا ليهدمها آخرررررررر…" والخ..

وقريباً منه ما ذهب إليه الشاعر اليوناني كافافي بحكمته الفاجعة: " ما دمت قد خرّبت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم فهي خرابٌ أينما حللتَ"..

- هل ينظر الشاعر عدنان الصائغ اليوم إلى الأشياء من زاوية أكثر وضوحاً وإشراقا  ليرى ما لم يكن قد رآه من قبل؟

* في القاهرة، نهاية الثمانينات، وفي أول سفرة لي خارج الوطن، ألقيت شهادة شعرية عن الحرب أهديتها الى صديقي البغل الذي سبقني راكضاً في الطريق الجبلي المعشب إلى النبع فأنفجر به اللغم.. ذلك اللغم الذي كان مُقدّراً – لولا ذلك البغل المسكين – أن ينفجر بي..

كنتُ جندياً بائساَ، ويائساً، أتمشى قبل الغروب، بين أعشاب السفح الممرعة، قريباً من فوجنا – رغم التحذيرات العسكرية بعدم التوغل في هذه الأرض المحرمة – سائراً أنفّس عن ضيق روحي، وقد أخذتني دهشة الطبيعة وبهائها وخضرتها الخلابة، دون أن أدري ما يواجهني..

هذه الصدفة المهولة علمتني أشياء كثيرة في الكتابة والحياة.. أن الحياة رغم مراراتها تبقى هي الأبهى والأشد سطوعاً من كل شيء.. وعلمتني أن أرى زهور الأمل حتى بين ركام الخراب والشظايا. ومنحتني قوة الصبر والرؤية والحكمة لأواجه فيما بعد كل تلك الفواجع المتلاحقة وأرى المشهد بوضوح رغم سحب الدخان التي تغطي واقعنا. هكذا خرجتُ من الحرب سهواً – كما عبرتُ في أحد قصائدي – وهكذا بقيتُ أواجه تداعياتها القادمة.. إن من عاش الفجيعة بكاملها يجد نفسه قادراً على التحمل والاستمرار، أكثر من غيره .. هكذا عاش جيلنا وهكذا عانى وهكذا كتب.. لقد احالتني قسوة الخراب إلى مراجعة الكثير من كتب التاريخ والأساطير والأديان عليَّ أجد تفسيراً لما حدث لنا على هذه الأرض الطيبة والمرّة، فرأيت العجب العجاب من هذا التاريخ الذي ما زال ينزف حتى الآن.. وقد استخلصت الكثير من هذا، في عملي "نشيد أوروك" الذي أنجزته عام 1996 في بيروت. وأنا الآن في صدد إنجاز عملي الآخر "نرد النص"، وهو نص مفتوح يحاول أن يكمل رؤية المشهد باتساعاته وتداعياته وتداخلاته وخفاياه.

- كيف تنجو القصيدة الواحدة من الحروب القبلية؟

* على الشاعر الحقيقي أن يتعالى بنفسه وبنصه عن حروب داحس والغبراء الشعرية – السياسية – القبلية، كي لا يضيّع أو يستنفد طاقته وإبداعه ورؤاه، في المعارك المجانية والمناقشات الفارغة التي تعج بها مقاهينا الأدبية والأنترنيتية وما أكثرها هذه الأيام.

تلك الحروب التي ملأت تاريخنا وأرواحنا وتراثنا بهذا الغبار المتطاير.. الحروب القبلية في الشعر والسياسة والدين أكلت من اعمالنا ونصوصنا الكثير.. فما من أمة في التاريخ عاشت حروباً بقدر حروبنا وتحملت خسائر كخسائرنا وأضاعت الكثير من نصوصها ومبدعيها كما اضعنا، حرقاً وقتلاً ونفياُ.. والخ، والخ.. إن النص العظيم هو الذي يتسامى على الحسابات الصغيرة، ليلتصق بهموم الناس والشاعر والعصر.. وهو يسأل ويجترح ويتحدى ويستشرف..

- هل نجح نص عدنان الصائغ اليوم من التخلص من جحيم الماضي أم أن جحيم اليوم أشدّ قسوة من الأمس؟

* الماضي بحروبه وقمعه، والحاضر بمفخخاته واسقاطاته، لم يمنحانا فرصة لتأمل ومراجعة ما مضى وما حدث وما سيأتي.. لقد مرَّ كل شيء، بفوضى وسرعة وصخب، جعلك لا تستطيع أن تتشبث بشيء أو تتلمس شيئاً، على مستوى المشهد الجمعي. أما مشهدك الخاص - رؤيتك الخاصة، فلها حسابات تنبع من أرثك ومتابعاتك وقوة روحك ووعيك وبصيرتك على استشراف المستقبل. الجحيمان شديدا القسوة، وأن اختلفا، في الأسباب والنتائج وغيرها.. لكن أرواحنا ظلت كما هي، مشرئبة بأحلامها، تلوب بصبرها وقوتها الإسطوريين، على التحمل، مستعيرة تهكم أبي الطيب المتنبي:

وكنتُ إذا اصابتني سهامٌ      تكسّرتِ النصالُ على النصالِ

هكذا تكسرت نصال الحاضر على نصال الماضي، فلم تعد تؤثر أو تثير.. ولم تعد تجد في الشارع غير تلك اللامبالاة المرّة لكل ما يحدث أمامها، وهو مشهد مخادع يمور تحته عويل روح تستصرخ السماء وتلعن كل شيء.. هكذا وجدتُ نصي، اليوم، ساخراً لا مبالياً وتحت سطوره تاريخ من العويل.

ثلاثة عشر سنة من الحروب، ومثلها من المنافى..

أية حياةٍ هذه يا الهي..

وما الذي بقي لنا منها!؟

فبين الشاعر الذي كنته في 1975 قلقاً وفرحاً، بنصوصي الأولى وأحلامي الأولى، وبين الشاعر الذي أنا هو الآن، عام 2005 متأبطاً منفاي وحزني، من بلد الى بلد ومن قصيدة إلى قصيدة، تمتد كل تلك السنوات النائحة.

- هل تكتب اليوم جالسا على سطح بركان، أم على مسطبة هادئة في حديقة البيت، كانت سماؤك في خوذة و اليوم ألا تعتقد أنها صارت خوذة بلا سماء؟

* لم أكتب على أريكة مريحة طيلة حياتي، شعراً أو نثراً، منذ أول نص كتبته لصق سرير أبي المعلول قبل أربعين عاماً، وحتى كتابة هذه السطور في مقهى ضاج قريباً من الهايدبارك.. لا أفكر أين أكتب بقدر ما أفكر ماذا أكتب، وكيف أكتب.. الكتابة عندي انفجار، لحظة حمى، تعرٍ كامل. علاقتي مع الشعر، علاقة يومية وروحية متشابكة.. صار الشعر خوذتي في الحرب، وصلباني في المشتبك، وواحتي في الهجير، ومنفاي في الوطن، ووطني في المنفى..

أمارس كتابة الشعر كما أمارس التنفس، طبيعياً لا تكلفة ولا تعقيداً ولا إفتعالاً. لذلك تراني في الشعر كما أنا في الحياة: قلقاً، هادئاً، مسالماً، محتدماً، ثائراً، متأملاً، حزيناً، فرحاً، كافراً، مؤمناً، متيقناً، شكاكاً، غاضباً، مجنوناً، توّاقاً للحرية، نهماً بتذوق الموسيقى والجمال..

 

- لم يشأ الكثير من الشعراء العراقيين أن يختاروا منفاهم بل التجأوا إليه باعتباره منفذاً أو مهرباً من القمع والكوابيس والضغوطات السياسية والاجتماعية التي تحاصرهم في وطنهم، ألا تعتقد عدنان أن المسألة تجاوزت احتمالات الهرب إلى ما يشبه التيمة القدرية للمثقف العراقي أو لعلها موضة كُرّست اعتباطا أو تواطؤ لا فرق؟

* نعم أشاطرك الرأي في الكثير من هذا،  كأن قدر الشعراء العراقيين أن يموتوا في منافيهم: السياب، الجواهري، البياتي، بلند الحيدري، مصطفى جمال الدين، والخ… والقائمة تطول وتفجع..  لكأن البريكان كان استثناءاً حيث وُجِد مذبوحاً على فراشه، غير بعيد عن مرأى المراكب الغاربة، ونجيع الدم القادم، الذي ذكره الجواهري في أحد أبياته:

      أرى أفقاً من نجيع الدماء  تلوّن وازورتِ الأنجمُ

وغير بعيد عن شهقات السياب على شواطيء الخليج الملتطم، وهو يصيح:

"ما مرّ عام والعراقُ ليس فيه جوع".. كل الطيور المهاجرة تعود إلى أعشاشها في المواسم، إلا الشعراء العراقيون، فأنهم يعيشون في المنفى ويموتون في المنفى قبل أن يطلقون زفيرهم وأغنياتهم الأخيرة هناك، مثل طائر التم، ويهوون إلى الأبد:

"لي بظلِّ النخيلِ بلادٌ مسوّرةٌ بالبنادق

كيف الوصولُ إليها

وقد بعد الدربُ ما بيننا والعتابْ

وكيف أرى الصحبَ

مَنْ غُيّبوا في الزنازين

أو كرّشوا في الموازين

أو سُلّموا للترابْ

انها محنةٌ - بعد عشرين -

أنْ تبصرَ الجسرَ غيرَ الذي قد عبرتَ

السماواتِ غيرَ السماواتِ

والناسَ مسكونةً بالغيابْ"

- انتظريني تحت نصب الحرية، أغنيات على جسر الكوفة، العصافير لا تحب الرصاص، سماء في خوذة، مرايا لشعرها الطويل، غيمة الصمغ، تحت سماء غريبة، خرجت من الحرب سهوا، تكوينات، نشيد أوروك، صراخ بحجم وطن، تأبط منفى و الكتابة بالأظافر.. عدنان، هل يمكن اعتبار كل هذه المجموعات الشعرية ديكورا كافيا لإدانة مسرح الجريمة؟

 * الجريمة أكبر وأشنع يا صديقي فما سرقوا من أعمارنا ووطننا لا يعوض بشيء ولا تكفيه أوراق العالم كلها ولا دموعه. كنت أحاول أن أسجل يوميات الحرب المريرة في دفاتري فأجدها تفيض وتفيض حتى لتغطي سريري ومكتبتي بالنجيع والرماد. كم من الأصدقاء ابتلعتهم سواتر الحرب والمقابر الجماعية.. وكم من الذكريات والأحلام والأيام تسربت من بين أصابعي غير مخلفة سوى مراراتها وحرمانها. كل آهة وكل سطر وكل دمعة وكل صرخة تدين تلك البشاعة ولا تسكت… وتظل تصرخ وتصرخ، كي لا تتكرر المأساة من جديد.. لكنها لا تستطيع أن تعيد شيئاً مما ضاع، وهو كثيرٌ وكثيرٌ وكثيرٌ.. في نصٍ لي كتبته عام 1987 أثناء الحرب أقول فيه:

"مَنْ يلمُّ الشظايا - غداً -

حينما تنتهي الحربُ، مرغمةً؟

مَنْ يعيدُ لأرملةِ الحربِ زهرتَها اليانعةْ؟"

- كتب سعدي يوسف في تعليق على تجربتك: "هناك تمايز أكيد. ثمة جرعة من الحرية، أثرت في الشكل وفي طبيعة المادة الخام. أهي النجاة من الكابوس؟ ربما، لكنها استلزمت التحديق فيه طويلاً.. من موقع الحرية". فهل يحتاج الشاعر أحيانا إلى تبادل الأدوار مع الوحيدة المزدراة، الحرية، و لو افتراضيا لتأثيث الكون الشعري الغير افتراضي؟

* الحرية هي الشرط الأول والأساسي في كل عملية إبداعية. كنا داخل الوطن نراوغ رقيبنا. نحلم بها، نقترب منها بحذر كأننا تقترب من لغم موقوت، لا نعرف بأي لحظة ينفجر بنا، ومع هذا ثمة اغراء لذيذ بالأقتراب  وملامسة هذه الجذوة، الحلم، رغم كل شيء.. ذلك الهاجس وذلك الخوف ظلا ملازمين لي، وللكثيرين غيري، كل تلك السنوات الكالحة والموجعة والمميتة، ونحن نحاول أن نجابه الشراسة والطغيان بالكتابة الإبداعية، لتصبح هي، في الوقت نفسه، ملاذنا ومقصلتنا، خلاصنا ومحنتنا. كنا نحاول أن نؤثث مملكة للجمال فوق تلك الأنقاض، ونفتح كوة للنور داخل زنازيننا الأبدية..

- هل يمكن لمن تأبط منفى في جحيم الأمس أن يتأبط خوذة في صقيع اليوم؟

* لا مفر من أن تواجه معضلتك بدلاً من الفرار منها، سواء في النص أو في الحياة، في الممارسة أو في التفكير. وأي ابتعاد عن ملامسة سخونة الواقع أو صقيعه، هي – باعتقادي - عجز عن الإدراك وقصور في التعبير.

هنا تمنحك الحساسية الشعرية، ان كانت حيّة ومتأصلة لديك، شعوراً حقيقياً بالتواصل والتفاعل مع عصرك وناسك بكل اختلافاتهما وتناقضاتهما.. نعم.. أنا ابن هذا العصر بكل أخطائه وجماله ونزقه. أحاول أن ألملم شظاياه المتناثرة داخل نصي وأن ألم بأحداثه وخفاياه.

- هل يمكن لمن خرج من الحرب سهوا أن يدخل إلى ما يشبه السلم سهوا؟

* في بيروت اكتشفتُ أن أظافري التي طالت طيلة سنوات الحرب والحصار لا تتلاءم واتوكيتات المدينة والعصر. وقد تجرح النساء حين أصافح راحاتهن الناعمة. أول قارئة - وهي شاعرة أيضاً - واجهتني بعد طبع ديواني "نشيد أوروك" صبت جام غضبها على أسلوبي ووقاحتي… عبثاً حاولت إقناعها أنني، وأنني، وأني، لكنها أردفت ببرود جميل: ما يهمني ما مرّ بكَ. أريد شعراً يريح أعصابي. لا يهيجها ويثيرها ويمزقها.. بقيت أياماً أحاول أن أعرف أو أفهم أين أنا من الخارطة الجمالية الجديدة.. وكيف يمكنني أن أعايش هذه العوالم والإيقاعات التي لم ألفها. كنت أشبه بسجين يواجه النور لأول مرة في حياته. خطوات متعثرة، ورأس مكوكي لا يستقر على كتفيَّ.. بقيت أكتب بإرتباك لفترة طويلة وربما لا أزال.. في محاولة لتغيير أدواتي وملابسي.. ثم وفي ظهيرة بيروتية، قبل رحيلي منها باسابيع إلى البلد الإسكندنافي البعيد أيقظني من غفوتي تدحرج نرد وسقوطه على خدي.. كان طفلاي مهند ومثنى يلعبان به لعبة "حية ودرج".. أمسكته بيدي لدقائق طويلة - وسط حيرتهما ودهشتهما وارتباكهما - دون أن يدريا أو أدري أنني أمسكت، في هذه اللحظة، نصي الجديد "نرد النص"!!..

- كتب جمال الغيطاني أن ثمة من اعتبرك جبران جديد، هل هذه ميزة المنافي الشمالية الباردة؟ وهل علينا أبدا أن تُسحب منا استمارات الحرية كي نندفع لوجهة غير معلومة جغرافيا لكنها في النهاية تهدي لنا تاريخا باذخا من الشعر و الأحزان؟

* المنفى تنويع آخر في الكتابة وجدتني ملقىً في هذه المدينة، لوليو، الهادئة الوادعة في جنوب القطب الشمالي، بدرجة حرارة تصل إلى 36 تحت الصفر، وحيث أعلى درجات الهدوء والسلام والرخاء والصقيع والحرية. أنا القادم من لهيب شمس لا ترحم، وحروب لا ترحم، وسلطات لا ترحم، ومحظورات لا ترحم.. كانت تجربة جديدة وفريدة ومدهشة بالمرة. هل أقول دخلتها سهواً، كما خرجتُ من الحرب سهواً.. هذه التجربة الثلجية منحتني أشياء كثيرة وغرائبية كتبتُ بعضها في ديواني "تأبط منفى" ولا زال القسم الأكبر منها مبثوثاً في نصي الذي ما زلت أعمل به "نرد النص"..

- أحيانا يمتلك القارئ شعور بما يشبه الفضيحة  لأن الشاعر يخرجه من مخبأه ليذكره بأنه من عالم يسمى نامياً لا ينمو في كثير من بلدانه إلا على ما يسحق الإنسان ويجعله أقل من جرذ أو خنفساء. فهل يقتصر دور الشاعر عند هذا الحدّ أم أن الأمر لا يتعدّى العلاقة المشبوهة بين الكاتب و المؤسسة الرسمية؟

* الشاعر هو ذلك الطفل الذي صرخ في موكب حفل السلطان: "انظروا! إنه عارٍ..!!" كما تذهب تلك الحكاية الجميلة التي علقتْ في ذاكرتي منذ الصغر.. فهاجت الجموع وإرتبك الموكب وانفضح السلطان وقد انتبه الجميع لتلك الفضيحة التي حاكها نساجان محتالان وتواطأ الجميع على السكوت والتستر عليها. لكن صرخة الطفل المدوية (التي هي صرخة الشاعر) هتكت المسكوت عنه، وفضحت، وما تزال، تلك الحاشية ومؤسساتها وتواطآتها..

 

- كتب الشاعر محمد الدبيسي: "القصيدة هنا تدلف مجاهل السرد، تفضح كمائن اللغة، وكمائن النفس، وكمائن المكان، وكمائن الزمن. عدنان الصائغ يترك نفسه لفضاء الصرخة "صرخة الكون" في نص لا يمكنك إلاّ أن تقرأ..! تمني نفسك بمتعة وقت يدنيك من أسرار العالم وأسرار النفس. يعطيك ألذ ما في الدهشة . فبأي معنى يكون ذلك صحيحا؟

* الجانب الفني مهم جداً في العملية الإبداعية، وهو تلك القدرة الهائلة التي تعتمل في روح النص، وتمنحه سطوة التأثير والإدهاش والسحر والتي بدونها تصبح الكتابة بياناً سياسياً أو سرداً بارداً مهما احتوت من مضامين عالية. نعم، أن الشرط الفني اساس كل عمل خلاق.

-  جاء في تقديم د. عبد العزيز المقالح لأحد كتبك: "إنَّ شعر عدنان خلاصةٌ لجوهرِ الشعرِ في النصفِ الثاني من القرنِ العشرين. هنا البداياتُ وهنا آخرُ الشوطِ، هنا الإحساسُ العميقُ بأهمية ما أنجزته الستينات والسبعينات وهنا الشعور الأعمق بأهمية أن تكتشفَ الكتابة الشعرية الجديدة معناها الأجد وإيقاعها الصوتي الأكثر إيحاءً واندفاعاً نحو عوالم وسماوات لمْ تقتحمْ الكلمةُ الشعريةُ أجواءها المكدرةَ بعد". فهل يجيز لنا هذا المتن  إعلان حالة الموات و الفناء البيولوجي للتجربة الصائغية – طبعا لا يقاس عمر التجربة على هذا النحو – أم هي الإدانة  بالقطع مع التجارب الشعرية العراقية الحديثة، المحدثة؟   

* ما يطمح اليه كل ناقد وقبله كل شاعر هو أن يرى ويتلمس - وسط الركام - عملاً متفرداً وصوتاً متجاوزاً خارج السرب. فالتشابه والتكرار قتل وملل للروح والحس والوعي أيضاً.. وهنا تجد المحاولات المستمرة في كل عصر وجيل ولدى كل مبدع أن يكون متفرداً وجديداً ومتجاوزاً.. وكل عمل يطمح منتجه أن يتخطى به من سبقوه وأن يمتاز ويتمايز عنهم من جهة وعن معاصريه من جهة اخرى.

هل نجحت في ذلك؟

هل أخفقت؟

الجواب لا يجيبه الشاعر مهما كان، بل هو متروك ومفتوح على مصراعيه للنقاد والقراء والذائقة والعصر. لكن يمكنني القول إن ليس في تجربتي أو في تفكيري أي قطيعة مع التجارب الشعرية العراقية والعربية، أو مع التراث.. بل كل ما أطمح إليه هو في إضافة لبنة مكملة أو جديدة لبرج الإبداع الإنساني الجميل والشاهق، الذي أبداً لا يمكن أن يقف على فراغ.

- هل تعتقد إلى الآن، أن القصيدة القصيرة خير مقاس لاستكشاف قدرة الشاعر ونجاحه أو فشله؟

* ليس كل قصيدة طويلة أو قصيرة، موزونة أو نثرية، يمكن أن تنخرط في باب الشعر. أطنان من الدواوين تقرأها ولا تجد فيها شيئاً.. في كل بلد، وفي كل جيل، هناك الآلاف من الشعراء، ولكن الذين يمتلكون القدرة على الإدهاش يُعدّون على أصابع اليد..

لقد أدركتُ وآمنت أن الشاعر الخلاق يحاول أن يختزل الكون في كلمة، في صورة، تحمل هذا السحر والجمال والغرائبية. وكل هذا لا يأتي من فراغ أنه حصيلة التجربة والقراءة والتوهج والذوبان. بالإضافة إلى كل ذلك أجدني أردد دائماً ما قاله الشاعر الفرنسي جان كوكتو: "الشعر ضرورة. وآه لو أعرف لماذا؟"…

وليس عبثاً أن قيل قديماً: "الشعر ديوان العرب" أي انه الديوان الذي حفظ أيامهم وحروبهم وفخرهم وغزلهم والخ والخ وأعتقد أن هذا الدور ما زال قائماً إلى اليوم لكن التسميات اختلفت والوظائف تغيرت والأشكال والإيقاع أيضاً.. فأضيفت إليه ألواناً ومسالك أخرى..  من هنا أرى أيضاً أن دور الشعر الهام ما زال موجوداً في هذا العصر رغم اقتحام الكومبيوتر عصرنا وحياتنا.. بل أن حاجة الإنسان الروحية جعلته بحاجة أكثر إلى الشعر….

- قصيدة النثر صارت لها سلطة و لها حراس مؤسسة بامتياز، ألا تخاف أن تتحول نصوصك أنت نفسها إلى مؤسسة؟

* لا أبداً.. نصوصي هاربة دائماً من السرب والقطيع أو المؤسسات. لا تؤمن بالقوالب ولا الحدود ولا الكليشات أو التقسيمات الجاهزة. إنها تدخل إلى قصيدة النثر وتخرج منها إلى النص المفتوح أو القصيدة الحرة أو العامودية، دون أي صعوبة أو تعقيد.. لم تخضع لقالب معين أو اتجاه محدد.. فالحرية: فكراً، سلوكاً، عملاً، هي الهاجس الأهم في كتاباتي وحياتي.. أهزأ دائماً من حراس قصيدة النثر وسدنتها ومنظريها، مثلما أسخر من القوالب الكونكريتية للقصيدة العمودية وأسلاكها الشائكة.. فالنص المبدع هو النص المبدع، بأي لغة كُتب، وبأي ايقاع، أو لون، أو طريقة.

- هل تعتبر أن جيل الثمانينات الشعري  أقل حظا من جيل ما بعد – الحرب – ؟

* لقد عانى جيلنا الكثير ومرت به التجارب مجتمعةً: الحرب، الحصار، المنفى، الإحتلال، المفخخات، وما بينهم والخ.. وهذه تلاوين واسعة من المآسي أنهكته كثيراً لكنها اعطته اكتنازاً في التجربة قل مثيلها، وزادته انفتاحاً في المضامين وتلوناً في الأشكال وجرأةً في الطرح..

- ألا تعتقد أن الكتابة في المنفى لقراء مجهولين و عنوانين غامضة محاولة يائسة للتعزية الشخصية، أم هي محاولة جادة لتأميم النص الشعري و تدريبه على الطيران في سماء مفترضة لوطن مفترض؟

* من خلال قراءاتي وتجربتي في الكتابة، على مدى ربع قرن، تعلمت شيئاً مهماً أن لم يكن المبدع صادقاً مع نفسه ونصه فهو سيفقد حتماً مصداقيته عند المتلقي.. لقد كتب أوفيد أول شاعر منفي في التاريخ عمليه المدهشين: "مسخ الكائنات" و"فن الهوى"، وهو في عزلته القسرية، في مدينة توميس المهجورة على شاطيء البحر الأسود، لكن عمليه المبدعين ظلا على مدار العقود ونأي الأمكنة، حاضرين في الذاكرة البشرية، أكثر قرباً وتأثيراً والتصاقاً بالروح من آلاف الأعمال الأدبية التي يروج لها منتجوها ليل نهار، يجوبون بها المكتبات والمقاهي والندوات والمهرجات وشاشات التلفزيون.

- تصرّ دائما في تصريحاتك على إعدام فكرة ذكر محمود درويش في حين تسعى بشكل أو بآخر إلى إحضار أدونيس قسرا، لأشبه بطريقة إحضار الأرواح؟

* اسمح لي أن لا أوافقك على هذا فمحمود درويش: قصيدة وفكرة، باق ومتوهج فيهما وبهما، بل لقد خط له في السنوات الأخيرة عبر دواوينه الأخّاذة "الجدار، سرير الغريبة" لماذا تركت الحصان وحيداً.. الخ" مساراً مختلفاً عن التجربة الفلسطينية - العربية، الشعاراتية منها بالأخص… أما أدونيس فهو حاضر في الذاكرة الإنسانية بفكره وبشعره، وإن كنتُ أكثر ميلاً إلى شقه التنظيري منه إلى الشق الشعري رغم أهميته التي لا تُنكر.. لكن تنظيراته وآراءه في الشعر والفكر والحياة تدهشني حقاً..

- هل الحداثة نص أم سلوك؟

يعتقد بعض من أدبائنا أن الفوضى هي المصدر الوحيد للإلهام، وأن تنظيم العمل الكتابي يعد مثلبة على الكاتب أو الشاعر بالأخص. ذلك أن شياطين عبقر تفزعها أجهزة الكمبيوتر الحديثة وأنها لا تستطيع الدخول والعيش في الدسك، مفضلةً التسكع على أرصفة الورق، ربما. غير أن البعض يبالغ في ادعاء العفوية والفوضى واللاتنظيم حتى أنه لا يستطيع الجلوس وراء طاولته والكتابة أبداً دون أن يحس بأيادي شياطين وادي عبقر الخفية تسحبه بهدوء من جهاز التلفزيون أو كرسي الاسترخاء وتحمله بخفة إلى طاولته وتضع بين يديه القلم وتملي عليه. وبغير ذلك فهو لا يكتب… وهكذا استسلم العديد إلى هذه المقولة الكسولة التي أطلقها أحد الشعراء العرب القدامى فجفت قرائحهم من فرط الكسل والتثاؤب.

بل لماذا يصرّ البعض على أن الكاتب العربي لكي يبدع، فأن عليه أن يكون فوضوياً وصعلوكاً متشرداً متسخ الثياب مفلساً لا بيت له ولا طاولة للكتابة. في الوقت الذي نجد فيه بعض الكتاب العرب والغربيين منظمين بشكل صارم، بل أن بعض الغربيين له أكثر من سكرتير أو سكرتيرة.. فالعمل الإبداعي يتطلب الكثير من الجهد والبحث الدؤوب المتواصل، ليلاً ونهاراً، من أجل اجتراح الفكرة وتنظيم العبارة وتكوين النص، بحيث أن الأدباء الكبار الذين قرأنا لهم أهم الأعمال الإبداعية والذين أسسوا لثقافة عصرهم، كانوا يخططون بالأرقام والساعات لأوقات عملهم، لا تأخذهم في ذلك لومة لائم ولا يسمحون لزمنهم أن ينفرط في الثرثرة على مقاعد المقاهي والتجمعات الأدبية أو يفنون عمرهم الإبداعي في التثاؤب، انتظاراً مخدراً لـ "غودوا" الإلهام. لقد عرف عن الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ طقوسه الخاصة التي لا يحيد عنها في العمل الإبداعي وممارسة الكتابة في ساعات معينة من كل يوم وتحديد أوقات سيره للترويض عن نفسه والتقائه بأصدقائه حيث يقول: "لقد تعلمتُ كيف أنظم حياتي، أنني أخرج مبكراً في الصباح وأمشي ساعة يومياً تقريباً ثم أمضي الصباح في مقهى علي بابا لمطالعة الصحف قبل أن أعود إلى البيت وفي المنزل أكتب حتى الثانية عشرة ثم أتغدى وأنام قليلاً وأمضي بقية يومي في القراءة - وهي قراءات متنوعة تشمل الفلسفة والتاريخ والحضارة والأدب والسياسة - وأخيراً أشاهد التلفزيون وغالباً ما أختار فيلماً أجنبياً، وبهذه الوسيلة أقضي أمسياتي لأنني أنام قليلاً.."..

فهو يرى نفسه – كما عبّر – "موظفاً لدى القصة".. راهناً ومكرّساً حياته وجهده لها.. أما الكاتب التركي يشار كمال (الذي وصل إلى السويد قبل فترة ليقيم فيها تاركاً بلاده بعد أن حُكم عليه في تركيا بالسجن لمدة ثمانية عشر شهراً لنشره مقالاً في صحيفة دير شبيغيل يدافع فيه عن حقوق الأكراد) فأنه يؤكد في حوار صحفي أن "من عادتي، أنني أثناء الكتابة، أتوقف عن التدخين، وعن الشرب، وعن أي لهو آخر"..

وحين يسأله الصحفي: "ومتى ترتاح"؟  يجيبه: "بين رواية ورواية. وقد تكون المدة بضعة أشهر أو بضعة أعوام"

وترى الكاتبة الإنكليزية ديان دولت فاير أن من الأفضل تحديد فترات قصيرة منتظمة للكتابة، بدلاً من الفترات غير المتواصلة وغير المحددة. وتنصح الكاتب الشاب بقولها: "إذا أردت إكمال رواية، فأن من الضروري أن تتعود على العمل المنتظم. وأفضل أسلوب عملي لذلك هو أن تحدد مقدار الوقت الذي تستطيع توفيره كل يوم، وأن تختار أكثر الأوقات مناسبة. فإذا قررت، فعليك الالتزام، بأقصى درجات الانضباط.." وذلك ما كان يفعله الكاتب الروسي الكبير تشيخوف الذي عُرف عنه تحديد أوقات كتابته بساعات معينة من كل يوم. ويقول الروائي الإيطالي البرتو مورافيا: "أنا لا أسجل ملاحظات ولا أحتفظ بدفتر ولا أعد عملي في الحقيقة بأي شكل من الأشكال. ويمكن أن أضيف إلى ذلك قولي أيضاً أنني عندما لا أعمل، لا أفكر بعملي أبداً. وعندما أجلس للكتابة – بين التاسعة والثانية عشر كل صباح، إذْ لا أكتب أي سطر بعد الظهر أو الليل أبداً – عندما أجلس إلى المنضدة للكتابة لا أدري أبداً ماذا سيجري حتى أواصل عملي.." إن ما يفعله مورافيا، وغيره، لا يخرج عن دائرة همنغواي، في الالتزام بطقوس الكتابة التي وضعها صاحب "الشيخ والبحر" لنفسه إلى حد أنه كان يشعر لحظة الكتابة أن أصابعه تنتج له كثيراً من تفكيره ومن قصصه ونتاجاته الروائية، حيث تصبح اليد المدرّبة أحياناً بديلاً عن مخيلة الألهام، إذ جاز لنا التعبير.. وهذا ما يؤكده الكاتب الفرنسي جورج سيمنون الذي أنتج حوالي أربعمائة رواية قائلاً: "أنا لا أعرف شيئاً عن الأحداث. عندما أبداً الرواية، لا أضع على الورق إلا أسماء الشخصيات وأعمارهم وعوائلهم.. لا أعرف شيئاً عن الأحداث التي تقع فيما بعد".. ليترك للكتابة وحدها أن تجترح مخيلتها وترسم مدارات الحدث وحبكة الرواية والنهاية أيضاً…  ولا يفوتنا هنا أن نتذكر كلمات مارسيل بروست صاحب الرواية الأطول "البحث عن الزمن المفقود" وهو يقول: "إن الرواية هي نسبة واحد من الألهام إلى 99 من العرق المتصبب"، وهذا ينطبق إلى حد كبير مع مقولة الشاعر الأسباني لوركا الذي يرى أيضاً أن الإلهام الشعري لا يشكل إلا نسبة ضئيلة من العملية الأبداعية مقابل الجهد المضني والمهارة والدربة التي تجترح الموضوعات أحياناً، فيؤكد قائلاً: "الغجر بالنسبة لي مجرد موضوع من موضوعات عديدة للشعر. وبالمهارة نفسها أستطيع أن أكون شاعر إبر الخياطة..". وهذا الاعتراف الخطير من شاعر بثقل لوركا وغنائيته التي سحرت الجميع، يعيدنا إلى ما ذهب إليه همنغواي في شعوره بأن حركة أصابعه هي التي تحركه على الورقة وليس العكس، قالباً نظرية الألهام التي تمسكنا بها طيلة قرون وقرون، رأساً على عقب. وفي حوار مع ماركيز يتطرق محاوره إلى قضية الإلهام حيث يسأله: هل تتفق مع همنغواي أن الإلهام يأتي أثناء الكتابة، فيجيب ماركيز مؤكداً: "نعم الإلهام حسب نظري يأتي أثناء الكتابة فقط.." لكن بعض من أدبائنا الذين انساقوا وراء هذه النظرية الخدّاعة بالغوا في الأمر حتى جاءت نصوصهم ميكانيكية باردة، فهم قد أخذوا الشق الظاهري مما ذهب إليه الرجل وتركوا الشق الباطني المعقد المتشابك بحركته الإبداعية وتكوينه وعناصر نضوجه. حيث لا ينبثق النص من فراغ، ولا تأتي الكتابة من صدفة محضة. "كان عليَّ أن أخضع لنظام شنيع، حتى أنهي نصف صفحة، في ثمانية ساعات. كنتُ أصارع كل كلمة وتنتصر عليَّ الكلمة. غير أني عنيد إلى حد استطعت معه أن أنشر أربعة كتب خلال عشرين عاماً.. يتقدم عملي في الكتاب الذي أولفه ببطء على خلاف الأمر في الكتب السابقة ذلك أن ساعات راحتي قليلة.. لا أتحدث عن الأدب لأنني أجهل ماهيته.." هذا القول لكاتب مهم مثل صاحب "ليس للكولونيل من يكاتبه" و"خريف البطريرك" و"مائة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا"، يكشف عن آلية الكتابة التي أنتجت لنا مثل تلك الأعمال الخالدة وغيرها، وبعد كل ذلك فهو لا يتبجح في الحديث عن معرفته بأسرار العملية الإبداعية وينظّر لها، بل ترك كل ذلك للنقاد وأنشغل بإبداعه منظماً جدول كتابته بشكل صارم. وأعيداً عليك قوله مراتٍ ومرات: "أكتب يومياً وفي الأوقات نفسها: استيقظ في السادسة صباحاً وأقرأ لمدة ساعتين وهي عادة أحتفظ بها على الدوام لأنني لا أجد وقتاً حراً آخر. خلال بقية اليوم أجلس أمام آلة الكتابة في التاسعة صباحاً وهكذا حتى الثانية بعد الظهر وهذا هو منهاج عملي على مدة أيام الأسبوع كافة أي أن أسابيعي لا تتضمن أيام الآحاد المعروفة ويراودني إحساس ثقيل يؤرق ضميري جداً متى ما تخلفت عن هذا المنهاج حتى أنني أشعر بعدم استحقاقي لوجبة الطعام التي أتناولها في ذلك اليوم.." ولو راود هذا الشعور، بعض الأدباء، منا لماتوا جوعاً وعطشاً. لكنهم فضلوا موتاً آخر مكتفين بضبط مواعيدهم في الجلوس المريح على كراسي المطاعم والحانات والمقاهي والوظيفة.. وصرامة ماركيز في جدوله بل وحتى في ارتدائه ثوب العمل أثناء الكتابة، تضعنا أمام حقيقة واحدة لا غير وهي تحويل الكتابة إلى حرفة، كأي حرفة أخرى إذا نظرنا إليها من الجانب النظري الظاهري، لكنها من الجانب المهني الداخلي تخضع - داخل روح الكاتب وعقله ومخيلته - إلى سلسلة طويلة ومعقدة من العمليات الإبداعية. فليس كل من لبس ثياب العمل ودخل ورشة الكتابة، واحترف الجلوس فيها عشر ساعات، سيصبح بين ليلة وضحاها أو بعد عمر، ماركيزاً آخر..

 

* أخيرا.. هل نجوت؟

- الآن، وبعد نجاتي وبقائي على قيد الشعر، أقول: ما الشعر إلا مغامرة كبيرة، به "خرجتُ من الحرب سهواً" عام 1993، وبه نجوتُ من الموت باعجوبة، في مهرجان المربد الثالث عام 2006. فبعد  قراءتي لـ "نصوص مشاكسة قليلاً" ونزولي من المنصة وسط  تصفيق لم أشهد مثله في حياتي.. تقدم إلي أحدهم، من الميلشيات الظلامية المسلحة، بوجه مصفر وبوقاحة، ليبلغني برسالة الموت، لأنني أسأت للدين على حد وصفه وغبائه، مهدداً أياي بقطع لساني، وعلى أثرها – واستجابة لنصيحة الأصدقاء الذين تجمعوا حولي وخبروا تهديداتهم جيداً - غادرتُ المهرجان إلى الكويت، متجهاً إلى لندن حيث أقيم.. لكن هذا لن يوقفني أبداً. سأواصل تحديهم بالكتابة انا الأعزل الذي لا أملك سوى قلمي في غابة من البنادق.. فالرب الذي أعرفه وأحبه غير الرب الذي يقتلون باسمه، ويففخون باسمه، ويلطمون ويتطبرون باسمه.. ويسرقون الناس باسمه،  ويتربعون على المنابر والكراسي باسمه.. إن مشهد الخراب، والمفخخات، والميلشيات، والعمائم، والاحتلال وعصابات النظام البائد، ومخابرات دول الجوار، انتج منظومة اجتماعية وثقافية بائسة بدّلت ممدوحها من الجنرال إلى رجل الدين، ومن المسدس إلى المسبحة أو إليهما معاً.. ومن القائد الضرورة إلى الشيخ - المرجع الضرورة.. وهكذا دواليك.. لقد هالني ما رأيتُ من سيطرة الظلاميين والميلشيات المسلحة تحت غبار من تخلف ديني شنيع وقتل على الهوية الطائفية، يمارسه كلا الطرفين، بالإضافة إلى الفساد والرماد الذي يعم كل شيء.. وجدتُ لزاماً عليَّ كشاعر أن أقول كلمتي، وحصل ما حصل..  أقول هذا وليعلم هؤلاء القتلة الظلاميين المأزومين أن صوت الشعر لن توقفه بنادقهم وسكاكينهم.. ولن تسكته تشويهاتهم.. وكما توقعت فسرعان ما راح أصحاب الضمائر الرخيصة والأقلام الرخيصة، يطلقون اشاعاتهم واكاذيبهم  ليبرروا للقتلة فعلتهم الجبانة، ومنهم أحد الشعراء الأفاقين – يا لخيبة المسعى -  في محاولة يائسة وبائسة لصرف النظر عن واقعة الاعتداء على شاعر.. ساعياً لحرف مسار القضية وحجبها عن الأنظار باثارة الغبار والأقاويل.. وقد رآها وسمع بها كل المشاركين في مهرجان المربد، وصورتها بعض القنوات..كنتُ أخشى - وأنا في  تلك اللحظات الرهيبة –  أن يصدر مثل هذا النقيق بأن الاعتداء تصرف شخصي. وأن يشيعوا عني القول المشين، فيقتلونني مرتين. ولهذا أجدني مضطراً لذكر بعض التفاصيل: وصلتُُ البصرة يوم 11/4 أي قبل بدء المهرجان بأربعة أيام..  ونشرت ذلك بعض الصحف والمواقع المحلية والعربية وأُجريتْ لي عدة مقابلات.. التقيتُ بالكثير من أدبائها ومثقفيها وتجولت في العديد من شوارعها وبقايا مكتباتها وكورنيشها واتحاد أدبائها الذي كنت أبقى فيه أحيانا حتى ساعات منع التجوال..

بدأ المهرجان يوم (15/4) بجلستين صباحية ومسائية..

وفي الأمسية الرابعة (16/4) منه كانت قراءتي.. وكانت الواقعة!

فلماذا انتظر السفاحون.. كل هذا الوقت!؟

ولماذا فوتوا الكثير الكثير من الفرص!؟ وهذه العصابات المجرمة أذكى مما نتصور وأسرع وأدق!! ألم يكن بأمكانهم قتلي من أول يوم أو ثاني أو ثالث أو رابع او خامس.. وكنت في بعض الأحيان أسير لوحدي في الشوارع هائماً مع القصيدة والرماد.. وكنت قبل هذا الوقت قد زرت بغداد ومدينتي الكوفة بعد سقوط الطاغية، لأكثر من أربعين يوماً (19/12/2003 – 1/2/2004) وأقيمت لي ثلاث أمسيات فيه.. إن هذه التشويهات تشبه تلك البيانات التي أطلقها بعض الفاشلين والفاشيين  عام 1997 بعد نيلي جائزة مهرجان الشعر العالمي في روتردام.. وقد تساءل وقتها الكثيرون لماذا انتظروا كل هذا الوقت (4 أعوام) لاصدار بيانهم إذا كان صحيحاً.. وكنتُ قد خرجتُ من الوطن عام 1993 وكتبت ونشرت وسافرتُ واقيمت لي العديد من الأمسيات.. ولأجل القاريء الكريم، رددتُ عليها ببيان ساخر، وحوار طويل، وضحت به كل شيء ورددت على كل افتراءاتهم، وأكدتُ فيه أنني لم أمدح الطاغية بحرف واحد كبعض الذين يشتمونني الآن. ولم أنتمِ لأي حزب داخل الوطن أو خارجه، ولم أخدم النظام يوماً، وإنما خدمتُ الثقافة العراقية، حال المئات من المثقفين العراقيين (وعملي وأرشيفي في العراق وفي المنفى معروف للجميع، اليوم، أو بعد قرن).. أقول كلمتي هذه أمام التاريخ، رداً على الافتراءات التي حاول بها البعض التغظية على الجريمة.. كما أتمنى من أصدقائي الطيبين والمبدعين ومن الجميع، بحب وود، الوقوف بشرف ووعي وضمير، أمام محاولة الاعتداء على الكلمة. وأن يحذروا من الانسياق وراء الغبار الذي تشيعه عصابات القتل وطوائف الجهل والحقد والفشل. وأن لايؤولوا أو يحمّلوا "نصوصي" التي قرأتها أو كلمتي هذه، بأكثر مما فيها..

أخيراً أقول:

الفاشيون

والشعراء المخصيون

يقفون..

على طرفي حبلٍ،

معقودٍ

في عنقي

و&hell

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الشعر | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر