مع الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الرواية

 حوار مع الروائي المصري

إبراهيم عبد المجيد

 

حاوره/ وليد الزريبي

في روايته الأخير " أين تذهب طيور المحيط، من الإسكندرية إلى موسكو " وهو كتاب في أدب الرحلات يطل فيه الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد على المكان والناس، بحيث تأتي لحظة يبدو فيها المكان والناس شيئا واحدا. إنها رحلات تحاول اصطياد ملامح الزمن في بلاد متفرقة، تتحرك فيها تأملات الكاتب الكبير، ودهشته التي لا تنتهي، بحيث لا يجد القارئ فرصة للإفلات من لغة السرد العذبة المتفرجة بالحركة وتجليات المكان ورائحة الزمن. هذا الكتاب إضافة ومساهمة حقيقية في بعث واحد من أعرق أنواع الكتابة العربية وهو أدب الرحلات. إنجاز العرب العظيم في السرد. وهذا الكتاب هو خرزة فاتنة في عقد الكتابة الحداثية عن المكان. إبراهيم عبد المجيد روائي وقاص من مواليد الإسكندرية 1946 عمل مدير الإدارة الثقافة العامة بالثقافة الجماهيرية، وإدارة المسرح بالثقافة الجماهيرية، وإدارة النشر بهيئة الكتاب. من مؤلفاته السردية: البلدة الأخرى، عتبات البهجة، ليلة العشق والدم، الصياد واليمام، بيت الياسمين، المسافات، لا أحد ينام في الإسكندرية، طيور العنبر، أين تذهب طيور المحيط، ترجمت الكثير من أعماله إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية. نال العديد من الجوائز المحلية أهمها: جائزة الدولة للتفوق في الآداب.

 

 * بأي معنى تظل الحكاية هي الفصل والمفصل وهي التي تسود دائما؟

- الحكاية تعود دائما للقص، مهما ابتدع الروائيون، تعود الحكاية وتصبح البطل هذا بالمعنى الشكلي، بالمعنى الموضوعي إن الكتابة نجاة من سيف معلق على رقبتك، فالكاتب يستطيع أن يمارس حريته كما يشاء في الكتابة، وهذا سر استحداث الأشكال الكتابية في بلاد سياسيتها القمع.

 

* هل تعتقد أن الجيل الأدبي الجديد أكثر حظا من جيلكم؟

_ من هذه الزاوية هو أكثر حظا لأنه لم يعش أحلام كبيرة انتهت إلى خراب، هو في البداية يرى المجتمع مغلق وحياته أهم وهو على حق كبير، من زاوية أخرى لا يبدو الأمر كذلك فهو راض أو لم يرض هو يكتب في ظل هذا الخراب، فأعماله محاصرة إما بنقاد يعيشون على الماضي فيتجاهلونها، وإما بجمهور عف عن القراءة واتجه إلى الميديا، وأيضا يقع عليه نفس الحصار فأعماله لا تنقلها الشاشات كما حدث مع الجيل السابق مثل محفوظ وعبد القدوس ولكن ما يجعله محظوظا جدا أنه لا يبالي؟

 

* لكن لجيلكم أيضا خسارات تورط فيها عن قصد ودونه جنت على هذا الجيل؟

- أعتقد أنها ليست عاهات، ربما الكثير من أبناء هذا الجيل أصبحوا غرباء في بلدهم لكنهم في النهاية يكتبون، لم يبق لهم إلا الكتابة، البعض لم يستوعب الدرس مثل نجيب سرور لكن البقة تستمر في الكتابة باعتبارها حبل النجاة الأخير؟

 

* نجيب محفوظ مثلا الذي أضاف للأدب العربي والعالمي البعض يقول أن مقابل هذا العطاء محفوظ تسبب بشكل أو بآخر في بعض النتائج التي حرفت بعض القناعات؟  

- بالعكس هو شجرة كبيرة ظهر بعده العديد من الكتاب قدموا الكثير للأدب العربي، الكتاب المجيدين يعرفون أن الحياة تستمر وأن الناس تقرأ، محفوظ هو انفرد بحظ أوفر فقط لأن السينما نشرت أعماله لكن على المستوى الفني هناك أعمال لا تقل قيمة عن أعماله. لكن العصر اختلف لم يعد عصر الكاتب الأوحد بل عصر الكتاب، لكن من حسن حظه أن محفوظ عايش المرحلة الليبرالية فأخذ منها سلوك وقناعات حمته في حياته الأبدية، أهم مظاهرها هو تقبل الأخرين ومن ثمة لم يكن عصبيا في علاقاتها، كان سهلا وبسيطا لم يكن ابن مرحلة شمولية التي لا تسمح بالاختلاف، لذلك عاش بقية حياته هادئا لا يرد على أحد. هذا تكوين المرحلة الليبرالية. كتاب ثورة يوليو حظهم قليل أصيبوا بخيبات كثيرة بسبب السياسة وحتى أعمارهم انتهت مبكرة فأقل عدد منهم لم يصل للخمسين ومات.

 

 

* تحصلت على جائزة الدولة للتفوق في الآداب سنة 2003، هل منحوك الجائزة اعترافا بعطاء متواصل دام سنوات كثيرة، أم للتكفير عن ذنب التجاهل، أم هي ثمن سكوت النهائي؟

- بالعكس أنا رأيي حر ومستقل، وأكتب رأيي في أي وقت، الآن أكتب مقال ثابت في جريدة أخبار اليوم وأكتب في العديد من المسائل ولا أحد يشتري أحدا بجائزة؟

 

* هل للجائزة الأدبية عمر أدبي معين؟

- الجوائز التي تؤثر هي التي تكون في سن مبكر، لكن الجوائز التي تأتي في مرحلة النضج لا تؤثر على الكاتب، لكنها كنوع من

المزيد


مع الروائية المصرية ميرال الطحاوي

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الرواية

حوار مع الروائية المصرية

ميرال الطحاوي

  

حاورها/ وليد الزريبي

.. في بداية قراءاتي، قرأت كتب الرحلات والتراث العربي، رغم قلة تواجد المكتبات في الريف، لكن والدي كان يقرأ لطه حسين، ونجيب محفوظ، والعقاد، وكنت أقرأها لهم بالتبعية ولم أختر هؤلاء الكتاب بنفسي وقد شكلت هذه النوعية من الكتب حصيلة ثقافية مهمة بالنسبة لي، إلا أنني قرأت الأدب العربي والعالمي فيما بعد وشجعتني دراستي في كلية الآداب على قراءة العديد من الكتب في الأدب العربي والعالمي وبعدها شعرت أنه يمكنني أن أتجرأ على الكتابة، وأعتقد أن أكثر كتاب أثر في هو كتاب "إحياء علوم الدين" لأنه مليء بالقصص ويروى الكثير عن التراث الشعبي والتصوف، هو كتاب ميثولوجي أكثر منه عن معجزات الأولياء، مما كان يحقق لي حالة من الإشباع بالنص المفتوح على أسطورة ذات بعد تصوفي، وكان وقتها النص الصوفي نص معقد يرجع إلى الظروف السياسية. بهذا البوح تبدأ ضيفتنا الروائية المصرية ميرال الطحاوي كلامها معنا، كنا التقيناها على هامش ندوة ثقافية نظمها مجلس الثقافة العام بليبيا، حاولنا استدراج الكاتبة إلى مواضيع عديدة نترك للقارئ لذة تذوقها..

 

* هل نجحت ميرال الطحاوي في نصها على القضاء على الهاجس الإيديولوجي نهائيا كموضوع خارج النسق السياسي؟

 السياسي بمعنى ماذا؟ السياسي هو الاجتماعي، هو الاقتصادي، هو النشرة التي يفتح عليها عينيه في الصباح، هي علاقته بالحياة لكن بالمعنى الاستعمال السياسي يعني استعمال المثقف كغطاء سياسي أو كوسيلة لتقويم بعض الأنظمة، استخدامه سياسيا هذا المرفوض. أنا لا أترفع عنه فكل واحد له وجهة نظره السياسية، ويجب أن يكون لديه ذلك باعتباره مثقفا لكن استعماله في يد بعض الأنظمة والكتابة بدافع سياسي أيديولوجي بحت أصبحت من الأشياء المكروهة والغير محبذة على الأقل في جيلي. أنا أحاول أن أتفاداها، لكن لا نتفادى السياسة ولا يمكن تفاديها في اليومي.

نحن تخلصنا منه كجيل، لسنا أبناء نص إيديولوجي، نحن أبناء نص يومي حياتي، لكن هذا النص يعكس فيه التوعية مفردات سياسية هي فقط في المعالجة، في وجهة النظر. أعتقد أنه ليس تخلص فردي ولا حتى قرار من أي مثقف أو كاتب لكنه في الحقيقة الكتاب السياسي أرهقنا جميعا وكل الأخبية السياسية أرهقتنا والواقع أن النضال العربي أصبح مزري وطغت الفردانية ونحن كمجموعة مثقفين لسنا قادرين على أن نصطلح على مفردات القومية العربية، أبسط المفردات السياسية عجزنا على مناقشتها مع بعضنا البعض فنتفاداها إلى واقع إنساني يعكس بشكل ما، ما هو سياسي. أعتقد أن هذا أعمق..

 

* هذا الجيل الذي تنتمي له ميرال الطحاوي يشكو دائما من الغبن؟

- ربما يكون أحسن حظا، لأنه ليس له آمال كبيرة لتخيب، له آمال خائبة، المحصلة أنه لا يندهش ولا ينزعج ولا يسقط من السماء على الأرض..

 

* لكن الجيل السابق سقط في فخ التغيير السياسي والفكري على كامل الخارطة العربية، لكن الكاتب المصري تحديدا الآن مطروحة عليه أسئلة هي في الحقيقة أعمق من الأسئلة العامة التي كانت تطرح على مثقف السبعينات؟

- من حقه أن يضيف عليها بالطريقة التي تناسبه، تناسب وعيه، تناسب طريقته في التعبير، هي أسئلة مطروحة وليس في مصر فقط، مطروحة في كل العالم يعني المثقف الأمريكي ليست مطروحة عليه أسئلة؟ له أسئلة سياسية مطروحة عليه بالتأكيد، لكن المحصلة كيف سيتعامل الأدب مع النص، فنيا مع معطيات سياسية واجتماعية مطروحة طوال الوقت.

 

* بعض النقاد يؤكد أن ميرال الطحاوي استفادت من زوجها الشاعر أحمد الشهاوي أدبيا، وقدمت نفسها بهذا المعنى أو هذه الصفة؟

- قدمت نفسي بهذه الصفة.. لدي عليها تحفظات، على الأقل كان لدي روايتين قبل أن أتزوج: "الهباء" و" الباذنجانة الزرقاء" وأعتقد أنهما من أشهر أعمالي، أما استفدت منه فأنا استفدت منه، استفدت من علاقته بالحياة وعلاقته بالمثقف واحترامه لوقتي في الآخر المبدع يستفيد من كل المعطيات، استفدت من وجود كتب في البيت، من علاقتي بالمثقف، استفدت من مناخ أكثر رحابة.. أحيانا الكاتب أيضا يستفيد من الأشياء السلبية أكثر من الأشياء الايجابية. أنا استفدت من حياة أسرتي أكثر، كتبت عن البدو وكنت محظوظة أني خلقت في عالم مختلف، استفدت من قسم اللغة العربية لأني درستها ولي معجم عميق، استفدت من تجربتي الدينية لأني كتبت عنها. في النهاية المحصلة أن الكاتب الحقيقي يستفيد من معطياته كلها. وبمعنى آخر لا أعتقد أن كاتب يريد العيش في ظل كاتب آخر حتى لو كان شريكه في الحياة.

 

* أقصد أن علاقتك بأحمد الشهاوي اشترت لك أصوات نقدية؟

- أرجوك نوعية هذه الأسئلة تدفعني للدفاع عن أشياء لا أريد الدفاع عنها. أنا ترجت أعمالي لأربع عشرة لغة كان هو حدث النقد الغربي لترجمتي، أعمال أحمد الشهاوي ليست مترجمة أصلا، أنا أدعى إلى مؤتمرات عالمية هل هو الذي يشتري لي التذاكر؟ في النهاية لما كتب عني في فرنكفورت هل اشترى لي صفحة مثلا أو في واشنطن بوسط..

 

* أنا أتحدث عن الوسط الأدبي في مصر؟

- الوسط الأدبي في مصر جلب لي الكثير من الصداقات والكثير من العداءات أيضا في نفس الوقت لأن أحمد الشهاوي مختلف عليه أيضا وفي النهاية ليس بوسعك أن تقول…. لنتعامل لمرة واحدة مع إبداع المرأة بحياد، لماذا يجب أن يقف وراءها فلان أو علان؟ هو لو كان صديقي كنت أيضا سأتهم به.. أنا أرى أن المسألة سخيفة، هي مسألة أسرية في الآخر، عوض أن نناقش علاقة أسرية لنناقش علاقات قائمة على الانتفاع. بدل أن تتزوج كاتب ثمة من يصادقن كتاب ليكتبوا عنهم.. ثمة كاتبات يدفعن ثمن هذه الكتابة. هذه أشياء وهمية، أنا وأنت نعرف أنها وهمية. يكفي أن بنتا صغيرة جميلة تدخل على أي ناقد ليكتب عنها مطولة، بدل أن يكتب عنها لأجل زوجها.

 

* في رواياتك عملت على مجاورة الواقع الاجتماعي بالنبش فيه من الداخل؟

- أنا أعتقد أن

المزيد


مع الروائية و الناقدة المغربية زهور كرام

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الرواية, عالم النقد

  مع الروائية و الناقدة المغربية زهور كرام

 

 

 

 

    

  حاورها: محمد نجيم-المغرب-

تعتبر الدكتورة زهور كرام من أهم الأصوات الحاضرة بقوة في المشهد الروائي والنقدي المغربي والعربي ، فهي صاحبة الكتب: السرد النسائي العربي " مقاربة في المفهوم والخطاب "، في ضيافة الرقابة، سفر الإنسان ، جسد ومدينة ( رواية ) ، قلادة قرنفل

 ( رواية ) ، بالإضافة إلى مشاركتها في كتب جماعية نذكر منها : الشكل والدلالة : قراءة في الرواية المغربية ، الكتابة النسائية بالمغرب، أدب الطفل والشباب، المرأة والكتابة.  وهي رئيسة وحدة الدكتوراه في الآداب المغاربية المعاصرة بجامعة ابن طفيل: كلية الآداب القنيطرة ، ومنسقة وحدة اللغات والتواصل بمسلك الدراسات العربية بنفس الكلية. تقلدت الدكتورة زهور عدة مناصب عربية وعالمية أهمها : المشرفة العلمية على ورشة الإبداع التاسعة لجائزة الشارقة للإبداع العربي، وعضو اللجنة الاستشارية ولجنة التحكيم  جائزة سلطان العويس الثقافية، وعضو لجنة التحكيم في جائزة الأدباء الشباب لاتحاد كتاب المغرب وعضو المكتب الإداري لكرسي اليونسكو ( المرأة وحقوقها ) بالمغرب. شاركت الدكتورة زهور كرام في عدد من الملتقيات الدولية والعربية   .

قوافل التقت الروائية المغربية والناقدة زهور كرام وكان هذا الحوار:      

                   

 

س1 : ككاتبة  وكامرأة هل تستسغين فكرة التمييز بين الأدب والذكوري والأدب النسائي ؟

ج : الأدب تعبير إنساني.. هذا منطلق موضوعي تحتمه المعرفة الأدبية، لأن العملية الأدبية، تستمد شرعيتها من منطقها الداخلي الذي يجعل من نص ما نصا أدبيا. فهذه مسألة تعد بديهية في النظر إلى الأدب ولهذا، إما أن يكون العمل الأدبي أدبا أو لا، مهما حاولنا دعمه بشروط خارجة عن منطقه التكويني المعرفي-الفني. وهذا دليل على أن العناصر الخارجة عن منطقه قد تسمح باستهلاكه، والتحسيس له وخلق شروط تواصل القراء معه، ولكن لن تخلق أدبيته وإبداعيته.

الانطلاق من هذه القناعة المعرفية يجعلنا نلغي عملية التمييز بين أدب ذكوري وآخر نسائي، من حيث كون النوع أو الجنس لا يمكن أن يحسم في أدبية الأدب.

لكن، بما أن المشهد الثقافي يعرف منذ عقود كثيرة هذا النقاش، بين أدب ذكوري وآخر نسائي، فإن الأمر تطلب وقفة موضوعية عند حيثيات هذا التعبير. لأننا لا يمكن أن نلغي من النقاش ما يتجدد من تعابير ومصطلحات حول العملية الأدبية، لأن نشاط هذه التعابير يُؤثر على بعض التحولات في عملية إدراك النص الأدبي، وهذا في حد ذاته يعتبر مهما لأنه يفتت رتابة ذاكرة القراءة.

هي تعابير باتت تشكل مرجعية للقراءة لهذا لا ينبغي تجاهلها. إنما السؤال هو كيف يتم التعامل معها؟ وهل يتم تجديد تناول العمل الأدبي وفق مرجعية هذه التعابير؟ ثم هل هي تعابير ذات منطلقات نقدية، أي أن السياق النقدي هو الذي بلورها، وصاغها؟. الذي حدث -وما يزال – أن أغلبية القراءات والنقاشات عندما بدأت تحاور شرعية هذا التميز، اعتمدت على مرجعيات خارج أدبية، وفي تناولها لكتابات المرأة انطلقت من السياقات الذهنية والخلفيات الاجتماعية،، التي جعلت المرأة إشكالية تاريخية، والمساطير القانونية غير عادلة، وتسببت في إجحاف التأريخ الأدبي لإنتاجها الرمزي عبر العصور. لعب هذا الثقل الخارج-نصي دورا كبيرا في تأكيد شرعية التمييز، وهذا ما جعل كل ما تكتبه النساء يدخل في كتابة المرأة مهما كانت أدبيتها، مما انعكس على المعرفة النقدية، وخلق قراءات جاءت كردود فعل على وضع المرأة في المشهد الحضاري العام، وانتصرت لما تُنتجه المرأة كيفما كان.

هذه القراءة لا تخدم الأدب، كما لا تخدم المرأة عندما تتعامل مع إنتاجها الرمزي بتعاطف وليس بموضوعية تؤهل خطاب المرأة إلى المنافسة في المشهد الثقافي والمعرفي.

لهذا، أعتبر-انطلاقاً من الدراسات التي قُمتُ بها في هذا الصدد- أن الكتابة النسائية عملية نقدية ذات بُعد إجرائي، لا تدخل في التمييز بين أدب آخر يُنتجه الرجل.  وكتابة المرأة هي تلك الكتابة التي تُغني العملية الأدبية، عندما تمدها بتكوينات معرفية وفنية تدعم منطق الأدب. وهي كتابة لا ترتبط بكل ما تكتبه النساء، ولكن فقط بتلك النصوص التي تُنتج بنائيا، ومعرفيا، دلالات جديدة ومختلفة عن السائد للمفاهيم المتداولة. لأننا عندما نقول كتابة المرأة، ما هي المؤشرات البنائية والأسلوبية واللغوية التي أدت إلى هذا التعبير. ومن ثمة، فالكتابة النسائية هي عملية نقدية ليس  لها علاقة بالمسألة النسائية، قد تستفيد كتابة المرأة من المسألة النسائية، ومن حيث التحسيس بشكل التعبير عند المرأة، ولكن لا يمكن لمطلب نسائي أن يخلق أدبية النص.

منطلقي في الدرس الأدبي النسائي يدخل في إطار النظرية الأدبية، وبالتالي فاقترابي من الموضوع لم يكن بهاجس الدفاع عن المرأة كوني كاتبة، لأن الدفاع عن المرأة له سياقات حقوقية ونضالية مشروعة في مساحاتها المطلبية، وإنما اقترابي كان تأملا في تجربة نص أنتجت بنائيته طريقة مختلفة في التعامل مع السرد. لذلك كانت البداية مع قراءة نصوص كتبتها نساء عربيات. ثم سجلت ملاحظات من وحي قراءتي لتلك النصوص. وهي ملاحظات  بالقياس إلى ذاكرتي المقروئية  للنصوص الروائية العربية بشكل عام. ومن هذه الملاحظات اشتغلت على السرد النسائي العربي، ووصلت إلى استنتاجات جعلتني لا أدخل كل ما كتبته المرأة في مصطلح الكتابة النسائية، وإنما فقط تلك النصوص التي تتوفر على شروط بنائية مغايرة تنتج تداولات غير مألوفة للمفاهيم السائدة. وهو استنتاج نصي وأدبي وبالتالي يُغني العملية النقدية باعتبارها تفكيرا في الأدب، ويرقى بتجربة إبداع المرأة إلى لحظة تطوير آليات التفكير.

س 2 : كيف تجدين الكتابة السردية عموما بالمغرب، مقارنة مع نظيرتها بالمشرق؟  

 

ج: تميز المشهد الأدبي المغربي في مرحلة من المراحل، بتطوير الدرس النقدي الذي استفاد كثيرا من المرجعية الفرنسية، بحكم القرب الجغرافي، والتعليم المزدوج، وأيضا بفضل تطور الخطاب النقدي الفرنسي إلى جانب دور الجامعة المغربية التي انفتحت على ثقافة النقد من خلال تدريس مناهج أدبية حديثة ونقد النقد والرواية، والنصوص الأدبية وتحليل الخطاب وكلها مقررات بيداغوجية ارتقت بالدرس النقدي، سواء كمصطلحات أو خطاب معرفي. في هذا الوقت أيضا كانت الكتابة السردية تشهد تشكلها، وتخلق مسارها، غير أن هذا النشاط النقدي لم يكن يلتفت إليها كثيرا خاصة بحكم الاهتمام بالكتابة المشرقية، والتي اشتغلنا عليها كطلبة كثيرا في الجامعة سواء كمقررات أو كانشغال علمي في البحوث والأطروحات. وهذا ما جعل المشهد الثقافي المغربي يُقدم نفسه للإخوة في المشرق العربي على أساس أنه منتج للنقد أكثر من النص الإبداعي.

كما ساهمت شروط صناعة الكتاب المغربي، في تعميق المسافة بينه وبين القارئ المغربي أو العربي بسبب سوء توزيع الكتاب داخل المغرب وخارجه.

غير أن هذا الوضع بدأت تتجاوزه تجارب النصوص السردية المغربية التي باتت تفرض شروط تلقيها، خاصة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، حيث بداية تراكم النصوص السردية المغربية،والتي بدأت تُلفت الانتباه إلى خصائصها المميزة، والتي تتطلب وقفة نقدية تبحث في مرجعياتها وسياقاتها الفنية. ساعد على ذلك، الاهتمام المتزايد بالنص المغربي داخل البحوث والأطروحات الجامعية، وفي الندوات والملتقيات، وظهور متابعات نقدية للنصوص الروائية في الملاحق الثقافية ونشاط ثقافة ال

المزيد


حِوار مع الروائية الأردنية سميحة خريس

يونيو 1st, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الرواية

حِوار مع الروائية الأردنية سميحة خريس 

 

 

حاورها: كمال الرياحي تونس 

ربّما لم أطلع، باعتباري قارئا مغاربيا، كثيرا على الشّعر الأردني

فباستثناء بعض قصائد المعلّم الأول عرار لم تقع بين يدي أعمال غيره ما عدا ما يجود به بريد الأصدقاء، خلافا للإنتاج السردي الذي قطع الحدود ليكون بين أيدينا، ولا نفشي سرّا إذا ما قلنا إنّ الفضل كل الفضل يعود إلى تلك المجلاّت والدوريّات الأدبيّة الأردنية منها والعربية فقد كان ما نقرأه حول الإبداع السردي الأردني بها هو الخيط الذي نشدّه للبحث عن المصادر، كما ساهمت وزارة الثقافة من خلال سلسلة “مختارات أردنية” وأمانة عمّان الكبرى من نشر وإعادة نشر أعمال الأردنيين السرديّة وإن كانت مسالك التوزيع مازالت متعثّرة.
لقد قرأنا إلى جانب أعمال الرائد غالب هلسا نصوصا لجابر إبراهيم جابر والراحل مؤنس الرزاز وهاشم غرابية وخليل قنديل ومحمود الريماوي ومفلح العدوان وإلياس فركوح ومحمد عبد الله القواسمة ويحي القيسي وجمال أبو حمدان وهزاع البراري ورمضان الرواشدة ومصطفى صالح وإنصاف قلعجي وعبد السلام العجيلي وسامية عطعوط… إلخ.
وعرفنا من بين من عرفنا قاصة وروائيّة نهضت أعمالها السرديّة على قدر كبير من الحرفيّة والشعريّة. قال عنها النّاقد والروائي السوري نبيل سليمان أنها “تنسج الأصوات واللغات، مولّهة بسرديّة لا يمكن أن يكتبها إلاّ لعب الأنثى الفاتن، وخبرتها المعمّقة بالكتابة والمكتوب” وهي التي شبّه خليفة الخياري أسلوبها في “شجرة الفهود” بأسلوب فلوبار في رائعته “مدام بوفاري”، وذهب يوسف أبو لوز إلى أنهّا كانت في روايتها “تضرب النصّ الروائي الأردنيّ أو بالأحرى تهزّه هزّا، هي كاتبة ذات قدرة عالية على مسك النصّ والمكان والتاريخ والذاكرة حيث ينصهر كل ذلك في عمل روائيّ مدهش”. وهي التي وصف “صحنها” د. نضال الصالح بأنه إضافة مهمّة إلى المكتبة الروائيّة العربيّة (عمّان عدد 99) وهو نفس النصّ الروائي الذي قدّمه إبراهيم جابر إبراهيم قائلا : “والذي فاجأني أنني حين حملت الكتاب بيدي لأقرأه، لم أرخه من كفّي طيلة ساعات أربع، حتى حين كنت أشعل سجائري، كنت أستخدم كفّي اليسرى وحدها”، وقد ظلّت شخصياتها الورقيّة تلبسه وتأسره حتى بعد الفراغ من قراءتها فسرقت من جفونه النعاس وأكّدت له أنّها رواية استثنائية فرأى فيها “رواية اللغة” و”رواية نقض المسلمات” ورواية “ضدّ قوننة المشاعر” و”رواية مجدّدة” و”رواية اللغة الصاعدة إلى ذروة الشعر” (عمان عدد 97).
إنّها سميحة خريس صاحبة : “مع الأرض” و”أوركسترا” و”رحلتي” و”المدّ” و”شجرة الفهود : تقاسيم الحياة” و”شجرة الفهود : تقاسيم العشق” و”القرمية” و”خشخاش” و”الصحن” و”دفاتر الطوفان”، وهي التي نزلت ضيفة على هذا الحوار الذي طارت أسئلته من البحر الأبيض المتوسط نحو البحر الميّت لتعود محمّلة أجوبة كلّها تدفّقا ووعيا وحياة.
وفي هذا اللقاء تتحدّث سميحة خريس عن طفولتها وبداية علاقتها بالحبر والقرطاس وتكشف أسرار الكتابة ورحلتها مع القصة القصيرة والرواية، وفي الحوار حديث عميق حول الميتاقص Mitafiction وكيف تحوّلت الكتابة إلى مادّة كتابة في روايتها “خشخاش” فترى سميحة خريس أن هذا الشكل من الكتابة لن يؤمّن وحده الطريق أمام الرواية حتى تحقّق حداثتها.
وتأخذنا أجنحة الحوار نحو عوالم فان كوخ لنتوقّف عند لوحته “الخشخاش” فتحملنا بدورها إلى سرّ تلك النبتة المجنونة الملعونة. وغير بعيد عن جنون النبتة تسحبنا الأسئلة إلى ألعاب سميحة خريس السردية في مواقعتها للقارئ الذي عادة ما تُدخِلهُ نصوصها في حيرة التساؤل عن وجه الكاتبة بين وجوه أبطالها. هذه الكاتبة التي تعشق لعبة “الأستغماية”. في الحوار، أيضا، حديث عن توظيف التاريخ روائيا وشعرية الرواية وبراءة الرواية من “مقتل” الشعر أو نكسته، وفيه قول عن الحواس وحضورها في أعمالها وحضور نص الآخر فيها. كما يعرّج الحوار على رحلة نص سميحة خريس مع الرقابة وعن انهيار ثقافة المركز وواقع القراءة… فشدّوا أحزمتكم للإقلاع نحو فضاءات البوح لمواجهة أحد نوارس الرواية الأردنية المعاصرة.

 البدايات ؟ وهل أجمل من البدايات ؟! كيف كانت الارتماءة الأولى في يم الكتابة ؟

 كانت الكتابة الأولى عقابا يوقعه بنا، أنا وأخوتي، خالي الذي يمتلك مزرعة للزيتون والفاكهة، ولما كنا مشاغبين نقطف الفاكهة بما يفوق احتياجاتنا ثم ندفنها في الأرض هربا من التأنيب فإنه يجلسنا ويضع بين أيدينا أقلاما وأوراقا، ثم يطالبنا بنسخ الصحيفة، كانت أناملنا تتعب ولكني أنا شخصيا شعرت بمتعة ما يخطه القلم، من هذا العقاب المبكّر إلى شعوري بالرغبة الملحّة للتعبير عن الكون المدهش رحت أكتب قصائد مضحكة، وكثيرا ما أقف لإلقائها بين الأهل والصحاب، وأحتاج الوقت إلى أعوام لأدرك أني شاعرة فاشلة ولكنّي عثرت على دربي في المدرسة حين راح كل موضوع للتعبير يتحول من فكرة إلى قصة، قالت لي المعلمة، هذا ليس موضوع تعبير، أنت حكواتية، وشعرت بالإطراء وإن كانت تقصد عكسه، بدأت أدرك أن للعالم آفاق أوسع عبر الكتابة… وهكذا كان، صرت على حد تعبير أمي “بياعة حكي”.

 طفولة سميحة خريس، الطفلة والمكان والزمان والمحيط العائلي والاجتماعي ؟

 رأت الطفلة النور مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان من الأجدر كامرأة أن أخفي عمري، ولكني أشعر بأن كل لحظة تتراكم فيه تزيدني وتضيف لي فلا أنكرها، ولدت ابنة لرجل ينحدر من عائلة ريفية من مدينة “أربد” حيث سهول القمح وأم متعلّمة تنحدر من عائلة أرستقراطية أقرب إلى الإقطاعية، من جبال السلط، ولكني ولدت منقطعة عن البدايات، إذ سكن أبي موظفا بسيطا في مدينة عمان، لتشهد منطقة المحطة مولدي، الابنة الثانية للأسرة بعد صبي ذكر، وليتبعني صبي آخر وبنت أخيرة، معظم طفولتي قضيتها في عمّان، ولكني تنقلت بحرية بين مزارع جدي لأبي في “أربد” ومزارع جدي لأمي في السلط، ازددت التصاقا بالطبيعة، في السابعة من عمري تعرّفت إلى البحر، ارتحل أبي معارا إلى حكومة قطر، وذهبنا معه، لم يكن لقائي بالبحر دون معنى، لقد تغيّرت حياتنا من أسرة في ظروف صعبة إلى أسرة متوسطة تستمتع بالحياة، عشت سبع سنوات في الدوحة لأعود إلى عمان، ويبدو أن أمر الاستقرار كان بعيد المنال، فوالدي بدأ يحظى بفرص عمل جيدة، ورحنا نتنقّل معه، عمل وزيرا، ثم سفيرا، هكذا دخلت الصبا وأنا أرتحل من مدينة إلى مدينة، زرت جنيف وباريس، وسياتل، وعشت في الخرطوم والقاهرة وأبو ظبي، ثم تزوّجت وأنجبت بنتين وعملت في الصحافة، وهي خيار قديم ربما ذهبت إليه اعتقادا مني أنه يقربني إلى الكتابة كعمل إبداعي، عشت في دولة الإمارات لستّة عشر عاما عملت فيها في صحيفة الاتحاد محررة ثقافية، ثم عدت إلى عمّان لأستقرّ فيها، وعملت في صحيفة الرأي مديرة تحرير للثقافة، وحاليا أعمل منسقة التأهيل والتدريب في مركز دراسات الرأي التابع للمؤسسة الصحفية الأردنية، أعيش حياة حالفة بالعمل، أشتهي الكسل أحيانا ولكني لا أقوى عليه، أدور النهار كله مثل النحلة حتى أن البعض يعجبون من الوقت الذي أجده لكتابة الروايات، ولكني أنظم أوقاتي بما يمكن.

 تفصل بين المجموعة القصصية الأولى “مع الأرض” والمجموعة الثانية “أوركسترا” قرابة عشرين عاما، ما هي علاقة سميحة خريس بهذا الجنس الأدبي ؟

 كتبت “مع الأرض” وأنا على مقاعد الدراسة، وأصدرتها في السنة الجامعية الثالثة، لعلّ القصة القصيرة أسلمتني مفاتيح السرد، حين كنت أحول دروس التعبير إلى قصص، وأتلمّس العالم عبر الحكايات، ولكني جنحت سريعا ومبكرا إلى عالم الرواية، وإن كانت القصة كثيرا ما تتسلّل نحوي، نشرت خلال أعوام قصصا كثيرة تناثرت في الصحف، وقد ضاع معظمها إذ لم أجمعها في كتاب، ثم في مرحلة استراحة بين عملين لملمت قصص “أوركسترا” وأودعتها كتابا مطبوعا، في الواقع أشعر أن القصة زائرة حبيبة، تأتي أحيانا وتغيب مطولا، كأنها فتافيت تتناثر من معطف الرواية، ذلك أن الرواية لها جبروت وسيطرة بحيث تأخذ بمجمع أعصاب الكاتب ولا تترك له مجالا للذهاب إلى غيرها، كثيرا ما تراودني القصة فكرة وموضوعا وومضة حارقة، لكني أجد نفسي أستثمر تلك البارقة لأوظفها في نسيج النص الروائي، لعلي بطبيعة أفكاري التي تتناسل من بعضها لا أصلح للقصّة دون أن أبسطها على مسرح الرواية.

 الميتاقص، أو الميتارواية كما يسميها سعيد يقطين، هذه الكتابة النرسيسة – الرواية التي تكتب ذاتها، مسائلة، مهددة، هاتكة لأسرار كتابها فاضحة سترها، هل هي سبيل لحداثة الرواية العربية وإنقاذها من عباءات الكتابات الناسخة ؟

 الرواية التي تكتب ذاتها أمر اكتشفه وأنا أمسك بالقلم، يبدو كلام الأديب مجانيا أو استعراضيا عندما يقول أن هناك أفكار تنثال رغما عنه، وأن الكتابة تستخدمه لكشف أغوار الحياة، ولكني جربت مثل هذه الحالات، ربما في “خشخاش” و”الصحن” تحديدا، حين كانت الأفكار والأحداث، بل وحتى الأفكار المسبّقة تتوارى لتفسح لفيض غامض من المشاعر والرؤى، وفي “خشخاش” كان هناك فضح جزئي لأسرار الكتابة، ولكني أعترف اليوم أني حاولت السيطرة على المكتوب، ويا ليتني لم أفعل، ربما مازال هناك حريق داخلي هو بعض حريق الحياة يبحث عن فرصته ليتجلى ويبرز ويهز شجرة الحياة فاضحا سرها، ولكني ورغم إدراكي لأهمية هذا النوع من الكتابات التي تساهم فيها الروح أبعد مما تساهم الحرفية الواعية لا أستطيع أن أراهن أن مثل هذه الأعمال هي السبيل الوحيد للحداثة، ولا أظنّ أن الرواية يمكن أن تحقق حداثتها دون الحوار المتكامل بين مجمع أشكال كتابة الرواية الحديثة، والتي بالطبع لن تلغي ما سبقها، سيظلّ للإنجاز البشري حضوره التام في مختلف التنازلات، ربما لهذا أجدني ألعب لعبة خطرة حين أجمع بين غلافين شيئا من العقل والجنون، شيئا من الحداثة ممزوجا بقدر لا يستهان به من الواقعيّة، وأحيانا الفنتازيا، أحاول أن أكون خريطة للإنجاز الإبداعي، أتلمّس بوله مواقع الجمال في كل كتابة من مختلف الصنوف.

 من يقرأ روايتك “خشخاش” لا يمكنه إلا أن يتورّط في رحلة من الدهشة من أول سطر إلى آخر كلمة فيها، فعلى امتداد الرواية يشعر القارئ أنه في رفقة نص مختلف، كيف أمكن أن تبني رواية انطلاقا من زهرة بريّة مشبوهة، زهرة كان قد كرمها فان كوخ بلوحة زيتية ؟ هل الرواية عندك حكاية التفاصيل الصغيرة ؟

 كنت أقول أن القصة القصيرة تأتي من التماعة صغيرة، من رحيق عابر، من تفصيلة أصغر من أن تلحظ، وأن الرواية هي البناء الموازي للحياة، ذلك البناء الذي ينتظم الأحداث الكبيرة، من المواقف الفاعلة، والانقلابات والانزياحات التي تشبه الزلازل، ولكني أثناء الحياكة لهذا العالم، أكتشف أن لا وجود للحياة الكبيرة دون التفاصيل، تلك التي تنتظم بعبقريتها الخاصة لتشكل الصورة الكلية، تماما مثل قطع الفسيفساء الملونة الصغيرة التي تتمتع كل قطعة منها بخصوصيتها وفرادتها، وتمتلك روحها، ولكنها تصير جزءا رئيسيا في اللوحة الأكبر، لا يمكن رف

المزيد


حوار مع الروائي المصري يوسف القعيد

مايو 31st, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الرواية

 حوار مع الروائي المصري يوسف القعيد

 

 

 

 

وليد الزريبي

 * هل يستطيع المثقف العربي النجاة من السؤال السياسي؟

- لا.. إطلاقا سواء باعتباره إنسانا عربيا، أو باعتباره مثقفا عربيا، لا ينجو أبدا من الغرق في تفاصيل السياسية. وأنا أصاب بانزعاج شديد لأن معظم الكتاب الجدد في مصر يفتخرون بأنهم لا علاقة لهم بالسياسة إطلاقا، ويعلنون أن هذا شأن السياسيين وليس شأن المثقفين، وبالتالي لا علاقة لهم ولا اهتمام لهم بالسياسة، مع أنه – في تصوري – أن تعريف المثقف هو الإنسان الذي يتعدى إدراكه مشاكله الشخصية، يعني يكون مرشحا ليشعر بمشاكل الآخرين ويحس بهمومهم وبآلامهم ويعبر عنها وينفعل بها ويعتبرها همومه حتى لو لم يكن يعاني منها، هذا هو التعريف البسيط لكلمة مثقف، ومن لا يفعل هذا يفقد شرط من شروط أن يكون مثقفا. 

* لو حدث أن تورط المثقف، هل يمكن للنص أن ينجو؟

- أنا أيضا معترض عن كلمة "التورط" والنص لا بد أن ينجو إذا كان صاحبه يريد له أن يبقى، لأن الكتابة الآنية لا يبقى منها شيء، وربما يُغتفر للشاعر أن يتابع حدث آني بقصيدة شعرية، ليس لمذبحة دمشق التي كتب عنها أحمد شوقي، ولا الحرب اليابانية التي كتب عنها حافظ إبراهيم، لكن في كتابة النص الروائي لا بد أن يستند إلى شيء باق، شيء يبقى مع الزمن، حتى عندما يقرأ هذا النص شخص لم يعاصر هذا الواقع يستطيع أن يصل إلى النص بسهولة، أو شخص بعيد عن المكان الذي تمت فيه كتابة هذا النص. الكتابة شرطها الجوهري يتأتى من تحقق شكلها الفني، وليس لأنها تحتوي على هذا الهم أو ذاك. 

* عندما حصل ماركيز على نوبل سنة 1984 صرح بأنه أخذ منجزات القص من ألف ليلة وليلة وأنه لولا قراءته لها، ما كان قد أنجز ما أنجز. بعدها مباشرة تفطن جيلكم الذي كان مفتونا بالسطح إلى عمق هذا التراث، لكن للأسف عن طريق وساطة، فهل يحتاج كل جيل أدبي إلى كاتب مثل ماركيز ليهديه شهرزاده؟ 

- أنا أريد أن أحكي لك شيئا قبل أن نتحدث عن شهرزاد، عندما كتبت رواياتي الأولى في منتصف الستينات من القرن الماضي، كنا جميعا نفخر بأننا قرأنا البحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست ويولي لجوليس، ونعتبر أن قراءة هذين العملين هي جواز المرور إلى الكتابة الروائية، لكن بعد نكسة يوليو 1967، النكسة المدوية التي حدثت، حدث نوع من العودة إلى التراث كنوع من البحث عن أركان الذات وعن أشياء نستند إليها في معركتنا مع العدو الصهيوني، وفي هذه الأثناء أعدنا اكتشاف تراثنا، وأنا شخصيا اكتشفت في تراثنا سرد وحكي متقدم على الغرب نفسه يغني، فلو قرأت القرآن بعين الفنان ستكتشف أن في سورة يوسف وفي سورة مريم كل منجزات القص الحديثة التي جاءت من الغرب، المونولوج الداخلي، الجملة الاعتراضية، ضمير الغائب، ضمير المتكلم، ضمير المخاطب، ففي سورة يوسف تتجلى كل هذه الأشكال الفنية التي جاءت لنا من الغرب وسعدنا بها جدا، وأريد أن أقول أيضا أنه في سنة 1984 عندما حصل ماركيز على جائزة نوبل وصرح علنا أنه أخذ منجزات القص من ألف ليلة وليلة وأنه لولا قراءته لها مترجمة إلى لغته التي يقرأ بها، ما كان قد أنجز ما أنجز وأن الواقعية السحرية التي قدمها نابعة من ألف ليلة وليلة، هذا الكلام دفع أجيالا جاءت بعدنا لقراءة ألف ليلة وليلة، وأنا آسف لأننا عرفنا هذا التراث عن طريق الغرب، ويجب أن نعترف أيضا بحادثة أخرى مؤلمة، وهي أن ألف ليلة وليلة نشرت بالفرنسية قبل أن تنشر بالعربية، وأن نشرها العربي جاء بعد اكتشاف النص وترجمته إلى اللغة الفرنسية، لكننا جميعا أحفاد شهرزاد، والارتباط بتراثنا مهم جدا في أن نجد لغة قص عربية ونكهة عربية في القص والحكي وكتابة الرواية. 

* تعتبر أن هذا الجيل الجديد أكثر حظا منكم؟

 - لا.. أنا مختلف معك، هو أتعس حظا منا، أنا عندي ابن اسمه أحمد يدرس دراسات عليا في كندا، أنا أنظر إليه بإشفاق، الكتاب الذين جاؤوا بعدنا لن يكونوا أسعد حظا منا، نحن مررنا بخيبات وويلات لكن ما ينتظرهم مجهول، لا أدري إلى أين يمكن أن يقود الأشياء، يعني المدونات على الإنترنت خطر يهدد الكتاب، وضع الكتب على الإنترنت خطر يهدد الكتاب المقروء، هذا الإعلام الرهيب وهذه الفضائيات الرهيبة التي تملأ السماء العربية لا تخدم الثقافة، لكنها تشكل خطرا حقيقيا عليها، أنا لا أعرف شكل المستقبل الآتي، لكني أعتقد أن الوجدان، الكتابة والمعاني المجردة التي جرينا وراءها وحلمنا بها معرضة للخصخصة، وبالتالي أنا أعتقد أنه ينتظرهم مستقبل قد يكون ما عشناه نحن بويلاته وآلامه أفضل بكثير من الآتي. 

* هل المستقبل للرواية، وما رأيك في مقولة "الرواية ديوان العرب"؟

- أنا موافق جدا على هذا الكلام، أنا أريد أن أقول أن الرواية ديوان العالم وليس العرب فقط، بمعنى أن أكثر الكتب نشرا وقراءة هي النص الروائي، ليس لأني روائي ولكن عندما أعرف مثلا أنه في فرنسا وحدها صدر سنة 2006 أكثر من 600 رواية، يعني بواقع روايتين في اليوم وأن حوالي 180 رواية منهم تنشر لكتاب يكتبون لأول مرة، للأسف لا توجد عندنا مثل هذه الإحصائيات في الوطن العربي، لكن أعتقد أن الرواية هي الفن الأول والجوهري والأساسي، ليس في مصر، ولا في العالم العربي، ولا في العالم الإسلامي وفي العالم الثالث، ولكنها على مستوى العالم 

* كيف تفسر ظاهرة لجوء الشعراء العرب للرواية، هل هو موسم الهجرة إلى الرواية؟

- محمود درويش قال لي أنه يكتب رواية اسمها "البيوت" تدور حول البيوت التي سكن بها وعاش فيها، سميح القاسم يفكر في كتابة نص روائي، محمد عفيفي مطر انتهى من كتابة مجموعة قصص قصيرة للأطفال ويكتب نصا روائيا الآن، سعدي يوسف كتب نصا روائيا، محمد القيسي له نص روائي كتبه قبل أن يموت، وهكذا الكل يجري وراء النص الروائي، علما بأنني أعتقد بأن القصيدة الروائية التي تحافظ على الشكل الشعري وتحكي وتسرد، ربما كانت أفضل من أن يترك الشاعر النظم أساسا من أجل أن يكتب نصا روائيا، كان يمكن أن يكتب نصا مفتوحا يمكن أن يكون رواية ويمكن أن يكون قصيدة في نفس الوقت. 

* هل أصيب الموضوع الشعري بالعجز وصار معقدا إلى هذا الحد؟

- ليست عاجزة، أنا سمعت من المنصف المزغني – باعتباره معنا الآن – في العراق منذ سنوات قصيدة سردية كان عنوانها "عياش" أعتقد أنها سرد حقيقي وأنها نص روائي، وأنه لو ابتعد قليلا عن القصيدة ودخل قليلا إلى الرواية كانت أصبحت نصا روائيا كاملا ومتكاملا.

 * هل سرق منكم نجيب محفوظ قراء وحجب عنكم أشياء كثيرة؟

- لا.. أنا لا أوافقك، لأنه توجد دعوى مثارة في مصر من سنة 1968 تقول أن نجيب محفوظ أصبح عقبة أمام الروائيين العرب، وهذه الدعوى تقوم على نظرية تقول أنه في أعقاب كل روائي كبير مثل تولستوي، مثل تشيكوف، مثل دستوفسكي، مثل بلزاك.. أنه في أعقاب كل روائي كبير تأتي فترة من التدهور في الكتابة الروائية، إلى أن يأتي كاتب كبير بعد قرن من الزمان، وهي دعوى مغلوطة، لأني أعتقد أن نجيب محفوظ لم يحجب عنا شيئا ولم يأخذ منا قراء إطلاقا، ونحن لنا تواجدنا، لكنه ليس بشهرته وكثافته، وفقط ما أقوله عن محفوظ أن نوبل التي حصل عليها سنة 1988 لم تتحول إلى نوبل للأدب العربي مثلما كانت نوبل التي حصل عليها ماركيز سنة 1984 وأصبحت نوبل للأدب المكتوب باللغة الإسبانية، يعني أصبحت نهضة حقيقية لرواية أمريكا اللاتينية، والفارق الأساسي بين حالة محفوظ وحالة ماركيز، أن ماركيز جزء من الغرب لكن نجيب محفوظ الآخر، والآخر هذه هي مشكلته الأساسية. 

* هل تعتقد أن هذه الجائزة العالمية أصبحت مشبوهة ومغلوطة، وبالتالي السؤال عن القيمة الحقيقية لهذا النص المتوج أو ذاك؟

- طبعا واضح جدا، الكاتب الأخير الذي حصل عليها هو التركي أورهان باموك وكان في زيارة لمصر منذ أيام وأنا قابلته مرتين وهو كاتب جيد ودؤوب وله انجاز روائي، لكن الجوهر في سبب حصوله على الجائزة هو موقفه من مذبحة الأرمن التي تمت إبان الحرب العالمية الأولى في تركيا، والأرمن مسيحيون وجزء من أوروبا، وتعرضوا للإبادة من تركيا، وتصديه لهذه القضية، وباموك لم يتصدى لها روائيا بمعنى لم يكتب روايات عنها، هو تصدى لها بتصريحات صحفية إثارية، لكن هذه هي حجر الزاوية في حصوله على الجائزة، الجائز طبعا أنا متأكد أن هناك دوافع سياسية تحركها، لكن بالنسبة لنجيب محفوظ أنا أعتقد أنه يستحق الجائزة التي حصل عليها في اليوم الذي كتب فيه الكلمة الأخيرة في ثلاثية بين القصرين سنة 1950، يستحق الجائزة فعلا بعيدا عن السياسة. 

* هل يمكن أن ينزع أحد الكتاب العرب منزع باموك ويصرح تصريحات قد تكون خطيرة العواقب من شأنها أن ترفع أسهمه لدى البيت الأبيض السويدي؟

- أتوقع هذا، أتوقع كتابة روائية تغازل نوبل، مثل التركيز على الأقليات العربية مثل المسيحيين أو النوبة أو الأرمن أو الأكراد، أتوقع كتابة فلكلورية موجهة للغرب، أعتقد أن تكون هناك تصريحات نارية بهذا

المزيد


حوار مع الروائي البرازيلي باولو كويهلو

مايو 31st, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الرواية

 

حوار مع الروائي البرازيلي

 باولو كويهلو

 

 

وليد الزريبي

 "لست وحيدا في هذه الحياة.. إنني قادر على أن أحب الناس ولو لم أكن قادرا على أن أتكلم لغتهم. لقد تألمت كثيرا ليس فقط من وجودي في المحتشد، فلقد عرفت أيضا مستشفى الأمراض النفسية على إثر تجربة عاطفية جارفة، وقد اعتبروني مجنونا، واكتشفت هناك كيف يكره الإنسان الإنسان، وعملت فيما بعد على أن أحارب هذه الحالة حتى لا يعيش الإنسان الإهانة. كما أني أحارب الظلم، فمنذ 1982 وأنا أدعو إلى عدم الزج بالإنسان في المحتشدات.. إنها جريمة.. أبدا لا يجب أن تتكرّر.. كلّ هذه التجارب في حياتي جعلتني أؤمن بأن الإنسان قادر على أن يكون مسؤولا عن الآخرين فطفقت أكتب.. وأكتب حتى اكتشفني الآخرون وأصبح صوتي مسموعا". بهذا البوح استهلّ الكاتب البرازيلي باولو كويهلو حديثه معنا مستلهما سيرة حياته وسجنه ومرارته وتجربته مع الجنون والمصحات النفسية وآرائه حول الموت والحياة والوطن والغربة والشرق والغرب. ولد باولو كويهلو سنة 1947 بريوديجانيرو في عائلة متوسطة وكان والده «بيدرو» يعمل مهندسا، في حين تهتم والدته  "ليجيا" بأمور البيت. زاول تعليمه بالمدرسة المسيحية بسان أنياسيو بريو وسرعان ما نحت لنفسه روحا ثورية متمردة على الأساليب التعليمية الصارمة التي ينتهجها الرهبان، كما شهدت تلك الفترة ظهور ميولاته الأدبية ،
وفي السابعة عشر من عمره قرر أبوه وضعه في مستشفى الأمراض النفسية  فكانت تلك التجربة مادة لروايته «فيرونيك تقرر الموت» خلال سنوات الستين التي شهدت انفجار التيار العالمي «الهيبي» وانطلاق ثورة فكرية عارمة طلب الملحن والمغني «رول سيكساس» من «باولو» أن يوحدا عملهما فأصبح الناطق بلسانه وتواصلا معا إلى سنة 1976 حيث حققا معا نجاحا هاما وساهما في تغيير وجه ساحة «الروك» البرازيلية. ولكن مختلف الأنشطة التي قام بها باولو بتنسيق كامل مع رول سيكساس كانت تتراوح بين العمل الصحفي والموسيقى والصور المتحركة فلم تلق قبولا في ظل الحكم الديكتاتوري المسيطر في البرازيل آنذاك والذي اعتبرها أعمالا تخريبية وهدامة فكان مآل «باولو» نتيجة ذلك السجن وخضع إلى التعذيب. لكنه استعاد حريته بفضل ملفه النفسي السابق الذي أدرجه ضمن المجانين وكان ذلك عاملا ساعده على مغادرة السجن.

بعد تجربة السجون والمصحات العقلية بدأ كويهلو العمل في مؤسسة بوليغرام أين التقى بزوجته الأولى. لكن هذه الفترة لم تدم سوى عدة سنوات إذ قرر سنة 1978 مغادرة العمل ليرحل إلى مخيم داشوا حيث استعاد قدراته الأدبية ورغبته على ممارسة الكتابة فمثلت تلك الفترة منعرجا حاسما في حياته والتزامه الأدبي كما صالحت بينه وبين الكاثوليكية. فسلك  الطريق القديمة للحج إلى «سان جاك دي كومبو ستال» صحبة «كريستينا أوتيسيكا» رفيقته الجديدة التي أصبحت في ما بعد زوجته واكتشف هنالك عديد الأسرار داخله والعالم المحيط به فكانت بمثابة الأفكار الرئيسية لكتابه الأول «حاج كومبوستال» الذي يعتبر بداية ظاهرة «باولو كويهلو» وهذا الكتاب الأول تولت إصداره دار نشر صغيرة برازيلية وسحبت منه تسعمائة نسخة ثم باعت منه إلى يومنا هذا ثلاثة وأربعين مليون كتاب وزع في مائة و أربعين بلدا وبخمس وخمسين لغة. وفي سنة 1999 قامت مجلة «لير» بتحقيق كانت نتيجته أن «باولو كويهلو» هو الكاتب الثاني في العالم من حيث مبيعات مؤلفاته. ثم رواية «الكيميائي» التي أحدثت نجاحا باهرا في العالم يوازي النجاح الذي حققته رواية «الأمير الصغير» لأنطوان دي سانت كسيبري أو رواية «النبي» لجبران خليل جبران ومنذ ظهورها أصبح لهذا الكاتب رصيد يعد بملايين القراء في العالم تمكن من شد اهتمامهم بمختلف المواضيع والأفكار التي يطرحها والتي تجسد روحانيات الإنسانية وشغفها الدائم وطوقها إلى الحياة بأسلوب بسيط وممتع. له أيضا مؤلفات أخرى عديدة إلى جانب «الكيميائي» حيث أصدر «الجبل الخامس» و«الشيطان والآنسة بريم» «إحدى عشر دقيقة» و«على ضفة نهر بيادرا جلست وبكيت» وغيرها من المؤلفات التي بيع منها في فرنسا وحدها سبعة ملايين وخمس مائة ألف نسخة.

** كيف يصبح كاتبا ما مختلفا؟

* "وجدت وأنا أكتب في بداياتي أن الروايات هي نفس القصص التي تتردّد، هي قصص الحب، وقصص الحرب، وقصص العلاقة بين الإنسان والقوة والسلطة، وقصص السفر والرحلات. لقد حلمت دائما بأن أكون كاتبا.. ولمّا أصب

المزيد


مع الروائي التونسي الحبيب السالمي

مايو 29th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الرواية

مع الروائي التونسي المهاجر الحبيب السالمي

حاوره/كمال الرياحي

 

" إنّ  الكتابة المترحلة  تجوب الأنحاء ,  و اللغات , و الوجود , و التاريخ … بحثا طوباويّا  عن مكان  فيما وراء التيه . أو  تحت "زيتونة مباركة " لا شرقيّة و لا غربية "  خلافا  لجاك مادلان Jacque mudelain   الذي صدّرنا  الحوار  بعبارته اختارت الكتابة  عند ضيف عمّان الثقافية لهذا الشهر أن تقيم تحت" زيتونة الكلب " و تحت الزيتونة تدفّقت مشاعر "عشّاق بيّة"  كما تتدفّق  الحمم من الجبال الرواسي .

ضيفنا في هذا الحوار : الحبيب السالمي أحد أهمّ الروائيين التونسيين  المعاصرين . اختار منذ سنوات أن يقيم في اللغة العربية  و ظلّ بعيدا  عن فم الذئب / الذئب الذي أقام فيه مالك حدّاد .

استطاع الحبيب السالمي من مدينته  الأوروبية-باريس-  و بلغته العربية أن يصل إلى القارئ أينما كان , و ظلّ متمسّكا بعربيته في مدينة سارتر و لم تغريه لغة فولتير  كما أغرت غيره من الروائيين العرب حتّى أن واحدا منهم مثل ادريس خوري يقول في حوار معه بجريدة القدس العربي :

" أن تكتب باللغة الفرنسية تنجح , هي جملة في النحو تضعنا أمام خيار صعب ,إمّا و إمّا ..إمّا أن تنتمي إلى مركز الميتروبول  و تنخرط في الحداثة  الكونية  و توابعها أو تظلّ  كائنا على الهامش  لا يُتحدّث عنك إلاّ بكونك فقيها " و يضيف في موضع آخر " أن تكتب باللغة الفرنسية يعني أنّك رجل الاختلاف و رجل التدمير , بهذه اللغة تستطيع أن تكتب  ما تشاء  و تنشر ما تشاء  لأنّك  متحرّر من عقالي  البدوي , و لأنّ ذاتك  منشطرة … لأنّ الفرنسية لغة جدّ جريئة , لغة علمانية  و غير مقدّسة "

على النقيض من هذا الموقف القصووي  في الانبهار باللغة الفرنسية  و السخرية جهلا  من اللغة العربية و اعتبارها لغة الفقهاء  يجعل السالمي العربية جسره اللغوي الوحيد  لعبور نصّه  و يقف مدافعا عن العربية بضراوة الكائن العاشق و العارف :" أكتب بالعربية لأنّها لغتي " .

ترجمت أعمال السالمي إلى عدد نمن اللغات الحيّة  يقول متحدّثا عن ذلك  في حوار سابق للأهرام العربي  : "أول عمل ترجم لي بالفرنسية هو‏(‏ جبل العنز‏)‏ ثم ترجمت لي أخيرا‏(‏ عشاق بيّة‏)‏ دار "اكت سود"‏,‏ هذا إضافة إلي مجموعة قصصية ترجمت إلي الإنجليزية والألمانية والنرويجية والهولندية‏,‏ وهذه الترجمات صدرت في أنثولوجيات عن الأدب العربي‏,‏ وقد اختارني كأديب تونسي المستشرق المعروف وشيخ المترجمين‏(‏ فينيس جونسون ديفيز‏)‏ مع مجموعة من كبار الكتاب لهذه الأنثولوجيا مثل نجيب محفوظ والطيب صالح وإميل حبيبي وإدوارد سعيد"

و لئنّ صرّح يوما  قائلا في ملتقى الرواية بالقاهرة :"إن التاريخ لم يشكل بالنسبة إلي ٌ المادة الأساسية أو الإطار العام في أي واحد من أعمالي الروائية ‘بالرغم من إنني كنت ولا أزال أحب التاريخ واجد متعة هائلة في قراءته فأنا كاتب مهووس بالواقع في تجلياته المختلفة، في تحولاته،و سيلانه فإنّ ذلك لا يعني أنّه ينتمي  إلى المدرسة الواقعية  لذلك لم يفوّت الفرصة في هذا الحوار يوضّح ذلك قائلا :" والاشتغال على الواقع لا ينتج عنه بالضرورة نص واقعي أي نص ينتمي إلى المدرسة الواقعية كما يعتقد البعض لان كل النصوص لا يمكن إلا أن تصدر عن الواقع ,حتى النصوص السوريالية و أدب الخيال العلمي تغرف من الواقع"

 

في هذا  الحوار يتحدّث السالمي  عن  الرّواية  بين الريف و المدينة  و الرّواية و السيرة الذاتية و يرفض السالمي أن يتحدّث عن المنفى و كتابة المنفى التي اعتبرها موضة جديدة , و في الحوار أحاديث أخرى عن موقع الحكاية من الرواية  و عن تيار الرواية الجديدة في فرنسا و عن الحوارية  و المونولوغية  و عن صورة المرأة في نصوصه و عن الجنس و الحياة . و  بالموت بدأنا رحلتنا مع صاحب " جبل العنز " و " متاهة الرمل " و"صورة بدوي ميّت "و "عشاق بية" و "حفر دافئة " و " أسرار عبد الله "   لعلّنا نكشف بعض أسرار الكتابة عنده .

 

-  يمثّل  الموت ثيمة أساسية في أعمالك الروائية تطرحه بأشكال مختلفة حتّى أن  عتبات نصوصك لم تسلم منه , فأهديت روايتك " جبل العنز" ,  في غير عفويّة , "إلى أمّ ميّة , إلى أب ميّت " .

إنّ  هذا التكرار لتيمة  الموت يؤكّد هذه  النيّة المبيّتة  لمقاربة  سؤال  الموت  روائيّا . أليس كذلك ؟

 

*- سؤال الموت أساسي تماما مثل سؤال الوجود , لا حياة خارج الموت فالموت هو الذي يمنح الحياة دلالتها ,

لقد نشأت في بيت كبير يعج بأعمام وعمات وأخوال وخالات وأجداد وجدات ,بيت يتسع لقبيلة صغيرة كما نجد في الكثير من دواوير تونس في الخمسينات , جئت إلى هذا العالم متأخرا إذ أني كنت آخر حبة في العنقود , ولما بدأت اعي ما حولي  اخذ الموت يحوم حول البيت , الكبار شاخوا ,وبدأوا يرحلون الواحد تلو الآخر , كان الموت حاضرا بقوة في طفولتي , لا يكاد يمر عام دون أن يرتفع نواح هنا وهناك ,

أمي التي كنت شديد الصلة بها ماتت وأنا في الثانية عشرة من عمري , وبعد عامين فقط مات أبي , وعندما انتهيت من كتابة روايتي الأولى  جبل العنز تملكتني رغبة قوية أن اهديها لهما , إنها المرة الوحيدة التي أهدي فيها عملا أدبيا .

و ينبغي أن أشير إلى أن حضور الموت في رواياتي لا يجعل منها روايات سوداء قاتمة لأن الموت يحضر دائما ضمن تلافيف الحياة , بل يمكنني أن أقول إن الموت يعمق الإحساس بالحياة والرغبة فيها و الإقبال عليها

 

-  ظهرت " جبل العنز " في سبعين صفحة 70 و مع ذلك فقد جاءت مكتملة ناضجة بحواريتها , هل أنت معي في أنّ الرواية العظيمة لا يشترط فيها أن تكون "عظيمة " بكمّها الورقي . فالطول يتحوّل أحيانا إلى شحوم سردية  ترهّل الرواية ؟

إذا كان ذلك كذلك فلماذا تتجه نصوصك الجديدة نحو الطول ؟  أهو الانتقال التدريجي  من القصة القصيرة إلى الرواية هو السبب؟

 

*- طبعا الطول و القصر لا يعنيان في حد ذاتهما شيئا , ثمة روايات قصيرة مدهشة والأمثلة على ذلك كثيرة سواء في الأدب العربي أو آداب الشعوب الأخرى ,"عرس الزين" للطيب صالح مثلا أو "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ التي اعتبرها شخصيا من أجمل رواياته , و في الرواية الأجنبية يمكن أن نذكر "الجميلات النائمات" لكواباتا , وحتى "الغريب " رواية البير كامو الشهيرة فإنها قصيرة , وعلي أي حال فإن مسألة الطول و القصر مسألة نسبية , فرواية "العاشق" لمارغريت دو راس التي لقيت نجاحا هائلا في فرنسا و ترجمت  إلى أغلب لغات العالم تعد قصيرة جدا بالمقارنة مع "الحرب و السلم" لتولستوي أو "البحث عن الزمن الضائع" لبروست,

لماذا تتجه نصوصي الجديدة إلى الطول, لأن ايقاعها الداخلي فرض ذلك فالرواية كما افهمها تمتلك منطقها الخاص , و لابد من أن نصغي إلى هذا المنطق , ثم إن رواياتي ليست طويلة كما انه  من الممكن  أن أكتب في المستقبل  رواية أخرى في حجم جبل العنز فهذا يعود إلى طبيعة المادة التي نشتغل عليها ,

 

- انبهر جبرا ابراهيم جبرا بّجبل العنز" فرآها خارجة عن المألوف  و غريبة  و أنّها قد زاوجت بين خطّين : أحدهما واقعية القرية  و ثانيهما تناقضات النفس  و اختلاط أحاسيسها .

هل مثّل هذا الرأي  لجبرا إبراهيم جبرا  جواز سفر  لنص  السالمي  إلى المشرق  العربي ؟

* - ربما, لكن ما يهمني هو أن جبرا إبراهيم جبرا احب الرواية , اذكر أنّني حين سلّمتة مخطوطة "جبل العنز" لم أكن أنتظر أن يكتب عنها , كنت أريد منه رأيا في الرواية , فجبرا ناقد كبير و روائي جيد , و قد قرأت الكثير من دراساته  مثل "الحرية و الطوفان " واطلعت على الكثير من رواياته كـ"البحث عن وليد مسعود" و" السفينة ", لكنه فاجأني بتلك الكلمات الجميلة التي كانت أول رأي في ما أكتب يدلي به كاتب في حجم جبرا.

أعتقد أن النص يشق طريقه بمفرده , و أنا من الكتاب  الذين ما زالوا يؤمنون بان المبدع يجب ألا يعوّل إلا على نصه فالنص هو الحقيقة الأولى و الأخيرة , و  إذا كان قويا و متميزا فلا بد أن يلفت الانتباه ,

       هل تمثّل " جبل العنز" مقطعا طوليّا  لجزء من سيرة السالمي  الذاتية ؟

*- في جبل العنز استعملت ضمير المتكلم في السرد , لكن هذا لا يعني أن الرواية مقطع من سيرتي الذاتية , أنت تعرف جيدا أن الراوي ليس الكاتب , طبعا هناك شئ ما مني في هذا العمل كما في اغلب الأعمال الأخرى ,  عملية الكتابة عملية غامضة و ملتبسة و خلالها تتسرب   بالتأكيد و في غفلة منا  أشياء كثيرة من الذات   إلى النص , بهذا المعنى يمكننا أن نقول إن كل نص حقيقي يتضمن شيئا ما من سيرة كاتبه , 

 

-هل تخلّيك عن القصّة القصيرة  إقرار  بأنّ الزمن للرواية أم أن تجربة السالمي الإنسانية  ضاقت بها حدود جنس القصة القصيرة فجدّف بقلمه  نحو جنس أرحب هو الرواية ؟

  * - منذ فترة طويلة لم أكتب قصصا قصيرة , لكني لا أعتبر ذلك تخليا عن القصة القصيرة فأنا احب كثيرا هذا الجنس الأدبي الجميل و الصعب , و من الممكن أن أعود إليه إذا أحسست برغبة قوية في ذلك , في الأدب و في الإبداع بشكل عام لا شئ يمكن أن نعتبره نهائيا , شخصيا كنت و ما أزال أقدر و أحترم الكتاب الذين أبدعوا في هذا الجنس مثل يوسف ادريس و تشيخوف و كارفر,وهم قليلون خلافا لما يعتقد البعض , 

 

- هل حقّقت الرواية  العربية في المهجر خصوصية و ملامح تميّزها عن نظيرتها  في الداخل / الوطن العربي ؟

*-  لا أنظر إلى الرواية العربية على هذا النحو أي أن فكرة التمييز بين رواية الداخل و رواية الخارج أو المهجر كما تقول لا تعنيني كثيرا كروائي , ما يعنيني هو قيمة النص سواء كان هذا النص مكتوبا في الداخل أو في الخارج , و ربما يعود هذا إلى أن المهجر لم يعد كما كان في الماضي  فعلى المستوى  الثقافي تقلّصت الآن جغرافيا المسافات . هناك حركة ذهاب و إياب تكاد لا تنقطع بين الداخل و الخارج , ثم إن عدد الكتاب العرب الذين يقيمون في الغرب تزايد كثيرا في العقود الثلاثة الأخيرة 

- هل تعتبر رواياتك من روايات المنفى   و لو كان منفاك اختياري ؟ ما هي ملامح أدب المنفى حسب رأيك ؟ هل يمكن أن يكتب أدب المنفى في الداخل ؟ و هل تكفي إقامة الكاتب خارج الوطن لتحشر نصوصه ضمن أدب المنفى ؟ ما الفرق بين رواية الحنين و رواية المنفى ؟

* - لا أعتبر رواياتي من روايات المنفى ,  و شخصيا لا أعتبر نفسي منفيا , كل ما في الأمر هو إني كاتب تونسي يقيم في الغرب , و قد اتخذت هذا القرار بمحض إرادتي , وأنا لست نادما على ذلك كما إني لا أعتبر هذا بطولة أو شيئا من هذا القبيل كما يفعل الكثير من الكتاب و لا أحاول أن استفيد من هذا بأي شكل من الأشكال , أكثر من ذلك لا أحب الحديث في موضوع المنفى و ما شاكله لان الحديث عن المنفى أصبح كما تعلم موضة ,

إقامتي في الغرب أفادتني كثيرا فمنذ أن أقمت في باريس انتظمت حياتي وأصبحت أخصص وقتا أطول  للكتابة , ثم إني أعتقد انه ما زال باستطاعتنا أن نتعلم الشيء الكثير من الغرب , لقد اكتشفت كتابا لم اكن اعرفهم , وشاهدت لوحات كنت احلم بمشاهدتها و صرت أقبل على فنون لم اكن أعيرها أي اهتمام كالنحت و الباليه و الموسيقى الكلاسيكية و الأوبرا , كما إني عشت تجارب حياتية مثرية , لا شك أن كل هذا قد تسرب  إلى نصوصي , لاشك انه أحدث تحولا ما في تمثلي للواقع وتمثيلي له , كيف, لا أدري , وعلي أي   حال هذا السؤال يعني النقاد اكثر مما يعنيني ,

 

- المكان المحدود و الضيّق في رواياتك :  تحت شجرة زيتون , غرفة ضيّقة …

هذا الفضاء يجعل  من الحركة  و الأحداث  الخارجية رتيبة و شحيحة  مما يحوّل الحركة الداخلية إلى حركة رئيسة تستقطب  انتظارات المتلقي .

هل وراء هذا الاقتصاد في  الأمكنة  شعور بالعزلة  و السجن   و بضيق  المنفى عند السالمي ؟ أم هي آثار ديستوفسكي الذي تحبّه  و ربما بروست ؟

 

*-   الأحداث في رواياتي شحيحة لكني لا اعتقد أنّها رتيبة , أميل إلي التقليل من الأحداث لأني أؤمن بان الرواية ليست حكاية , و إنما اشتغال على حكاية , اختار بضعة أحداث و اشرع في صياغتها بطريقة تتيح الذهاب إلى ما هو ابعد من الحكاية , أي أن الحكاية هي في النهاية ذريعة بالرغم من أهميتها إذ لا رواية دون حكاية , ما يعنيني بالأساس هو ما أستطيع أن أولده من أفكار وانطباعات و مواقف و أحاسيس انطلاقا من الحكاية .

مشكلة الكثير من الروايات العربية هي في تقديري إنها تظل سجينة الحكاية و إنها عاجزة عن تجاوزها إلى ما هو اعمق, حين نقرا الرواية الغربية نلاحظ البعد المعرفي فيها ,  وعندما   نعود إلى الروايات الغربية الكبرى التي كرست هذا الجنس الأدبي و رسخت تقاليده نرى أن الحكاية لا تشكل سوى مستواها الأول, و قد كتب الروائي  التشيكي ميلان كونديرا نصوصا عميقة عن ذلك .

  

- هل تحوّلت باريس  اليوم , و هي ملجأ  كثير من الكتاب العرب ,

المزيد