مع الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد
كتبهاعتبات/ seuils ، في 9 يونيو 2007 الساعة: 20:55 م
حوار مع الروائي المصري
إبراهيم عبد المجيد

حاوره/ وليد الزريبي
في روايته الأخير " أين تذهب طيور المحيط، من الإسكندرية إلى موسكو " وهو كتاب في أدب الرحلات يطل فيه الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد على المكان والناس، بحيث تأتي لحظة يبدو فيها المكان والناس شيئا واحدا. إنها رحلات تحاول اصطياد ملامح الزمن في بلاد متفرقة، تتحرك فيها تأملات الكاتب الكبير، ودهشته التي لا تنتهي، بحيث لا يجد القارئ فرصة للإفلات من لغة السرد العذبة المتفرجة بالحركة وتجليات المكان ورائحة الزمن. هذا الكتاب إضافة ومساهمة حقيقية في بعث واحد من أعرق أنواع الكتابة العربية وهو أدب الرحلات. إنجاز العرب العظيم في السرد. وهذا الكتاب هو خرزة فاتنة في عقد الكتابة الحداثية عن المكان. إبراهيم عبد المجيد روائي وقاص من مواليد الإسكندرية 1946 عمل مدير الإدارة الثقافة العامة بالثقافة الجماهيرية، وإدارة المسرح بالثقافة الجماهيرية، وإدارة النشر بهيئة الكتاب. من مؤلفاته السردية: البلدة الأخرى، عتبات البهجة، ليلة العشق والدم، الصياد واليمام، بيت الياسمين، المسافات، لا أحد ينام في الإسكندرية، طيور العنبر، أين تذهب طيور المحيط، ترجمت الكثير من أعماله إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية. نال العديد من الجوائز المحلية أهمها: جائزة الدولة للتفوق في الآداب.
* بأي معنى تظل الحكاية هي الفصل والمفصل وهي التي تسود دائما؟
- الحكاية تعود دائما للقص، مهما ابتدع الروائيون، تعود الحكاية وتصبح البطل هذا بالمعنى الشكلي، بالمعنى الموضوعي إن الكتابة نجاة من سيف معلق على رقبتك، فالكاتب يستطيع أن يمارس حريته كما يشاء في الكتابة، وهذا سر استحداث الأشكال الكتابية في بلاد سياسيتها القمع.
* هل تعتقد أن الجيل الأدبي الجديد أكثر حظا من جيلكم؟
_ من هذه الزاوية هو أكثر حظا لأنه لم يعش أحلام كبيرة انتهت إلى خراب، هو في البداية يرى المجتمع مغلق وحياته أهم وهو على حق كبير، من زاوية أخرى لا يبدو الأمر كذلك فهو راض أو لم يرض هو يكتب في ظل هذا الخراب، فأعماله محاصرة إما بنقاد يعيشون على الماضي فيتجاهلونها، وإما بجمهور عف عن القراءة واتجه إلى الميديا، وأيضا يقع عليه نفس الحصار فأعماله لا تنقلها الشاشات كما حدث مع الجيل السابق مثل محفوظ وعبد القدوس ولكن ما يجعله محظوظا جدا أنه لا يبالي؟
* لكن لجيلكم أيضا خسارات تورط فيها عن قصد ودونه جنت على هذا الجيل؟
- أعتقد أنها ليست عاهات، ربما الكثير من أبناء هذا الجيل أصبحوا غرباء في بلدهم لكنهم في النهاية يكتبون، لم يبق لهم إلا الكتابة، البعض لم يستوعب الدرس مثل نجيب سرور لكن البقة تستمر في الكتابة باعتبارها حبل النجاة الأخير؟
* نجيب محفوظ مثلا الذي أضاف للأدب العربي والعالمي البعض يقول أن مقابل هذا العطاء محفوظ تسبب بشكل أو بآخر في بعض النتائج التي حرفت بعض القناعات؟
- بالعكس هو شجرة كبيرة ظهر بعده العديد من الكتاب قدموا الكثير للأدب العربي، الكتاب المجيدين يعرفون أن الحياة تستمر وأن الناس تقرأ، محفوظ هو انفرد بحظ أوفر فقط لأن السينما نشرت أعماله لكن على المستوى الفني هناك أعمال لا تقل قيمة عن أعماله. لكن العصر اختلف لم يعد عصر الكاتب الأوحد بل عصر الكتاب، لكن من حسن حظه أن محفوظ عايش المرحلة الليبرالية فأخذ منها سلوك وقناعات حمته في حياته الأبدية، أهم مظاهرها هو تقبل الأخرين ومن ثمة لم يكن عصبيا في علاقاتها، كان سهلا وبسيطا لم يكن ابن مرحلة شمولية التي لا تسمح بالاختلاف، لذلك عاش بقية حياته هادئا لا يرد على أحد. هذا تكوين المرحلة الليبرالية. كتاب ثورة يوليو حظهم قليل أصيبوا بخيبات كثيرة بسبب السياسة وحتى أعمارهم انتهت مبكرة فأقل عدد منهم لم يصل للخمسين ومات.
* تحصلت على جائزة الدولة للتفوق في الآداب سنة 2003، هل منحوك الجائزة اعترافا بعطاء متواصل دام سنوات كثيرة، أم للتكفير عن ذنب التجاهل، أم هي ثمن سكوت النهائي؟
- بالعكس أنا رأيي حر ومستقل، وأكتب رأيي في أي وقت، الآن أكتب مقال ثابت في جريدة أخبار اليوم وأكتب في العديد من المسائل ولا أحد يشتري أحدا بجائزة؟
* هل للجائزة الأدبية عمر أدبي معين؟
- الجوائز التي تؤثر هي التي تكون في سن مبكر، لكن الجوائز التي تأتي في مرحلة النضج لا تؤثر على الكاتب، لكنها كنوع من العرفان والتقدير، أنا مثلا لما تحصلت على الجائزة الأولى للقصة في الاسكندرية وعمري 23 سنة أعتبرها الأهم، ثم بعدها جائزة نجيب محفوظ في الجامعة الأمريكية.
* السينما في مصر ساهمت بشكل كبير في تصدير النصوص الروائية؟
- السينما والاعلام هما القادران على منح النجومية لأنصاف كتاب، لكن الآن الاعلام أكبر لأن السينما بعيدة عن الاعلام، لا يغرك فالسينما أنجزت عمل أو ثلاثة أعمال أدبية على مدى عشرين سنة أو في صناعة مسلسلات أو في منابر صحفية السينما ابتعدت عن الأدب.
* هل يمكن سحب هذا الكلام على كاتب مثل علاء الأسواني؟
- لا علاء حالة خاصة عمارة يعقوبيان رواية جيدة، أعتقد أنها جديدة مكتوبة بشكل كلاسيكي لكنها تُقرأ، هذاالنوع غير موجود الآن، الرواية العربية قطعت شوط في التجريب، الرواية قرأت قبل السينما، والسينما استفادت من رواية علاء الأسواني لكن هل تكرر ذلك مع روايات أخرى، كانت الرواية قبل السينما مقروءة جيدا. الرواية كانت سهلة لذلك نجحت.
* هل تعتقد أن نجيب محفوظ علّب للسينما - بشكل أو بآخر – الرواية؟
- نجيب محفوظ لم يحدد شكل السينما، كل الأفلام المنجزة كانت سيئة باستثناء الجوع، الستينات كان عصر مختلف، كان اتحاد كتاب السيناريو يحترموا الكتاب الروائي صيري موسى كتب ليحي حقي سيناريو جميل من عيون السينما المصرية، بعض الأفلام أنا أظن أنها عالمية فرواية " شيء من الخوف " من عيون السينما في العالم. كان عصرا مختلفا. الآن وحيد حامد عندما حول رواية عمارة يعقوبيان للسينما يجب أن نرفع له القبعات.
* هل تجاهلت السينما أعمالكم لعدم القدرة على تطويعها للصورة؟
- لا.. بدأت أكتب الآن للتلفزيون لسبب تأخر السيناريست في كتابة روايتي لمدة ستة سنوات. هي تجربة قد أعود إليها ويمكن لا، ثمة اهمال لسنوات طويلة، فقلت لأكتب بنفسي. رواية الصياد واليمام حولها فيلم للسينما السنريست علاء عزان وبيت الياسمن قريبا ستصور، لم يحدث أي اهتنمام بأعمالنا نحن ننشر منذ الستينات، السينما انحدرت من السبعينات. وفي تلك الفترة ظهرت مجموعة من المخرجين الجيدين مثل خيري بشارة وكانت لديهم فكرة المخرج سوبر ستار الذي يؤلف ويخرج.
* اهتمامك بأدب الرحلات هذا المنجز العظيم في السرد العربي، هل من الممكن أن تضيف الكتابة الحداثية لهذا المنجز؟
- يمكن أن أضيف إلى روح المكان، أدب الرحلات القديم كان يهتم بالعادات والتقاليد والغرائب يمكن أن تكون في بلد مثل فرنسا لكنك في مصر، ثمة ثقافة ووعي أكثر، أمجد ناصر قام بتجربة جميلة في هذا المضمار.
* هل يمكن أن يكون كتابك "أين تذهب طيور المحيط" نواة لسيرة ذاتية؟
- ممكن أن تتعرف على روح الكاتب من خلال النص، قد تكون سيرة لو يكتب رحلات حياته لسنوات وممكن أن لا تكون كذلك.
* هل ثمة خيار آخر للكاتب العربي غير الترجمة ليشتهر في العالم؟
- الترجمة هي الطريق الأول لتعريف الآخر بالكتاب العرب، لأن ما يصل للآخر من السياسة العربية أسرع وأكثر، وهو للأسف سيء ويحجب النظرة الموضوعية للانسان العربي، لأن ما يصل هو أن هذه المجتمعات مليئة بالارهاب. السياسة تظهرنا وكأننا غير طبيعين فالترجمة تصلح هذه النظرة، وأن يعرف العالم الحقيقة. كنا مستعمرين ونقرأ لهم كتبهم. الأدب غير السياسة لكن السياية العربية تحجب الأدب، للأسف ستظل الترجمة قليلة بسب السياسة العربية. أما الكتاب الذين يبحثون عن الترجمة هم قليلون.
* هل ثمة كتب قادرة على تغيير حياة الكاتب إلى الأبد؟
- ثمة كتب تغير حياتك الأدبيةن وكتب تسعدك في حياتك الشخصية، وثمة كتب تنقذ من الانتحار. الكتب التي غيرت حياتي كتاب كان اسمه عمالقة الأدب، كتاب أمريكي مترجم في أربعة أجزاء قرأته في سن مبكر، من فصول هذا الكتاب فصل عن أجمل ثلاث جمل كتبت في تاريخ الأدب الانساني، وهي: جملة جينفر زوجة الملك أرثر في القرن الخامس عشر التي كانت تحب قائده العسكري وكيف وجدها دانتي في الجحم وسألها لماذا أغرمت بالقائد وأنت زوجة الملك فقالت له كان يعلمني اللغة اللاتينية وعندما وصل إلى كلمة أحبك، لم نقرأ شيئا ذلك اليوم. بعدها جريت لقراءة الكوميديا الالهية كان عمري خمسة عشر سنة. أما الجملة الثانية فكانت لهملت: البقية هي الصمت. ثم كانت الجملة الثالثة لغوته القائل: أصبحت السماء نظيفة كأنما غسلتها الملائكة بالليل. وهي جملة تلخص العصر الرومنتيكي. وتعلمت أن على الروائي أن يوجز ويكثف رغم طول الرواية. ثم قرأت كتابا آخر أثر في حياتي كنت في ذلك الوقت لم أبلغ العشرين بعد واسمه "ازدواجية الرؤية" قرأته بالانجليزية عن الكتاب الذين أبدعوا في الكثير من المجالات وأدركت أن الكاتب حر وعلى النقاد أن يبينوا ذلك من عدمه. هو حر وله الاختيار. ويظهر ذلك الاختلاف مثال لوحات تشكيلية لهيجو ولوحات تشكيلية لبيرت وسيرة ذاتية لسينورا. رواية كافكا مثلا "القضية" و"الغريب" لألبار كامو ورواية "صحراء التتار" لدينو بازاتي الايطالي، رواية تجد لها آقار كبيرة جدا في قصصي القصيرة وبعض الروائيات. كيف يمر كل ذلك والمكان لا يتحرك، كيف ينتهي عمرك وأنت تنتظر شيء لا يأتي.
* العالم العربي لا يقل غرائبية وسحرية عن أمريكا اللاتينية، مع ذلك يوجد عطب في النص السردي العربي هل هذا العطب في الكاتب أم في الضوء الاعلامي؟
- هو سؤال مهم، العطب الأساسي هو في الجو المحيط بالكاتب، الكاتب ابن مكانه إلى حد كبير ولا بد أن يتمرد على كل شيء ولكن لن ينجو من التابوهات. الواقع أكثر سحرية أو له سحرية خاصة لكن أسهل شيء أن يأتي الاعلام ويفسد ذلك لأنه سطحي، على سبيل المثال رواية "المسافات" رواية سحرية بدأت كتابتها في ماي 1977 قبلها كنت عضو في الحركة السرية لحزب الشيوعي المصري كنت أشعر بضيق نفس لأنني لست في وضعي الطبيعي كاتب فخرجت من الحزب في سنة 1977 وبدأت أكتب عن عمال في السكك الحديد أنا خريج قسم الآداب اختصاص فلسفة وكنت معجب بفكرة الإحيائية وأن هذا الجماد فيه روح وبدأت أكتب بهذه الروح فللمكان ثقافة ولذلك تحركت الرواية بالواقعية السحرية، لم أكن وقتها قد قرأت ماركيز، وظهر ذلك في أكثر من رواية مثل "طيور وعنبر" مثلا وكنت أفرح عندما أتخلص من السياسة، هذا تكويني الشخصي ولا بد من النظر لثقافة الكاتب، كتبت كتاب "غواية الاسكندرية" وهو عبارة عن شهادات: كيف كتبت هذه الأعمال؟
* هل يمكن لكاتب العربي في الظرف الراهن أن يكتب سيرته الذاتية؟
- بالنسبة للعالم العربي هو للاسف أدب مرفوض لأن الذات مرفوضة السبب في التلقي الأخلاقي للكتابة إذا كان الشاعر يحاسب عن قصيدة فكيف عن سيرة. لويس عوض مثلا بصراحته وسهيل ادريس ومحمد شكري قامت الدنيا وقتها. المجتمع العربي مازال غير ناضج بالمرة.
* عانت كثيرا الاسكندرية في الحرب العالمية الثانية وأعتقد أنك عانيت أيضا أثناء لحظات الاستذكار والكتابة في روايتك "لا أحد ينام في الاسكندرية"؟
- الرواية عن الاسكندرية تحت الحرب العالمية الثانية فهي المدينة الوحيدة التي لاقت الويلات في تلك الفترة من دخول الايطاليين فالغارات يومية على الاسكندرية، عانت كثيرا في وقت من الأوقات وفرغت من سكانها. كل القصص التي سمعتها وأنا صغير كانت عن الحرب العالمية الثانية. كنت من طفولتي أكتب هذه الرواية وتذكرت والدي حين كان يقف على سكة الحديد في الحرب، مدينة دفعت ثمن الحرب، والعنوان مستوح من عنوان قصيدة لغارسيا لوركا.
* هل يستطيع المثقف العربي النجاة من السؤال السياسي؟
- الآن لا يستطيع لأن الثقافة تطاردك حتى في خلوتك منذ عام نشرت مقال صغيرا عنوانه "بيت يعني هوم وهوملس يعني بائس " قلت فيه أن البيت هو الذي توجد فيه امرأة تحبك والأجمل أطفال بينكما والأجمل البيت الذي فيه امرأة تحبك وأطفال ونوافذ مفتوحة على الشمس ولكن المثقف حتى لو توفر فيه هذا الشرط فهو يعيش بلا بيت بائس لأنه دائما يفكر في الوطن وفي الأوطان وفي الإنسان في كل مكان فالسياسية تفسد عليه حياته الكلمة هوم بالانجليزية تعني وطن أيضا ربما يكتب عمل أدبي بعيد عن السياسية لكن في حياته العامة سيجد نفسه مجذوبا للسياسة السياسة في الأوطان العربية لا تتيح لك حتى العزلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عالم الرواية | السمات:عالم الرواية
دوّن الإدراج
























