مع الشاعر المصري أحمد بخيت

كتبهاعتبات/ seuils ، في 9 يونيو 2007 الساعة: 20:53 م

حوار مع الشاعر المصري

أحمد بخيت

 

حاوره/ وليد الزريبي

… أدخل رهانا نقديا على اسم شاعر شاب سيتألق بوهج مثير للدهشة في دنيا الإبداع، ليصبح شاعر مصر الأول. أنه أحمد بخيت.. الذي تخطى الثلاثين بقليل، وبهر كل من تعامل مع شعره، بقوته، وعرامته، وصدقه.. بنبضه الكلاسيكي الحي وقدرته على إعادة الشباب للقصيدة العربية… إنه وريث المتنبي، والأمل الموعود للشعر الحديث/ د. صلاح فضل.

أحمد بخيت شاعر مصري محدث التقيناه على هامش احتفالية سرت الثقافية التي نظمها مؤخرا مجلس الثقافة العام وكان لنا معه هذا اللقاء..

 

* أحمد بخيت هذا الفتى الأسمر الذي وصل إلى القاهرة مثقلا بالهواجس والخوف والأحلام، هل كان يعلم أن ما ينتظره هناك – داخل الوسط الأدبي – سيجعله يتخلى عن الكثير من القيم؟

 

- في مطلع السبعينات قدمنا إلى القاهرة من صعيد مصر، حمل أبي الصعيد الشجاع في ساعديه القويين وحملته أمي مع صرة ملابسي وبعد أسابيع قليلة حمل أبي حقيبته إلى ليبيا للعمل ليوفر لنا الخبز والكتاب ووجدت الصعيدية الوحيدة الأمية نفسها في صحراء الغربة وحدها وفي حجرها عصافير زغب – هم أنا وإخوتي – فأنشبت أقدامها في الأرض لتتحول إلى شجرة تظللنا وحملت الحقيبة وحدي إلى الأول الإبتدائي ومن اليوم الأول أدركت بفزع أني وحدي لا أب يحرس ولا أخ أكبر ينافخ وليس إلا الكتاب وعليك أن تعرف لتكون وأن تكون صخرة نفسك حيث لا مجال لرفاهية الفشل عليك أن تكون متفوقا حتى الموت إن شئت أن تعيش بكرامتك بين أطفال – حقا – ولكنهم متوحشون أيضا أذا لم تكن جديرا بالحب والاحترام وهكذا تفوقت دراسيا وكان هذا هو الدرس الذي كان علي أن أتذكره مرة أخرى بعد عشرين عاما حين دخلت الحياة الأدبية، يفضل أن يسميه فاروق شوشة اقتحاما. كان علي كما على كل مبدع حقيقي أن يسير ولا يلتفت، يكتب ولا ينتظر، يعمل ولا يأمل إلا في الله وفيما يكتب وأنا وأنا أبتسم حين يلتقيني مثقفون مصريون كبار باحترام وبشاشة مذهلة وكانوا هم أنفسهم من لم يمنحوني دقائق من الاهتمام أو كلمة تشجيع في أول الطريق، لكنني أكن لهم كل مودة فقد علموني بتجاهلهم أن أعرف نفسي وبعدم دعمهم أن أدعم قلبي وبصمتهم أن أجعل كلماتي تصل إلى مسامعهم. ولكن – وللحق – كان هناك حب كبير من الناس ومن بعض المبدعين في كل لحظة من حياتي، دعمني بقوة هائلة للاستمرار.

 

* عندما ينتبه أحد النقاد أو الكتاب ممن يقودون دفة المشهد الأدبي أن هذا الصوت أو ذاك مختلف تبدأ المتاعب، ألا تعتقد أن على المبدع في هذه الحالة ألا يكتفي بالنص فقط وإنما يتماهى مع دوامة النفاق ليستمر؟

 

- رغم أني أعتقد أن حسن الظن في وجود عبقريات كثيرة أمر مفرط في التفائل أو السذاجة مما يعني ضرورة أن تثبت كل موهبة جديدة جدارتها بصبر وقوة ليتم الاعتراف بها لأن الحياة الثقافية كثيرا ما شهدت ولادات باهرة لمواليد أثبت الزمن ضعفهم وهشاشتهم وعدم قدرتهم على الاستمرار في التطور إلا أني أظن – وهذا من سوء الظن الذي أتمنى أن يكون من حسن الظن – أن المجتمع الثقافي العربي عامة وليس المصري خاصة شديد الجبن ويفظل التجاهل والانكار والصمت على التبشير بصوت جديد أو الدعم له فإن نجح يمكن تدارك الأمر بكيل مديح متأخر وإغداق كرم فات أوان ضرورته وإن لم ينجح فقد كفى الصمت – غير المؤمنين – شر المنافسة.

 

 

* ألا تعتقد أن المشهد الأدبي "القاهري" على مرّ التاريخ لم يتخلص من عقدة نبذ الآخر خاصة إذا ما تعلق الأمر بمبدع قادم من الجنوب؟

 

- ذلك يحدث لأن المبدعين الآن يتنافسون على الظهور الإعلامي أو المديح النقدي دون أن ينتبهوا إلى أنه للأسف لم يعد النقد الأدبي في الوطن العربي قادر على إبراز نجوم في الكتابة النقدية، تغيير ووضعية أديب من خانة أديب موهوب إلى خانة اديب موهوب مقروء وإنما الأمر لا يفضي لأكثر من تداول الاسم في الأوساط الثقافية وفي النهاية كل مثقف لا يعتد بآراء غيره ويعتبر نفسه الناقد الأعظم وهو حين يقرأ المبدع يحدد موقفه وفقا لقناعاته إن سلبا أو إيجابا. ولأنني لم أحلم بأن أظهر في الصحف والإعلام فقط بل حلمت بأن أصبح مقروءا فإن النقد العربي بوضعيته الحالية، غياب النقد التطبيقي وتفشي ظاهرة الانتفاه النقدي وهامشية النشاط الثقافي في الحياة المعاصرة جعل حلم النقد اليوم الذي يمهد الطريق للمبدع حلما بعيدا بُعد البوم والغراب عن حلم الغناء.

 

* نلاحظ من خلال ما استمعنا إليه من قصائد أنك تشتغل على خطين فنيين، ففي الوقت الذي تطفح فيه الأسطر بشعرية عالية تحافظ أيضا ببراعة على خط سردي خفي يؤلف بين ما هو داخلي فيك وما هو خارجي فينا، لتخلق حالة من التواطؤ والتوتر عجز الكثير من مدّعي الحداثة على انجازه في نصوصهم؟

 

- أشكر لك رأيك وأتمنى أن أكون جيدا بما يكفي وأحترم إبداعات الآخرين ونجاحاتهم.

 

* هل حدث أن شعر أحمد بخيت – وهو يقرأ أمام الجمهور – برغبة في البكاء؟

 

- كنت حاضرا هنا أنت في سرت عندما ألقيت عن أبي قصيدة قمر جنوبي تذكرت أني كنت أفتقده في القاهرة وأنا طفل وألومه دون قصد على غيابه وأنا هنا الآن أفتقد أولادي تذكرت أنه كان يكدح في العمل مجروح الأبوة يحن إلينا ويحبنا في الغياب أكثر كادت دموعي تسيل وأمسكتها بقوة كي لا يعتقد أحد أني أحاول التأثير على الجمهور وقد شحن هذا صوتي بشجن عميق أظنه وصل للجمهور حتى أن البعض قال لي أنه بكى بالفعل وخفف عني كثيرا قول الكاتب الكبير زكريا تامر أنه نفسه كاد يبكي. ما من كتابة حقيقية لا تصل إلى القلب وفي كل مكان ألقيت فيه شعرت بحب الناس الصادق وارتجفت من الفرح والاحساس بالمسؤولية تجاه الكلمة والناس. أكتب شعري عاري القلب وكثيرا ما أقرأه على الناس عاريا حتى القلب فأشعر بهم ويشعرون بي وتلك هبه الله التي أحمده عليها والذي تعدل عندي وتفوق أعظم الجوائز الأخرى.

 

* كل كاتب كما بين هنري ميلر إنما يعني مركب الإحساس باليتم واللقاطة، إن حدث ذلك فأي مركب تفصح عنه؟

 

 - كل نص جميل يتيم في العالم، حتى يجد كاتبه، لقيطا في الأرض حتى يجد قارئه. الكتابة كفالة الأيتام والقراءة ملجأ اللقطاء وبهذا المعنى تكتمل عائلة الإبداع.

 

* إلى أي مدى يظل كل كاتب عربي حفيد شهرزاد اللسانية؟

 

- شهرزاد الرائعة والموجعة علمتنا أنه لا بد من صوت وأن الإنسان صوت بين صمتين يأتي من الصمت ليعرف ويحكي ويذهب إلى الصمت ليحكي عنه الآخرون، فلا مفر له من مواصلة الافتتان والإبداع وإلا وجد سيف مسرور في عنقه. تبقى ضريبة البوح المتواصل الساحر تستنفذ أعظم طاقات الإنسان ليذهب إلى الغياب تاركا حضوره في ذكرى صوته وحكاياه. اللسان قاتل واللسان منقذ تلك فتنة شهرزاد وفجيعتها ومحنة أحفادها وإرثهم الجميل.

 

* ( الزمن أعظم ناقد في الدنيا، لأنه يفضح الذهب الزائف ويعلي قيمة اللؤلؤ الحرّ ) بأي معنى يكون ذلك صحيحا؟

 

- أنظر إلى فعل الزمن في العطر المعتق والخمر المعتقة وإلى فعله في العظام النخرة. تعرف ما أعني وإليك الذين كتبوا ليسمن لحمهم وشحمهم وتزداد أوسمتهم وملابسهم الأنيقة تعفنوا في قبورهم، والذين أحرقوا أرواحهم عطرا واعتصروا أيامهم خمرا ازداد ما تركوه نفاسة وعظمة وتاريخ الأدب الإنساني شاهد على من ذهبوا لامعين وانتهوا منطفئين ومن عاشوا أقل لمعانا وماتوا فازدادت آثارهم اشعاعا وتألقا.

 

* ( ثمة تجارب شعرية لي قد حرثت أرضا لم تحرثها التجربة النزارية ) ألا تخاف من جمهور نزاري مزروع على امتداد الوطن العربي مما يفسد مشروعك الشعري ويعرقله؟

 

- من يخاف لا يكتب، ومن يكتب ينبغي ألا يخاف إلا من أن ينافق أو يكذب. جمهور نزار عريض وكبير لكن أنا واثق أن جمهور نزار سيحبني أولا لأن شعري يثبت حبي لنزار واحترامي له ويثبت خصوصيتي الإبداعية وقوتي الخاصة التي تؤهلني للبحث كما أهلت خصوصية نزار وقوته الخاصة شعره لحب الجماهير. لا يبقى الشاعر الكبير شاعرا كبيرا ولا يقلل من عظمته لكن الأقزام فقط هم من يتصورون أن اسما عظيما في الماضي يلغي المستقبل واسما جميلا في الحاضر ينفي الميراث الجميل.

 

* هل حدث أن تنازلت عن بعض القناعات ثم ندمت بعد ذلك، خاصة إذا ما أضفنا للسؤال هذا السطر الذي ذكرته في حوار سابق: "لقد كتبت الأغنية لأشتري الحليب لطفلي"؟

 

- لا أزعم أني أقوى من الجبال لكني لم أقدم تنازلات أخجل منها قبلت العمل في الجامعة ولم أكن أحبه لخمس سنوات وكتبت الأغنية لفترة قصيرة في مناخ فني لم أستسغه لكنني صححت موقفي بأسرع من البرق وعدت إلى ميداني. الشعر اختياري الذي لم أحد عنه لأنني أشعر في قرارة نفسي أنه اختياري من بين الكثيرين من أبناء جيلي لأكون واحدا من فرسانه البارزين.

 

* ألا تخيفك فكرة النهايات، فكرة نهاية الكثير من العظماء في العالم: بوشكين، ليرمنتوف، ألان بو، هنري ميشو، السياب، طرفة ابن العبد، ميشيما، أمل دنقل، الشابي، رامبو.. في اعتقادك لماذا يموت هؤلاء قبل الأربعين معظمهم تحت وطأة المرض والخوف والتشرد والحرمان، ألا ينتابك هاجس النهايات أحيانا خاصة وأنك تشبه هؤلاء – على الأقل في اعتقادنا -؟

 

- دائما حتى أنني قررت أنه ما دام لا يمكن هزيمة الموت فعلي أن أتعلم صداقته. أخيرا أكتب سيرة الكائن وأكتب فيه نص الموت الذي ظللت أراوغه وأكتب على استحياء وعن بعد أواجهه الآن عن قرب في نص أتمنى أن أنجزه كما أحلم ليكون كتابة للحياة من أرض الموت. لا بأس بالموت إذا اقتربت من العرفان، فالموت:

يليق بذاته لا زهو فيه

لكي يكفكفه

كمالي حين أعرفه

ونَقصي أن أعرّفه

بسيط، كبّد الدنيا

مشقّة أن تفلسفه.

 

* هل يستطيع المثقف العربي النجاة من السؤال السياسي؟

- أجل بوسع المثقف العربي النجاة من السياسة في اللحظة التي يفتح فيها الباب للضوء العظيم مستقبلا غده في سلام تاركا ورد الحسرة للهالكين وذباب الوهم للواهمين معلنا براءته الكاملة أو خيانته الكاملة. لا نجاة للمثقف الغربي من فضيحة السياسة إلا بالموت وعلى المثقف العربي – مع كامل احترامي لكل أطروحات النقاد الجمالي الخالص والاستعلاء الفكري الرصين واللعب الحرّ – أن يظل ما دام ممتطيا حرفه إما شاهدا في محكمة الإنسانية ضد كل إساءات السياسة وتواطؤات وشهيدا على نبالة القليلين الذين صدقوا الإنسان فيهم وصدّقوه ويعرف المثقف الحر أنه في اللحظة التي يكشف فيها عن محاكمة العالم وسياسته سيبدأ العالم في محاكمة آثاره كل قبح في العالم سيكتب في إرث المثقف شهادة ضده وإلا سيعتبره صديقا هالكا وكل جمال في العالم سيمنحه دمعة مودة على جمال آفل. صدقني لا نجاة لنا إلا بمحاكمة السياسة ثقافيا وإنسانيا في كل لحظة وإلا سيسمح للأنياب الأنيقة أن تلتهم إنسانيتنا في وداعة قاتلة.  

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الشعر | السمات:
  دوّن الإدراج  

5 تعليق على “مع الشاعر المصري أحمد بخيت”

  1. دكتور إبراهيم بن شعبان الأيوبي قال:

    عظيم يابن الحداد

  2. كم أنت رائع يافتى الشعر العربي الأول

  3. بوركت أيها الشاعر النبيل القادم من رحم الإبداع الأصيل ، يا من نسج من خيوط الإبداع عباءة الخلود في دنيا الفن الجميل

  4. إذا كان عالم الشعر ربح شاعرا متفردا فإن النقد خسر ناقدا من طراز خاص

  5. دام شعرك إحساسا صادقا ودام قلمك بالحق ناطقا ، ودمت في دنيا الشعر طودا سامقا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر