مع الشاعر التونسي محمد علي اليوسفي

كتبهاعتبات/ seuils ، في 9 يونيو 2007 الساعة: 20:33 م

حوار مع الشاعر التونسي

محمد علي اليوسفي

  

حاوره/ وليد الزريبي

العالم كتلة روائية خالصة. قبضة سارد خشنة تنزلق عميقا، على بطنها، لدغدغة صرّة العالم. فعل الطيران لا يعني العلوّ مطلقا.( على نطاق ضيّق، انتفاخ الحكاية سؤال ” شعريّ “، بينما تتدفّق الكلمات من السّقف، حتّى البلل الفاضح). الكسر الخلاسي حشو لغوي ينتهي حتما بعملية قيصرية. التضحية بالأسئلة مطلب إبداعي كشرط حياة النص. الشعر إجهاض دائم، الوردة، المنشق، البيت الكبير، المدائح، شمس القراميد، حافة الأرض، تحت شجرة. القصيدة كأس الحنّاء. الوحام هو النثر. العالم حزمة من الشعر الخالص. صباح يُسمع من بعيد.كعوب عالية تُتمتم باستمرار، لإغاظة العالم. فعل الاستدراج لا يعني الرغبة على الإطلاق. ( على نطاق واسع، انكماش اللحظة كفائض ليلي واسع شأن حبري ناعم، بينما المناقير تنهض متثائبة من خاصرة امرأة مكسورة الليل ). الوقت إسهال لغوي غامض. التكثيف رغبة مشبوهة. القصيدة حرية مشروطة غير معنية بالتباس مفهوم الطيران، بيان عاطفي بحجم القلب. الرواية واقعة الوقائع، انبهار فاضح، متواليات المتن، التحويل قسرا، سقيفة بني سعده، من النهر إلى النهر، الخياطة الصينية الصغيرة، توقيت البنكا، حكاية بحار غريق، مملكة الأخيضر، مدائح النور، خريف البطريرك، ناراياما، مملكة هذا العالم، امرأة سادسة للحواس، ليلة طويلة جدا.. السرد غصن اصطناعي أعزل. الشعر منقار أخضر.هل علينا أن أعبر القلب في هذا الطّريق، حيث سيقان الأمطار المجروحة انقلاب أبديّ؟ أعضّ الأصابع المخمورة.. أصابع عمر الفجر، شماتة الأغاني مدهوسة في الطّريق حتّى الينابيع. أصفّق مع حرّاس اللّيل، مع "امرأة سادسة للحواس"، مع ضفائر الرّيح، ضفائر الظّلال. ضجّة الحلم، لعنة دموع مخترقة ضفافي حتّى الأظافر، مع طفحة من الحزن وغربة الغيم. في النص ثغر الشّموس العطشى في خطواته كسور الذّاكرة. ثمة قباب لم تعرف بعد أجراسها، نوافذ مشرعة أرجأت طفولتها الوارفة، ثمة أرض تصل فجأة حتّى الشوارع. أوّل الفجر قبل أن يورق الندم من أصابعها، متأخرا مثل الخطى، سوف تنحدر الذاكرة ضجة خالصة لا ظلّ لها. خضراء هي الأعشاش، لعنة الحقول فوق أحجارها. لا حلم يفضي إلى الوطن القديم. لا بحر كي تهدأ هذه الخيول فوق النوافذ. لا رماد أو ضفاف.. فقط كان ضحك الأطفال يعلق في صمته غبار المنافي ويغفو حتى النهاية. ومهما يكن من أمر، فإن امتزاج رغباتنا وشغف تماهيها مع تجربة ضيفنا، يعني أننا أمام مشروع إبداعي صدامي، دقيق وحاد. وهكذا فإن نتيجة للهاثنا الناجم عن تسلق الطفولي فينا، لتلك السلالم العالية التي تمنحها الأقمار للمترجم " تفترض احتمال الانزلاقات الصغيرة أو السقوط المدوّي" على حدّ تعبير ضيفنا. وهو ما يتجلى في كتابات محمد علي اليوسفي، وفي روايته (توقيت البنكا) تحديدا، وهي الرواية التي تندفع بوضوح باتجاه الانسلاخ التام عن السائد السردي إلى النثر العالي، التي يتصف بها الكاتب ذاته. غير أن الفارق بين الراوي والمرويّ يظلّ فارقا قائما. وفي مقابل ذلك، نعرض سيرة الرجل:

