حوار مع الشاعر المصري
سيّد حجاب

حاوره/ وليد الزريبي
هو شاعر متنوّر من شعراء العامية المصرية، على يديه يتطور الزجل ويعانق اللحظة الشعرية في صفاء لغوي نادر وبوعي جمالي لضرورة الذهاب بالقصيدة العامية المصرية إلى أرض الحداثة دون أن يخون سماءه وجذوره. كتب للأغنية أجمل الأغاني التي طورت الذائقة واشتغل على اللهجة المصرية كنحات ماهر يطهرها من الترهّلات ويطورها بما يقتضيه الفن الشعري من تقنيات جديدة. التقيناه على هامش مهرجان المدينة السنوي بتونس فكان هذا الحوار:
* هل يستطيع الشاعر النجاة من السؤال السياسي؟
- لا أظن أن هناك إنسانا في عصرنا وخاصة من ينتمي إلى هذه الأوطان العربية يمكن أن ينجو من السؤال. بريخت له بيت شعري جميل يقول: في بعض الأحيان يصبح الحديث عن الأشجار جميلة لأنه يعني السكوت على جرائم أكبر، ونحن في أوطاننا العربية ترتكب ضدنا جريمة كبرى مزدوجة جريمة من حلم الهيمنة الأمريكية الزاحف إلى المنطقة من الخارج، ومن الداخل كابوس التخلف والاستبداد الذي يتحكم بحياتنا ومن هنا لا أظن شخصا يمكن أن يتجاهل ما يحيط به وما يتفجر بداخل أوطانه من هموم ومشاكل وينجو من السؤال السياسي.
* متى يتنصل الشاعر – في نصّه – من الهاجس الإيديولوجي؟
- ينبغي للشاعر الحق أن يتخلص من أي هاجس إيديويولوجي ويذهب إلى الأعمق من هذا إلى الهاجس الإنساني الأبعد والأوسع والأعمق فلسفيا من الهاجس الإيديولوجي. ليست مهمة المبدع أو الفنان أن يرتبط بما هو تكتيكي وما هو لحظي وما هو عابر وإن كان يعيش ما هو تكتيكي وعابر. لكن ينبغي دائما أن يستشرف ما وراء اللحظة وأن يرى ما خلف الأفق ولا ينحبس داخل ما هو محدود ووقتي وعارض وعابر.
* إذا كانت مهمة الشاعر هي الدفاع عن حقة في الحياة كنص وكحالة فبأي معنى يظل كل كاتب عربي حفيد شهرزاد اللسانية؟
- أظن شهرزاد عاشت همّها وهمّ النساء في عصرها وخلصت من هذا الهم بامتطاء صهوة جواد الحلم وأخذ شهريار معها إلى خارج قناعاته وكوابيسه وأوهامه. أظن كل مبدع عربي حديث ينبغي أن يلعب هذه اللعبة بتفاصيل مختلفة.
* هل من جدوى للشعر الآن؟ ما هو دور الشاعر إزاء هذا العالم؟
- ليس دور الشاعر ولا المبدع أن يتصدى للسلاح لكن ينبغي أن يكون دائما وراء أي سلاح، فكر يقود هذا السلاح، هذا السلاح إذا لم يكن من وراءه فكر ونظرية سيكون سلاحا إرهابيا أو إجراميا بشكل أو بآخر لكن المهم أن يبني المبدع وجدان المقاتل ووجدان المقاوم أن يملأه بحب الخير والحق والجمال والسعي له بوسائله هو لا بوسائل الشاعر لكل دور ولكل معركته الخاصة ولكل هدفه من إبداعه. المقاتل المبدع هدفه تغيير الواقع بشكل حاد وصارم ومواجه وواضح، فعل المبدع فعل عميق وطويل واستراتيجي هو يؤسس للعقل العربي في حالته هذه ليخرج به من ثقافة الهزيمة ومن ثقافة الاستسلام وثقافة السلام الزائف التي أوقعتنا فيه أنظمتنا منذ ثلاثين عاما تقريبا وتستبدل هذه الثقافة وهذا الفكر وهذا الوعي بوعي مقاوم، مقبل على الحياة، حالم بالتغيير. لكن يحدث أحيانا أن يبدأ الشاعر ثم يكتشف أن قدراته الحقيقية هي في موقع آخر مثلما حدث مع ماوتسي تونغ الذي بدأ حياته شاعرا ثم اكتشف أن كتابة الشعر في الواقع بالثورة المسلحة أقرب إلى قدراته التنظيمية والعقلية والفكرية فترك الكلمة للآخرين وانخرط في النضال المباشر حدث نفس الشيء بالنسبة لهوشي منّه أيضا كان شاعر. العلاقة بين المبدع والمقاتل علاقة عميقة جدا وليست علاقة ميكانيكية ولا يمكن أن يلعب الشاعر دور المقاتل أو العكس هناك ضرورة لهذا الدور شيء شبيه في التنظيمات السياسة أن هناك قيادة إستراتيجية وهناك قيادة تكتيكية. السياسة تكتيكية وموقوتة ومتحركة ومتغيرة والإستراتيجية تجري خلف الحلم البعيد وتجمع القوات من أجل إحداث هذا الحلم. العلاقة ضرورية لكنها ليست تبسيطية وليست مباشرة وليست آلية.
* لكن حسب قوانين الطبيعة، من يسبق من؟
- الواقع الإنساني فترات تسلم لفترات، فكر يؤسس لواقع جديد والواقع الجديد يطرح مشكلاته المختلفة ويطرح فكرا جديدا وهكذا على علاقة جدلية ليست فيها نقطة بدء، ليس هناك سبق لأحد على أحد، الفكرة تأتي من الواقع، والفكرة تصب في الواقع، لتغيره وتصنع فكرا جديدا وهكذا دواليك..
* هل تعتقد أن جيلكم الشعري أكثر حظا من الجيل الحالي؟
- أظن أن لكل جيل همومه وحظوظه المختلفة، جيلنا من حسن حظه أنه جاء بعد جيل التأسيس للنهضة المصرية بعيد ثورة 19 التي استمرت الانتفاضات المواكبة إليها سنة 1935 وسنة 1951 في مصر. نحن جيل تربى بعد الحرب العالمية الثانية في وطن يطمح إلى التحرر في ظل أساتذة شقّوا لنا الطريق من قبل لتأسيس أدب وطني أو فكر وطني أو فن وطني. وتصدينا للمشكلات في عصرنا كانت لنا بعض الانتصارات الكبرى وبعض الهزائم الأكبر. ربما من حظ هذا الجيل الذي يعيش الآن أنه ورث هزائمنا بما يحفز همته للخروج من هذه الهزيمة. أنت تعرف هناك قانون تاريخي أن الحياة تتحرك بقانون التحدي والاستجابة. التحديات المطروحة على هذا الجيل كبيرة جدا ربما أكبر من التحديات التي كانت مطروحة على جيلنا ومن هنا حلمه ينبغي أن يكون أكبر وقدراته التي ينبغي أن يتسلح بها ينبغي أن تكون أكبر. ليس هناك جيل محظوظ وجيل غير محظوظ لكل جيل أقداره وأحلامه المختلفة وأشواقه المختلفة وهمومه المختلفة ووعيه المتنامي.
* هل تؤمن بشاعرية أبناء جيلك؟
- يقينا، هناك عطاءات شامخة بين أبناء جيلي على مستوى الرواية مثلا أبناء جيلي هم بهاء طاهر وإبراهيم أصلان ومحمد البساطي وأظنهم غيروا مناخ الكتابة في الرواية المصرية من عالم نجيب محفوظ إلى عالم يخلو من الجانب الأركييكي يخلو من الجانب الفلكلوري ليكون أكثر معاصرة. على مستوى الشعراء أبناء جيلي من السابقين لي واللاحقين قدموا عطاءات عبقرية أظن مثلا صلاح جاهين أسس للغة شعرية وأصوات شعرية مختلفة عن جيل بيرم التونسي هذا هو الجيل الذي انتمي إليه. في نفس الزمن جيل صلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي خرج بالقصيد من العمودي الخليلي إلى مشارف الحداثة التي يواصل التالين من أبناء الجيل الإبداع في إطارها هناك عفيفي مطر شاعر كبير بكل المعايير وعلى كل مستويات الفنون وعلى كل تجليات الفنون أظن أبناء جيلي لعبوا دورا هاما في تأسيس أدب وإبداع وطني منتمي للبسطاء من الناس وطامح للدخول إلى عالم الحداثة حيث نحن الآن ما زلنا نطمح إلى هذا الدخول.
* بعض الشعراء من أبناء جيلك اهتموا في كتاباتهم بتعبئة الجماهير وتغافلوا عن الشعرية في النص، هل اقتصرت هذه القصائد على الهاجس الوطني.
- أظن كل أبناء جيلي ملأهم الهاجس الوطني بأشكال مختلفة. الأستاذ أحمد فؤاد نجم الذي أعتقد أنك تشير إليه هنا، كان له دوره المهم جدا في التماسك الوطني عند النخبة لأن أحمد فؤاد نجم لم يكن للأسف الشديد شاعرا شعبيا، لكن كان جمهوره المستهدف هو طلاب الجامعة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات وأسهم بفعله الشعري في تماسكهم في مواجهة الهزيمة، أسهم في تعبئتهم لنصر قادم، هذا دور.
ربما لم تكن إسهاماته في التشكيل الجمال بنفس القدر، ربما كانت تنتمي إلى عالم بيرم التونسي بشكل ما لكن لعب دورات اجتماعيا وإنسانيا هاما جدا في سنوات السبعينيات، هذا دور.
هناك آخرون ربما لم يلتفتوا إلى هذا الدور انغماسا في هموم أبعد وأرحب أفقا وأكثر حداثة في الصياغة الجمالية لكل دوره ولكل قدراته وكل لما خلق له ميسّر.
* ماذا عن يُتم النص ولقاطته، بمعنى التحرر والتفرد والفرادة؟
- لا أظن أن هذا إحساس الجميع، ولا أظن أن هذا إحساس صحيح دائما، إذا كنت مبدعا حقا فأنت تدرك بالضرورة أنك تنتمي إلى هذا الجنس البشري العبقري العظيم الذي كانت مسيرته مسيرة مذبحة لكن هذه المذبحة أسفرت عن نجاحات تطاول الفضاء الخارجي في زماننا، أسفرت عن إبداعات عبقرية تتمثل في هذا الموروث من الكاتدرائيا





















