مع الروائي التونسي المهاجر الحبيب السالمي
حاوره/كمال الرياحي

" إنّ الكتابة المترحلة تجوب الأنحاء , و اللغات , و الوجود , و التاريخ … بحثا طوباويّا عن مكان فيما وراء التيه . أو تحت "زيتونة مباركة " لا شرقيّة و لا غربية " خلافا لجاك مادلان Jacque mudelain الذي صدّرنا الحوار بعبارته اختارت الكتابة عند ضيف عمّان الثقافية لهذا الشهر أن تقيم تحت" زيتونة الكلب " و تحت الزيتونة تدفّقت مشاعر "عشّاق بيّة" كما تتدفّق الحمم من الجبال الرواسي .
ضيفنا في هذا الحوار : الحبيب السالمي أحد أهمّ الروائيين التونسيين المعاصرين . اختار منذ سنوات أن يقيم في اللغة العربية و ظلّ بعيدا عن فم الذئب / الذئب الذي أقام فيه مالك حدّاد .
استطاع الحبيب السالمي من مدينته الأوروبية-باريس- و بلغته العربية أن يصل إلى القارئ أينما كان , و ظلّ متمسّكا بعربيته في مدينة سارتر و لم تغريه لغة فولتير كما أغرت غيره من الروائيين العرب حتّى أن واحدا منهم مثل ادريس خوري يقول في حوار معه بجريدة القدس العربي :
" أن تكتب باللغة الفرنسية تنجح , هي جملة في النحو تضعنا أمام خيار صعب ,إمّا و إمّا ..إمّا أن تنتمي إلى مركز الميتروبول و تنخرط في الحداثة الكونية و توابعها أو تظلّ كائنا على الهامش لا يُتحدّث عنك إلاّ بكونك فقيها " و يضيف في موضع آخر " أن تكتب باللغة الفرنسية يعني أنّك رجل الاختلاف و رجل التدمير , بهذه اللغة تستطيع أن تكتب ما تشاء و تنشر ما تشاء لأنّك متحرّر من عقالي البدوي , و لأنّ ذاتك منشطرة … لأنّ الفرنسية لغة جدّ جريئة , لغة علمانية و غير مقدّسة "
على النقيض من هذا الموقف القصووي في الانبهار باللغة الفرنسية و السخرية جهلا من اللغة العربية و اعتبارها لغة الفقهاء يجعل السالمي العربية جسره اللغوي الوحيد لعبور نصّه و يقف مدافعا عن العربية بضراوة الكائن العاشق و العارف :" أكتب بالعربية لأنّها لغتي " .
ترجمت أعمال السالمي إلى عدد نمن اللغات الحيّة يقول متحدّثا عن ذلك في حوار سابق للأهرام العربي : "أول عمل ترجم لي بالفرنسية هو( جبل العنز) ثم ترجمت لي أخيرا( عشاق بيّة) دار "اكت سود", هذا إضافة إلي مجموعة قصصية ترجمت إلي الإنجليزية والألمانية والنرويجية والهولندية, وهذه الترجمات صدرت في أنثولوجيات عن الأدب العربي, وقد اختارني كأديب تونسي المستشرق المعروف وشيخ المترجمين( فينيس جونسون ديفيز) مع مجموعة من كبار الكتاب لهذه الأنثولوجيا مثل نجيب محفوظ والطيب صالح وإميل حبيبي وإدوارد سعيد"
و لئنّ صرّح يوما قائلا في ملتقى الرواية بالقاهرة :" ‘إن التاريخ لم يشكل بالنسبة إلي ٌ المادة الأساسية أو الإطار العام في أي واحد من أعمالي الروائية ‘بالرغم من إنني كنت ولا أزال أحب التاريخ واجد متعة هائلة في قراءته فأنا كاتب مهووس بالواقع في تجلياته المختلفة، في تحولاته،و سيلانه‘ فإنّ ذلك لا يعني أنّه ينتمي إلى المدرسة الواقعية لذلك لم يفوّت الفرصة في هذا الحوار يوضّح ذلك قائلا :" والاشتغال على الواقع لا ينتج عنه بالضرورة نص واقعي أي نص ينتمي إلى المدرسة الواقعية كما يعتقد البعض لان كل النصوص لا يمكن إلا أن تصدر عن الواقع ,حتى النصوص السوريالية و أدب الخيال العلمي تغرف من الواقع"
في هذا الحوار يتحدّث السالمي عن الرّواية بين الريف و المدينة و الرّواية و السيرة الذاتية و يرفض السالمي أن يتحدّث عن المنفى و كتابة المنفى التي اعتبرها موضة جديدة , و في الحوار أحاديث أخرى عن موقع الحكاية من الرواية و عن تيار الرواية الجديدة في فرنسا و عن الحوارية و المونولوغية و عن صورة المرأة في نصوصه و عن الجنس و الحياة . و بالموت بدأنا رحلتنا مع صاحب " جبل العنز " و " متاهة الرمل " و"صورة بدوي ميّت "و "عشاق بية" و "حفر دافئة " و " أسرار عبد الله " لعلّنا نكشف بعض أسرار الكتابة عنده .
- يمثّل الموت ثيمة أساسية في أعمالك الروائية تطرحه بأشكال مختلفة حتّى أن عتبات نصوصك لم تسلم منه , فأهديت روايتك " جبل العنز" , في غير عفويّة , "إلى أمّ ميّة , إلى أب ميّت " .
إنّ هذا التكرار لتيمة الموت يؤكّد هذه النيّة المبيّتة لمقاربة سؤال الموت روائيّا . أليس كذلك ؟
*- سؤال الموت أساسي تماما مثل سؤال الوجود , لا حياة خارج الموت فالموت هو الذي يمنح الحياة دلالتها ,
لقد نشأت في بيت كبير يعج بأعمام وعمات وأخوال وخالات وأجداد وجدات ,بيت يتسع لقبيلة صغيرة كما نجد في الكثير من دواوير تونس في الخمسينات , جئت إلى هذا العالم متأخرا إذ أني كنت آخر حبة في العنقود , ولما بدأت اعي ما حولي اخذ الموت يحوم حول البيت , الكبار شاخوا ,وبدأوا يرحلون الواحد تلو الآخر , كان الموت حاضرا بقوة في طفولتي , لا يكاد يمر عام دون أن يرتفع نواح هنا وهناك ,
أمي التي كنت شديد الصلة بها ماتت وأنا في الثانية عشرة من عمري , وبعد عامين فقط مات أبي , وعندما انتهيت من كتابة روايتي الأولى جبل العنز تملكتني رغبة قوية أن اهديها لهما , إنها المرة الوحيدة التي أهدي فيها عملا أدبيا .
و ينبغي أن أشير إلى أن حضور الموت في رواياتي لا يجعل منها روايات سوداء قاتمة لأن الموت يحضر دائما ضمن تلافيف الحياة , بل يمكنني أن أقول إن الموت يعمق الإحساس بالحياة والرغبة فيها و الإقبال عليها
- ظهرت " جبل العنز " في سبعين صفحة 70 و مع ذلك فقد جاءت مكتملة ناضجة بحواريتها , هل أنت معي في أنّ الرواية العظيمة لا يشترط فيها أن تكون "عظيمة " بكمّها الورقي . فالطول يتحوّل أحيانا إلى شحوم سردية ترهّل الرواية ؟
إذا كان ذلك كذلك فلماذا تتجه نصوصك الجديدة نحو الطول ؟ أهو الانتقال التدريجي من القصة القصيرة إلى الرواية هو السبب؟
*- طبعا الطول و القصر لا يعنيان في حد ذاتهما شيئا , ثمة روايات قصيرة مدهشة والأمثلة على ذلك كثيرة سواء في الأدب العربي أو آداب الشعوب الأخرى ,"عرس الزين" للطيب صالح مثلا أو "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ التي اعتبرها شخصيا من أجمل رواياته , و في الرواية الأجنبية يمكن أن نذكر "الجميلات النائمات" لكواباتا , وحتى "الغريب " رواية البير كامو الشهيرة فإنها قصيرة , وعلي أي حال فإن مسألة الطول و القصر مسألة نسبية , فرواية "العاشق" لمارغريت دو راس التي لقيت نجاحا هائلا في فرنسا و ترجمت إلى أغلب لغات العالم تعد قصيرة جدا بالمقارنة مع "الحرب و السلم" لتولستوي أو "البحث عن الزمن الضائع" لبروست,
لماذا تتجه نصوصي الجديدة إلى الطول, لأن ايقاعها الداخلي فرض ذلك فالرواية كما افهمها تمتلك منطقها الخاص , و لابد من أن نصغي إلى هذا المنطق , ثم إن رواياتي ليست طويلة كما انه من الممكن أن أكتب في المستقبل رواية أخرى في حجم جبل العنز فهذا يعود إلى طبيعة المادة التي نشتغل عليها ,
- انبهر جبرا ابراهيم جبرا بّجبل العنز" فرآها خارجة عن المألوف و غريبة و أنّها قد زاوجت بين خطّين : أحدهما واقعية القرية و ثانيهما تناقضات النفس و اختلاط أحاسيسها .
هل مثّل هذا الرأي لجبرا إبراهيم جبرا جواز سفر لنص السالمي إلى المشرق العربي ؟
* - ربما, لكن ما يهمني هو أن جبرا إبراهيم جبرا احب الرواية , اذكر أنّني حين سلّمتة مخطوطة "جبل العنز" لم أكن أنتظر أن يكتب عنها , كنت أريد منه رأيا في الرواية , فجبرا ناقد كبير و روائي جيد , و قد قرأت الكثير من دراساته مثل "الحرية و الطوفان " واطلعت على الكثير من رواياته كـ"البحث عن وليد مسعود" و" السفينة ", لكنه فاجأني بتلك الكلمات الجميلة التي كانت أول رأي في ما أكتب يدلي به كاتب في حجم جبرا.
أعتقد أن النص يشق طريقه بمفرده , و أنا من الكتاب الذين ما زالوا يؤمنون بان المبدع يجب ألا يعوّل إلا على نصه فالنص هو الحقيقة الأولى و الأخيرة , و إذا كان قويا و متميزا فلا بد أن يلفت الانتباه ,
– هل تمثّل " جبل العنز" مقطعا طوليّا لجزء من سيرة السالمي الذاتية ؟
*- في جبل العنز استعملت ضمير المتكلم في السرد , لكن هذا لا يعني أن الرواية مقطع من سيرتي الذاتية , أنت تعرف جيدا أن الراوي ليس الكاتب , طبعا هناك شئ ما مني في هذا العمل كما في اغلب الأعمال الأخرى , عملية الكتابة عملية غامضة و ملتبسة و خلالها تتسرب بالتأكيد و في غفلة منا أشياء كثيرة من الذات إلى النص , بهذا المعنى يمكننا أن نقول إن كل نص حقيقي يتضمن شيئا ما من سيرة كاتبه ,
-هل تخلّيك عن القصّة القصيرة إقرار بأنّ الزمن للرواية أم أن تجربة السالمي الإنسانية ضاقت بها حدود جنس القصة القصيرة فجدّف بقلمه نحو جنس أرحب هو الرواية ؟
* - منذ فترة طويلة لم أكتب قصصا قصيرة , لكني لا أعتبر ذلك تخليا عن القصة القصيرة فأنا احب كثيرا هذا الجنس الأدبي الجميل و الصعب , و من الممكن أن أعود إليه إذا أحسست برغبة قوية في ذلك , في الأدب و في الإبداع بشكل عام لا شئ يمكن أن نعتبره نهائيا , شخصيا كنت و ما أزال أقدر و أحترم الكتاب الذين أبدعوا في هذا الجنس مثل يوسف ادريس و تشيخوف و كارفر,وهم قليلون خلافا لما يعتقد البعض ,
- هل حقّقت الرواية العربية في المهجر خصوصية و ملامح تميّزها عن نظيرتها في الداخل / الوطن العربي ؟
*- لا أنظر إلى الرواية العربية على هذا النحو أي أن فكرة التمييز بين رواية الداخل و رواية الخارج أو المهجر كما تقول لا تعنيني كثيرا كروائي , ما يعنيني هو قيمة النص سواء كان هذا النص مكتوبا في الداخل أو في الخارج , و ربما يعود هذا إلى أن المهجر لم يعد كما كان في الماضي فعلى المستوى الثقافي تقلّصت الآن جغرافيا المسافات . هناك حركة ذهاب و إياب تكاد لا تنقطع بين الداخل و الخارج , ثم إن عدد الكتاب العرب الذين يقيمون في الغرب تزايد كثيرا في العقود الثلاثة الأخيرة
- هل تعتبر رواياتك من روايات المنفى و لو كان منفاك اختياري ؟ ما هي ملامح أدب المنفى حسب رأيك ؟ هل يمكن أن يكتب أدب المنفى في الداخل ؟ و هل تكفي إقامة الكاتب خارج الوطن لتحشر نصوصه ضمن أدب المنفى ؟ ما الفرق بين رواية الحنين و رواية المنفى ؟
* - لا أعتبر رواياتي من روايات المنفى , و شخصيا لا أعتبر نفسي منفيا , كل ما في الأمر هو إني كاتب تونسي يقيم في الغرب , و قد اتخذت هذا القرار بمحض إرادتي , وأنا لست نادما على ذلك كما إني لا أعتبر هذا بطولة أو شيئا من هذا القبيل كما يفعل الكثير من الكتاب و لا أحاول أن استفيد من هذا بأي شكل من الأشكال , أكثر من ذلك لا أحب الحديث في موضوع المنفى و ما شاكله لان الحديث عن المنفى أصبح كما تعلم موضة ,
إقامتي في الغرب أفادتني كثيرا فمنذ أن أقمت في باريس انتظمت حياتي وأصبحت أخصص وقتا أطول للكتابة , ثم إني أعتقد انه ما زال باستطاعتنا أن نتعلم الشيء الكثير من الغرب , لقد اكتشفت كتابا لم اكن اعرفهم , وشاهدت لوحات كنت احلم بمشاهدتها و صرت أقبل على فنون لم اكن أعيرها أي اهتمام كالنحت و الباليه و الموسيقى الكلاسيكية و الأوبرا , كما إني عشت تجارب حياتية مثرية , لا شك أن كل هذا قد تسرب إلى نصوصي , لاشك انه أحدث تحولا ما في تمثلي للواقع وتمثيلي له , كيف, لا أدري , وعلي أي حال هذا السؤال يعني النقاد اكثر مما يعنيني ,
- المكان المحدود و الضيّق في رواياتك : تحت شجرة زيتون , غرفة ضيّقة …
هذا الفضاء يجعل من الحركة و الأحداث الخارجية رتيبة و شحيحة مما يحوّل الحركة الداخلية إلى حركة رئيسة تستقطب انتظارات المتلقي .
هل وراء هذا الاقتصاد في الأمكنة شعور بالعزلة و السجن و بضيق المنفى عند السالمي ؟ أم هي آثار ديستوفسكي الذي تحبّه و ربما بروست ؟
*- الأحداث في رواياتي شحيحة لكني لا اعتقد أنّها رتيبة , أميل إلي التقليل من الأحداث لأني أؤمن بان الرواية ليست حكاية , و إنما اشتغال على حكاية , اختار بضعة أحداث و اشرع في صياغتها بطريقة تتيح الذهاب إلى ما هو ابعد من الحكاية , أي أن الحكاية هي في النهاية ذريعة بالرغم من أهميتها إذ لا رواية دون حكاية , ما يعنيني بالأساس هو ما أستطيع أن أولده من أفكار وانطباعات و مواقف و أحاسيس انطلاقا من الحكاية .
مشكلة الكثير من الروايات العربية هي في تقديري إنها تظل سجينة الحكاية و إنها عاجزة عن تجاوزها إلى ما هو اعمق, حين نقرا الرواية الغربية نلاحظ البعد المعرفي فيها , وعندما نعود إلى الروايات الغربية الكبرى التي كرست هذا الجنس الأدبي و رسخت تقاليده نرى أن الحكاية لا تشكل سوى مستواها الأول, و قد كتب الروائي التشيكي ميلان كونديرا نصوصا عميقة عن ذلك .
- هل تحوّلت باريس اليوم , و هي ملجأ كثير من الكتاب العرب ,
المزيد