محمد علي اليوسفي من مواليد مدينة باجة التونسية 3 مارس 1950. درس المرحلتين الابتدائية والثانوية بتونس ثم سافر إلى الشرق العربي حيث أتم دراسته الجامعية في جامعة دمشق وتخرج في قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية. تابع الدراسات العليا في الاختصاص ذاته بالجامعة اللبنانية خلال الحرب الأهلية. وفي الأثناء مارس الترجمة والكتابة والصحافة الثقافية في أبرز الصحف والمجلات السورية واللبنانية والفلسطينية. عاد إلى تونس ليستقر بها بعد عشرين عاما أمضى ثمانية منها في جزيرة قبرص قدم للمكتبة العربية أعمالا أدبية وفكرية وفلسفية وترجمات كثيرة له في الشعر: حافة الأرض، دار الكلمة، بيروت 1988. امرأة سادسة للحواس، دار الطليعة الجديدة، دمشق 1998. ليل الأجداد، وزارة الثقافة السورية، دمشق 1998. وأيضا في الرواية: توقيت البِنْكَا[جائزة الناقد للرواية] رياض الريس للكتب والنشر، لندن 1992. شمس القراميد،[جائزة كومار:الريشة الذهبية] دار الجنوب، تونس 1997. مملكة الأخيْضَر، دار الطليعة الجديدة، دمشق، سوريا 2001. بيروت ونهر الخيانات، دار الفارابي، بيروت 2002.كما أصدر كتاب نقدي: أبجدية الحجارة، بيسان برس، نيقوسيا، قبرص، 1988. من أعماله المترجمة، في الشعر: حرية مشروطة، أوكتافيو باث، الدار العالمية، بيروت 1983. مدائح النور، مختارات من الشعر اليوناني، دار الملتقى، ليماسول، قبرص1994. في الرواية: حكاية بحار غريق، غابرييل غارسيا ماركيز، دار ابن رشد، بيروت 1980. خريف البطريرك، غابرييل غارسيا ماركيز، دار الكلمة بيروت1981. البابا الأخضر، ميغيل أنخل استورياس، دار التنوير، بيروت1981. ناراياما، شيتشيرو فوكازاوا، دار التنوير، بيروت 1982. مملكة هذا العالم، أليخو كاربنتييه، دار الحقائق، بيروت 1982. البيت الكبير، ألفارو سيبيدا ساموديو، دار منارات، عمان 1986. ليلة طويلة جدا، كريستين بروويه، دار الجنوب، تونس 1994. بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة، داي سيجي، المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، 2004. في السيرة ترجم: المنشق، سيرة نيكوس كازنتزاكي بقلم زوجته، دار الآداب، بيروت 1994. في الدراسات: بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية، ماكس هوركهايمر، دار التنوير، بيروت 1981. بلزاك والواقعية الفرنسية، جورج لوكاش، المؤسسة العربية للناشرين المتحدين، تونس 1985. في السينما: الثورة الفرنسية في السينما، المؤسسة العامة للسينما، دمشق، 2003. قرن من السينما الفرنسية، المؤسسة العامة للسينما، دمشق،2005. وله في الرحلات: من تونس إلى القيروان، غي دي موباسان، دار المدى، دمشق، 2004.

1 – هل يمكن للشاعر أن يحقق توازنا إبداعيا حين يمزج في نصه اللعب والتأدب معا، أليس التجريب والسخرية واللاّتوازن هو نطاق منطق اللعب، أليس هو الهامش الشرعي لشعرية قتل وإحياء فكرة الموت، مما يستدعي التخلي عن مطمح كتابة الأدب بأدب، والقطع نهائيا مع القول الشعري الرصين؟

 

* أتساءل بدوري عن مدى صدور ذلك انطلاقا من طبيعة الشخص كإنسان أولا، قبل أن تتوالد عن قلمه ككاتب. هل هي رغبة شخصية تلك المغامرة المتوجهة إلى كسر قواعد الرصانة؟ أسوأ ما يعترضك في هذا المجال وعلى مستوى اللغة العربية تحديدا، هو هذا التلازم الأخلاقي بين الأدب والتأدب. وكنت حكيت لك في مناسبة سابقة عن خصومتي مع جارتي التي طالبتني بضرورة التحلي بأدب أكثر، لأنني ـ كما كانت تعرف من التلفزة على الأقل ـ: أديب! هي نظرة قداسة ربما تأتي في مجملها من قداسة الكتاب والمكتوب في تاريخنا العربي الإسلامي الذي يحتضننا بوصاية مزدوجة تجعلنا ننتج شاعرا اسمه أبو نواس وآخر اسمه أبو العلاء المعري، تماما كما نقرأ عن الممنوعات التي ازدادت اليوم مع تقدم العصر وتأخُّرِنا نحن فيه. والحال أن هتك الممنوعات كان من أعمدة تراثنا: الجنس مثلا، بكل تفرعاته التي تبلغ حد الشذوذ شبه المشرعن! أنا شخصيا مع اللعب باللغة وبالموقف وبالعلاقات التي لا تخلو من مناكفة بين الشخصيات، وصولا إلى تحقيق ما لا يتحقق في الواقع المادي؛ أعني اللعب بالمقدسات ومداعبة صديقنا الموت وما إلى ذلك. لكنني لا أخفيك أمرا: ألجأ إلى الترميز في الغالب حتى لا يحاصرني الجامع الأزهر، أو جامع الزيتونة، أو حتى الدهماء المتسلحة بازدياد المفتيين الفضائيين. ماذا يبقى من الكاتب عندئذ؟ ربما الأسوأ: أن يلعب وحده على الورق، في كتاب قد يصعب على غيره أن يفك رموزه. وهكذا تنكشف اللعبة فخا يرتد على صاحبه! لا بأس، أقول، إذا كانت هناك قلة قليلة داخل القفص نفسه. وإلا فالمطلوب التأدب، وإعادة كتابة المكتوب، والسير ضمن القطيع، وإطاعة أدب الأسلاف، والصورة التي يشكلها المعاصرون عنهم… المعاصرون  الذين تُعدُّ جارتي واحدة منهم. أرأيت كيف أجبت على سؤالك الأول وأنا ألعب؟

 

2 – إذا كانت الكتابة ذاتها، لا بد أن تنطلق من تجربة مما يخضعها لمسألة الزمن، فكيف نقرأ عدة تجارب أدبية تآلفت مع جسد الثقافة العربية لكنها استمدت شرعية استمراريتها من تجارب الآخرين؟

 

* أذهب إلى أن كل تجربة كتابية لا بد لها أن تنطلق انطلاقة ذات بعدين: من تجارب الآخرين والتجربة الشخصية في آن. وما نسمّيه الزمن هو الذي يكشف لاحقا مدى الغلبة لهذا البعد أو ذاك. ثمة من يظل مقلدا طيلة حياته وتجربته، وقد يشغل زمانه بهذه الدرجة أو تلك لكنه يزول في خاتمة المطاف مع زوال حظوته في عصره. الانحطاط لا توصف به القرون وحدها؛ ثمة انحطاط فردي أيضا. التقليد يكون مهمًّا أحيانا عندما يجلب ما كان مفقودا ليشير إلى حضوره في بيئة لا تعرفه. خذ مثلا انطلاق كتّابنا الكبار في بداية القرن العشرين من التقليد للغرب بسبب ما افتقدوا لوجوده في الثقافة العربية: المسرح، الرواية، ثم قصيدة التفعيلة والقصيدة الحرة لاحقا.

 

3 – إذا كان فعل الكتابة هو المختبر الوحيد الذي نعيد فيه تشكيل جيناتنا وتعديلها بما يتلاءم مع رغباتنا المجروحة، وهو الكتلة اللينة التي نشكل بها حياتنا وأحلامنا وشغفنا وإيقاع ارتطام رؤوسنا الأولى بهذه الدائرة، وأن نحيا داخلها ونكبر معها وفيها. فهل يمكن للكاتب أن يضمن، من داخل النص وخارجه، شفافية عملية التبادل بين الواقع وهذا المتخيل ولا يتورط في تشكيل واقع آخر مواز يكون أكثر قسوة، فنخدع أنفسنا أكثر من مرّة؟

 

* هو واقع تراجيدي فعلا. لكن دور الكتابة ليس دائما إعادة إنتاج الواقع. الطوباويون الكبار كانوا كتّابا ومازلنا نعتبرهم كذلك بسبب الهوة التي يعيشها الفرد بين واقعه وحلمه. نحن نؤسس بالكتابة لواقع متخيل، يمكنك أن تسميه عالما وهميا أو موازيا أو مخادعا، لكنه لصيق بطبيعة الكتابة أولا، بل هو لصيق بطبيعة الإنسان بوجه عام. لنترك الكتابة ونتحدث عن الفرد العادي: ألا يؤسّس بدوره، لكن بغير الكتابة، عوالم وهمية موازية؟ ألا يبلغ به الأمر إلى حدّ الانفصام المرضي بين واقعه وأحلامه؟ ربما تفوّقْنا عليه بالعنصر الذي ما زلتُ أصدق أرسطو فيه: الدور التطهيري للكتابة! لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فللكتابة دور تحويلي للذائقة ولقراءة العصر، مع رفضه أو تقبله، أؤمن أن الأدب يتغير ويغير. ولا يكفي أن نحصره في دور تحريضي مباشر.

 

4 – إذا أغرق الشاعر في التأملات الفلسفية بشكل لا واع، هل بإمكانه المراهنة على تجميع تفرعات نصه عند نقطة قد تكون الدهشة وبالتالي التقاطع مع الرؤية؟

 

*هذا شأنه. والعملية معقدة لأنها ذات بعد لغوي لا يستهان به. كيف تكون أثقال النص الجديد خلفه ولا تكون أمامه؟ كيف ينجو من التعثر ويحمل أثقاله الكثيرة؟ لكل ذلك علاقة بالمهارة والموهبة. عناصر كثيرة تتدخل: التلميح، الترميز، السهولة المانحة نفسها بتمنع، الخ…

 

5 – هل صادف أن أقدم اليوسفي على تفتيت كتلة نص شعري كبيرة إلى بذرات صغيرة وتفاصيل وأحداث وأيام، وزرعها في أرض روائية، فصادف أن أثمرت؟

 

* لا أعتقد أن المسألة تتم بهذا الشكل. الشعر قد يفاجئ الرواية أثناء كتابتها وليس قبل ذلك. وصلت في تجربتي الشعرية إلى نوع من السردية العالية التي دفعت بي إلى كتابة الرواية. لم أنطلق مما أسميته " كتلة نص شعري كبيرة " بل من شخصيات وأحداث وتواريخ كانت مخنوقة في القصيدة بسبب الاختزال الذي يتطلبه الشعر. وذلك ما جعلني في النتيجة، وعلى مستوى الشعر، أكثر ميلا للتكثيف والاختزال.

 

6 – " حين أكتب عن طفولتي أعود طفلا، لأكتب برؤية طفل " هل تعتقد أن بإمكان هذا الطفل الشفاء ولو للحظات من كهولة توسّدت ضوء آلاف النوافذ المزروعة في شرفات وساحات الأدب العالمي، وتكشّفت على حشرجات آلاف القلوب المكسورة التي يتدفق نبضها مع كل سطر من سطور الترجمات؟

 

* هي محاولة، على الأقل، أو ادّعاء. وأنا أزعم أن في داخل كل كهل طفلا  قد يكون ذا حضور خفي أو مقموع أو صريح. والإنصات إليه بشكل جيد هو الذي يخفف من وطأة الثقافة والتجربة والوصاية. ولنا في أفلام الكرتون عبرة! لكن الأمر يتوقف أيضا على طريقة مشاهدتنا لها. فلو فاجأنا رجل ناضج، ابن سوق، أو ابن وظيفة محترمة، لعيرنا بهذه " الولدنة"! غير أن سؤالك يظل مريبا وقد يتسبب في سوء فهم أو تفاهم. الطفولة التي أعنيها ليست البراءة! كل طفل يكون مسلحا بقدر عال من الخبث، والتحايل، والذكاء، والدهشة، وحب الظهور، والانتقام، وتكسير الأشياء… وقرص طفلة الجيران. أهم من كل ذلك: الطفل هو أبو الرجل الذي صرته… ألم يكن الطفل في البدء ثم جاء الرجل؟ الطفولة أيضا محاسبة قاسية يقوم بها الطفل لذلك الرجل الذي صاره. انظر ما أبعدنا الآن عن طفولة الأناشيد البريئة! إنها طفولة أخرى لا تخلو من ثراء حققته عبر شرفات العالم تلك. وهي طفولة تنضوي ضمن سؤالك السابق عن العوالم التخييلية الموازية. هنا ينزل طفل ساحر من كوكب غامض ليفاجئك قائلا: من فضلك ارسم لي خروفا! هل سمعت صوته وعرفته؟ نعم إنه هو: الأمير الصغير!

 

7 – هل تجيز لنا وصف الترجمة: بتلك السلالم العالية التي تمنحها الأقمار للمترجم ليطل من علوها على ما يريد؟

 

*تشبيهك جميل لأنه يجمع بين جمالية الترجمة ومصاعبها، أي اللهاث الناجم عن تسلق تلك السلالم مع احتمال الانزلاقات الصغيرة أو السقوط المدوّي.

 

8 – كيف يثق اليوسفي في الذاكرة الجماعية المتوارثة والراسبة لصياغة رواية حية ومتحركة لا تقبل التفتيت؟

 

* بخلق مسافة بين جمود الذاكرة الجماعية والكتابة عنها. بالسخرية الخفية، بالتصديق المتواطئ من أجل الذهاب بالمعطى الموروث إلى منتهاه، إلى عجائبيته. ذلك ما فعلته في مجموعتي الشعرية الأولى " حافة الأرض"، وكذلك في رواية "توقيت البنكا "، وبطريقة أفضل، من وجهة نظري على الأقل، في روايتي "شمس القراميد".

 

9 – قلت مرة " إن الذي يعيش الأشياء من داخلها يكتشف خرابها بطريقة واضحة جدا " ألا تعتقد أن المسافة ضرورية لقياس هزات النص والحفاظ على توازن الأمن الشعري الخاص بعيدا عن الضجيج والطحين والجعجعة؟

 

* نعم بعد المعايشة للخراب عن قرب لا بد لك أن تبتعد عنه وإلا صرت جزءا منه. المهمة ليست سهلة. وهي تتطلب قدرا كبيرا من التضحية بالروح الجماعية المهيمنة في مجال معين. يمكنك الهروب من عزلة الخرفان ورعاتها، إلى عزلة النحل مثلا.

  

10 – " الشعر لا يكتب في لحظة ساخنة أبدا… إن الحب الساخن يحرق القصيدة، تماما مثل الحدث الساخن، ولذلك حين ينهزم الواحد منا في الحب يكتب أجمل القصائد لأن الحب يصير مهددا بالغياب"، فهل علينا أن نسقط دائما لنكتب أدبا واقفا أبدا. وهل علينا أن نموت دائما لننتصر لأدب يحيا أبدا؟

 

*الفشل في الحب مجرد مثال معكوس، والنجاح في الحب وجهه الآخر. والمقصود ليس النجاح أو الفشل، بل البعد، أو تحقيق المسافة بين الحدث الذي هو النجاح أو الفشل، وبين الكتابة. ما أقصده أيضا أن اللحظة الساخنة تولد انفعالا فيزيولوجيًّا وليس فنيًّا. ودور العملية الإبداعية هو تحويل الفيزيولوجي إلى فنّي. لنأخذ موضوعة الجسد في الكتابة مثلا: يتدرج الفن، في التعامل مع الجسد، من التعرية الجزئية والمتدرجة (استعراض العري) إلى الإثارة الإيروسية، وصولا إلى الإباحية (البورنو)… والحال أن دور الفن يكمن في التحويل، وفي إنتاج المعنى الجمالي حتى وإن انطلق من كل تلك الدرجات واستوعبها. والمعنى الجمالي في هذا السياق يتدرج بدوره، ضمن مقولات جمالية مختلفة، ومتقابلة، من "سافو" إلى "المركيز دي ساد"، ومن جمالية القسوة إلى جمالية القبح. ولكن، ما المقصود بإنتاج المعنى الجمالي؟ في ما يخص الجسد، هو ما يبقى من الجسد في الكتابة، في الرسم، وفي الفنون الأخرى، بعد تعريته، وبعد تزاوج جسدين. وإلا كان من الأفضل لكل من الكاتب والرسام والآخرين، أن يتلذذ وحده، بالجسد الذي يعريه وبالأعضاء التي يعددها، كفخ للمراهق، بكل أصنافه وأعماره، عندما يتعلق الأمر بتذوق الفن، وذلك بعيدا عن الادعاء بأنه ينتهك محرّمًا اجتماعيا، يتجاوزه الواقع الليلي(ألف ليلة وليلة!) انتهاكا، وتفوقه نصيحة "إن عصيتم فاستتروا" خيالا! أقاصي الجسد، أغواره، ليست عضوية، بل منتجة للمعاني: معان جمالية، فلسفية، ميتافيزيقية. هي بحث أبدي عن ردم الهوة الأبدية بين الفرد والفرد، وقبل ذلك بين الذات واستمراريتها، بين الجسد وما يقال إنه الروح. والحال أن في الجسد، وتاليا في الجثة، " أكمل تأكيد للروح، تماما كما تكون صرخة الذي يقتل أقصى تأكيد للحياة " كما يقول الكاتب جورج باتاي. أما إذا كانت الأساطير والأديان تؤكد بأن الجسد فانٍ والروح باقية، أي أن الجسد متعارض مع الروح، ففي ذلك أقصى تأكيد لإنتاج المعنى التراجيدي للفن: وحشة الكائن المتجددة.

 

11 – حتى يستطيع الخروج من مأزق الانفعالية، ولكي يقدر على تخليص نصه من العاهات وتشوهات الأجواء الساخنة ماذا يمكن لكاتب كبير أن يكتب؟

 

* يكفي، في نظري، توافر ما ذكرته سابقا من ترك مسافة. الحزن الشديد ينتج نواحا والفرح العارم ينتج مزاحا، وغنائية محتفية بذاتها. يأتي الإنسان إلى الدنيا ليكرر نفسه؛ يسمي ذلك تطورًا، ويُسكن السعادة في الماضي. الإنسان ينظر إلى المستقبل وهو يكبر نحو الماضي. هذا ما أقوله. وترك المسافات هو في المحصلة عمر يجري. ولا نقتنص منه إلا ما يهرب، لكننا نعيش ما لم يهرب بعد وما زلنا نتمسك به. أضف إلى ذلك أن كلّ ما يحدّه الزمن، ينضج، يكتمل، يتخذ شكلاً، ذلك ما يُدعى الاكتمال أيضا لكنه اكتمال المتناهي. ولكي نعود إلى أمثولة الطفل في سؤالك السابق، فإن الطفل يمعن في جغرافية المكان ليصنع الزمن، فيأخذه الزمن كهلاً إلى التاريخ الزمن هو بطل التراجيديات الكبرى دائماً: له الحركة والفعل والانتصار، وكل ما تبقىضحاياه. وما نفعله ككتاب هو نوع من الممانعة المتحصنة بقوة الديمومة التي يتحلى بها الفن.

12 – هل ثمة أفكار إلى اليوم يصدقها اليوسفي الشاعر، رغم قناعاته بكونها لا تتعدّى الوهم المحض؟

 

* لم أعد أصدق إلا الأشياء الشخصية الصغيرة. المشكلة أن كل الأقنعة سقطت. أنا، بل نحن، عراة الآن. ماذا عسانا نصدق؟ ربما نصدق الأمل وحده… الأمل الممزوج بالمرارة. هذا ليس قدرا. بل واقع. وأمر واقع أيضا. إذن من حقنا أن نبدع عوالم نقيضة حتى وإن كانت متخيلة. علينا البدء بالتعرية أولا. على الطفل الذي يسكن فينا أن يتخلص من خوفه ويشير بإصبعه إلى الإمبراطور العاري.

 

13 –  إن تجاهل أنات أجمل الشعر العالمي والتخلص من حزمة تلك الصور التي زينت أروقة البيوت والقرى والأفئدة، ونسيان حمحمات الشخوص وأحوالها في نصك أنت، يبدو ضربا من ضروب المستحيل وهي عملية شبيهة باستئصال ورم مستفحل. كيف تقدر على تغييب كل تلك الجروح والكسور والضحكات المبثوثة في الترجمات التي حولتها، لتكتب نصك الخالص. إن حدث ذلك فنصوصك لن تنجح أبدا في التخلص من إحساس مبهم  باللقاطة واليتم؟

 

* المهمة صعبة فعلا. لكن مع تجاوز مرحلة التلقي السلبي ومع تقدمنا في الخسائر التي نطلق عليها لاحقا اسم التجربة، يصير في مقدورنا التلصص على مجالس الكبار، وربما الاقتراب منهم أكثر بخطوات خجولة، من دون أن يسمعوا حفيف أقدامنا على عتباتهم. ذلك ما أعتقد أنه تحقق ولو نسبيا في رواية "شمس القراميد" كما لاحظ لي الناقد الكبير توفيق بكار في شهادة أعتز بها، لجهة التفرد الذي أوافقك أيضا على تسميته باللقاطة واليتم.

        

14 – إذا كانت الأسطورة تعرقل النص الشعري وتثقله، فكيف نقرأ اليوم ملازمتها المزمنة لقصائد درويش، هل هو الوعي الدرويشي الحاد بضرورة الاستنجاد بها لبروزة الموضوع الشعري؟ أم عجز هذا الأخير وخوفه من التعويل على أسطورته الشخصية؟

 

*الأسطورة في الشعر أسوأ حالا وأصعب نجاحا من الرواية في اتكائها على شخصية تاريخية أو أحداث ناجزة. درويش ذهب إلى الأسطورة بعد تجربتين فاشلتين: الأولى محاولة وصف الدكتاتور، في قصائد لا أدري مصيرها الآن، والثانية تخليه عن محاولة الكتابة الروائية التي استبدلها بكتب نثرية جميلة. وبعد ذلك أغوته الملحمة. وكنت قد لاحظت في كتابات أو قراءات سابقة لأعماله أن الملحمة ليست عملا إراديا، ولها ظروفها التاريخية المعطاة في أزمنة وأمكنة محددة.

 

15 – هل ثمة كتب قادرة على تغيير حياة الكاتب إلى الأبد؟

 

* التغيير بالمعنى الروحي والأدبي نعم. ذلك ما أستطيع قوله عن بعض الأغصان التي تخفي غابة، مثل "فصل في الجحيم" لآرثر رامبو، و"الأمير الصغير" لسانت اكسوبري، وخصوصا ترجمتي لـ "المنشق"، أي سيرة حياة كازنتزاكي التي وضعتها زوجته. عايشت حياته وموته في شهرين. وبين البداية والنهاية لم تكن ثمة سوى خمسمائة صفحة، لم أخرج منها كما كنت، لا ماديا ولا معنويا… وتلك حكاية أخرى، كما يقول أبطال رواياتي دائما…/

 

 

 

 

          

         

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الشعر | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر