مع الشاعر المصري سيد حجاب

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الشعر

حوار مع الشاعر المصري

 سيّد حجاب

حاوره/ وليد الزريبي

هو شاعر متنوّر من شعراء العامية المصرية، على يديه يتطور الزجل ويعانق اللحظة الشعرية في صفاء لغوي نادر وبوعي جمالي لضرورة الذهاب بالقصيدة العامية المصرية إلى أرض الحداثة دون أن يخون سماءه وجذوره. كتب للأغنية أجمل الأغاني التي طورت الذائقة واشتغل على اللهجة المصرية كنحات ماهر يطهرها من الترهّلات ويطورها بما يقتضيه الفن الشعري من تقنيات جديدة. التقيناه على هامش مهرجان المدينة السنوي بتونس فكان هذا الحوار:

 

* هل يستطيع الشاعر النجاة من السؤال السياسي؟

- لا أظن أن هناك إنسانا في عصرنا وخاصة من ينتمي إلى هذه الأوطان العربية يمكن أن ينجو من السؤال. بريخت له بيت شعري جميل يقول: في بعض الأحيان يصبح الحديث عن الأشجار جميلة لأنه يعني السكوت على جرائم أكبر، ونحن في أوطاننا العربية ترتكب ضدنا جريمة كبرى مزدوجة جريمة من حلم الهيمنة الأمريكية الزاحف إلى المنطقة من الخارج، ومن الداخل كابوس التخلف والاستبداد الذي يتحكم بحياتنا ومن هنا لا أظن شخصا يمكن أن يتجاهل ما يحيط به وما يتفجر بداخل أوطانه من هموم ومشاكل وينجو من السؤال السياسي.

 

* متى يتنصل الشاعر – في نصّه – من الهاجس الإيديولوجي؟

- ينبغي للشاعر الحق أن يتخلص من أي هاجس إيديويولوجي ويذهب إلى الأعمق من هذا إلى الهاجس الإنساني الأبعد والأوسع والأعمق فلسفيا من الهاجس الإيديولوجي. ليست مهمة المبدع أو الفنان أن يرتبط بما هو تكتيكي وما هو لحظي وما هو عابر وإن كان يعيش ما هو تكتيكي وعابر. لكن ينبغي دائما أن يستشرف ما وراء اللحظة وأن يرى ما خلف الأفق ولا ينحبس داخل ما هو محدود ووقتي وعارض وعابر.

 

* إذا كانت مهمة الشاعر هي الدفاع عن حقة في الحياة كنص وكحالة فبأي معنى يظل كل كاتب عربي حفيد شهرزاد اللسانية؟

- أظن شهرزاد عاشت همّها وهمّ النساء في عصرها وخلصت من هذا الهم بامتطاء صهوة جواد الحلم وأخذ شهريار معها إلى خارج قناعاته وكوابيسه وأوهامه. أظن كل مبدع عربي حديث ينبغي أن يلعب هذه اللعبة بتفاصيل مختلفة.

 

* هل من جدوى للشعر الآن؟ ما هو دور الشاعر إزاء هذا العالم؟

- ليس دور الشاعر ولا المبدع أن يتصدى للسلاح لكن ينبغي أن يكون دائما وراء أي سلاح، فكر يقود هذا السلاح، هذا السلاح إذا لم يكن من وراءه فكر ونظرية سيكون سلاحا إرهابيا أو إجراميا بشكل أو بآخر لكن المهم أن يبني المبدع وجدان المقاتل ووجدان المقاوم أن يملأه بحب الخير والحق والجمال والسعي له بوسائله هو لا بوسائل الشاعر لكل دور ولكل معركته الخاصة ولكل هدفه من إبداعه. المقاتل المبدع هدفه تغيير الواقع بشكل حاد وصارم ومواجه وواضح، فعل المبدع فعل عميق وطويل واستراتيجي هو يؤسس للعقل العربي في حالته هذه ليخرج به من ثقافة الهزيمة ومن ثقافة الاستسلام وثقافة السلام الزائف التي أوقعتنا فيه أنظمتنا منذ ثلاثين عاما تقريبا وتستبدل هذه الثقافة وهذا الفكر وهذا الوعي بوعي مقاوم، مقبل على الحياة، حالم بالتغيير. لكن يحدث أحيانا أن يبدأ الشاعر ثم يكتشف أن قدراته الحقيقية هي في موقع آخر مثلما حدث مع ماوتسي تونغ الذي بدأ حياته شاعرا ثم اكتشف أن كتابة الشعر في الواقع بالثورة المسلحة أقرب إلى قدراته التنظيمية والعقلية والفكرية فترك الكلمة للآخرين وانخرط في النضال المباشر حدث نفس الشيء بالنسبة لهوشي منّه أيضا كان شاعر. العلاقة بين المبدع والمقاتل علاقة عميقة جدا وليست علاقة ميكانيكية ولا يمكن أن يلعب الشاعر دور المقاتل أو العكس هناك ضرورة لهذا الدور شيء شبيه في التنظيمات السياسة أن هناك قيادة إستراتيجية وهناك قيادة تكتيكية. السياسة تكتيكية وموقوتة ومتحركة ومتغيرة والإستراتيجية تجري خلف الحلم البعيد وتجمع القوات من أجل إحداث هذا الحلم. العلاقة ضرورية لكنها ليست تبسيطية وليست مباشرة وليست آلية.

 

* لكن حسب قوانين الطبيعة، من يسبق من؟

- الواقع الإنساني فترات تسلم لفترات، فكر يؤسس لواقع جديد والواقع الجديد يطرح مشكلاته المختلفة ويطرح فكرا جديدا وهكذا على علاقة جدلية ليست فيها نقطة بدء، ليس هناك سبق لأحد على أحد، الفكرة تأتي من الواقع، والفكرة تصب في الواقع، لتغيره وتصنع فكرا جديدا وهكذا دواليك..

 

* هل تعتقد أن جيلكم الشعري أكثر حظا من الجيل الحالي؟

- أظن أن لكل جيل همومه وحظوظه المختلفة، جيلنا من حسن حظه أنه جاء بعد جيل التأسيس للنهضة المصرية بعيد ثورة 19 التي استمرت الانتفاضات المواكبة إليها سنة 1935 وسنة 1951 في مصر. نحن جيل تربى بعد الحرب العالمية الثانية في وطن يطمح إلى التحرر في ظل أساتذة شقّوا لنا الطريق من قبل لتأسيس أدب وطني أو فكر وطني أو فن وطني. وتصدينا للمشكلات في عصرنا كانت لنا بعض الانتصارات الكبرى وبعض الهزائم الأكبر. ربما من حظ هذا الجيل الذي يعيش الآن أنه ورث هزائمنا بما يحفز همته للخروج من هذه الهزيمة. أنت تعرف هناك قانون تاريخي أن الحياة تتحرك بقانون التحدي والاستجابة. التحديات المطروحة على هذا الجيل كبيرة جدا ربما أكبر من التحديات التي كانت مطروحة على جيلنا ومن هنا حلمه ينبغي أن يكون أكبر وقدراته التي ينبغي أن يتسلح بها ينبغي أن تكون أكبر. ليس هناك جيل محظوظ وجيل غير محظوظ لكل جيل أقداره وأحلامه المختلفة وأشواقه المختلفة وهمومه المختلفة ووعيه المتنامي.

 

* هل تؤمن بشاعرية أبناء جيلك؟

- يقينا، هناك عطاءات شامخة بين أبناء جيلي على مستوى الرواية مثلا أبناء جيلي هم بهاء طاهر وإبراهيم أصلان ومحمد البساطي وأظنهم غيروا مناخ الكتابة في الرواية المصرية من عالم نجيب محفوظ إلى عالم يخلو من الجانب الأركييكي يخلو من الجانب الفلكلوري ليكون أكثر معاصرة. على مستوى الشعراء أبناء جيلي من السابقين لي واللاحقين قدموا عطاءات عبقرية أظن مثلا صلاح جاهين أسس للغة شعرية وأصوات شعرية مختلفة عن جيل بيرم التونسي هذا هو الجيل الذي انتمي إليه. في نفس الزمن جيل صلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي خرج بالقصيد من العمودي الخليلي إلى مشارف الحداثة التي يواصل التالين من أبناء  الجيل الإبداع في إطارها هناك عفيفي مطر شاعر كبير بكل المعايير وعلى كل مستويات الفنون وعلى كل تجليات الفنون أظن أبناء جيلي لعبوا دورا هاما في تأسيس أدب وإبداع وطني منتمي للبسطاء من الناس وطامح للدخول إلى عالم الحداثة حيث نحن الآن ما زلنا نطمح إلى هذا الدخول.

 

* بعض الشعراء من أبناء جيلك اهتموا في كتاباتهم بتعبئة الجماهير وتغافلوا عن الشعرية في النص، هل اقتصرت هذه القصائد على الهاجس الوطني.

- أظن كل أبناء جيلي ملأهم الهاجس الوطني بأشكال مختلفة. الأستاذ أحمد فؤاد نجم الذي أعتقد أنك تشير إليه هنا، كان له دوره المهم جدا في التماسك الوطني عند النخبة لأن أحمد فؤاد نجم لم يكن للأسف الشديد شاعرا شعبيا، لكن كان جمهوره المستهدف هو طلاب الجامعة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات وأسهم بفعله الشعري في تماسكهم في مواجهة الهزيمة، أسهم في تعبئتهم لنصر قادم، هذا دور.

ربما لم تكن إسهاماته في التشكيل الجمال بنفس القدر، ربما كانت تنتمي إلى عالم بيرم التونسي بشكل ما لكن لعب دورات اجتماعيا وإنسانيا هاما جدا في سنوات السبعينيات، هذا دور.

هناك آخرون ربما لم يلتفتوا إلى هذا الدور انغماسا في هموم أبعد وأرحب أفقا وأكثر حداثة في الصياغة الجمالية لكل دوره ولكل قدراته وكل لما خلق له ميسّر.

 

* ماذا عن يُتم النص ولقاطته، بمعنى التحرر والتفرد والفرادة؟

- لا أظن أن هذا إحساس الجميع، ولا أظن أن هذا إحساس صحيح دائما، إذا كنت مبدعا حقا فأنت تدرك بالضرورة أنك تنتمي إلى هذا الجنس البشري العبقري العظيم الذي كانت مسيرته مسيرة مذبحة لكن هذه المذبحة أسفرت عن نجاحات تطاول الفضاء الخارجي في زماننا، أسفرت عن إبداعات عبقرية تتمثل في هذا الموروث من الكاتدرائيا

المزيد


مع الشاعر المصري أحمد بخيت

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الشعر

حوار مع الشاعر المصري

أحمد بخيت

 

حاوره/ وليد الزريبي

… أدخل رهانا نقديا على اسم شاعر شاب سيتألق بوهج مثير للدهشة في دنيا الإبداع، ليصبح شاعر مصر الأول. أنه أحمد بخيت.. الذي تخطى الثلاثين بقليل، وبهر كل من تعامل مع شعره، بقوته، وعرامته، وصدقه.. بنبضه الكلاسيكي الحي وقدرته على إعادة الشباب للقصيدة العربية… إنه وريث المتنبي، والأمل الموعود للشعر الحديث/ د. صلاح فضل.

أحمد بخيت شاعر مصري محدث التقيناه على هامش احتفالية سرت الثقافية التي نظمها مؤخرا مجلس الثقافة العام وكان لنا معه هذا اللقاء..

 

* أحمد بخيت هذا الفتى الأسمر الذي وصل إلى القاهرة مثقلا بالهواجس والخوف والأحلام، هل كان يعلم أن ما ينتظره هناك – داخل الوسط الأدبي – سيجعله يتخلى عن الكثير من القيم؟

 

- في مطلع السبعينات قدمنا إلى القاهرة من صعيد مصر، حمل أبي الصعيد الشجاع في ساعديه القويين وحملته أمي مع صرة ملابسي وبعد أسابيع قليلة حمل أبي حقيبته إلى ليبيا للعمل ليوفر لنا الخبز والكتاب ووجدت الصعيدية الوحيدة الأمية نفسها في صحراء الغربة وحدها وفي حجرها عصافير زغب – هم أنا وإخوتي – فأنشبت أقدامها في الأرض لتتحول إلى شجرة تظللنا وحملت الحقيبة وحدي إلى الأول الإبتدائي ومن اليوم الأول أدركت بفزع أني وحدي لا أب يحرس ولا أخ أكبر ينافخ وليس إلا الكتاب وعليك أن تعرف لتكون وأن تكون صخرة نفسك حيث لا مجال لرفاهية الفشل عليك أن تكون متفوقا حتى الموت إن شئت أن تعيش بكرامتك بين أطفال – حقا – ولكنهم متوحشون أيضا أذا لم تكن جديرا بالحب والاحترام وهكذا تفوقت دراسيا وكان هذا هو الدرس الذي كان علي أن أتذكره مرة أخرى بعد عشرين عاما حين دخلت الحياة الأدبية، يفضل أن يسميه فاروق شوشة اقتحاما. كان علي كما على كل مبدع حقيقي أن يسير ولا يلتفت، يكتب ولا ينتظر، يعمل ولا يأمل إلا في الله وفيما يكتب وأنا وأنا أبتسم حين يلتقيني مثقفون مصريون كبار باحترام وبشاشة مذهلة وكانوا هم أنفسهم من لم يمنحوني دقائق من الاهتمام أو كلمة تشجيع في أول الطريق، لكنني أكن لهم كل مودة فقد علموني بتجاهلهم أن أعرف نفسي وبعدم دعمهم أن أدعم قلبي وبصمتهم أن أجعل كلماتي تصل إلى مسامعهم. ولكن – وللحق – كان هناك حب كبير من الناس ومن بعض المبدعين في كل لحظة من حياتي، دعمني بقوة هائلة للاستمرار.

 

* عندما ينتبه أحد النقاد أو الكتاب ممن يقودون دفة المشهد الأدبي أن هذا الصوت أو ذاك مختلف تبدأ المتاعب، ألا تعتقد أن على المبدع في هذه الحالة ألا يكتفي بالنص فقط وإنما يتماهى مع دوامة النفاق ليستمر؟

 

- رغم أني أعتقد أن حسن الظن في وجود عبقريات كثيرة أمر مفرط في التفائل أو السذاجة مما يعني ضرورة أن تثبت كل موهبة جديدة جدارتها بصبر وقوة ليتم الاعتراف بها لأن الحياة الثقافية كثيرا ما شهدت ولادات باهرة لمواليد أثبت الزمن ضعفهم وهشاشتهم وعدم قدرتهم على الاستمرار في التطور إلا أني أظن – وهذا من سوء الظن الذي أتمنى أن يكون من حسن الظن – أن المجتمع الثقافي العربي عامة وليس المصري خاصة شديد الجبن ويفظل التجاهل والانكار والصمت على التبشير بصوت جديد أو الدعم له فإن نجح يمكن تدارك الأمر بكيل مديح متأخر وإغداق كرم فات أوان ضرورته وإن لم ينجح فقد كفى الصمت – غير المؤمنين – شر المنافسة.

 

 

* ألا تعتقد أن المشهد الأدبي "القاهري" على مرّ التاريخ لم يتخلص من عقدة نبذ الآخر خاصة إذا ما تعلق الأمر بمبدع قادم من الجنوب؟

 

- ذلك يحدث لأن المبدعين الآن يتنافسون على الظهور الإعلامي أو المديح النقدي دون أن ينتبهوا إلى أنه للأسف لم يعد النقد الأدبي في الوطن العربي قادر على إبراز نجوم في الكتابة النقدية، تغيير ووضعية أديب من خانة أديب موهوب إلى خانة اديب موهوب مقروء وإنما الأمر لا يفضي لأكثر من تداول الاسم في الأوساط الثقافية وفي النهاية كل مثقف لا يعتد بآراء غيره ويعتبر نفسه الناقد الأعظم وهو حين يقرأ المبدع يحدد موقفه وفقا لقناعاته إن سلبا أو إيجابا. ولأنني لم أحلم بأن أظهر في ال

المزيد


مع الشاعر العراقي علي الشلاه

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الشعر

حوار مع الشاعر العراقي

علي الشلاه 

حاوره/ وليد الزريبي

علي الشلاه شاعر عراقي من مواليد بابل سنة 1965، فيها أتم دراسته الثانوية وأتم دراساته العليا في جامعات بغداد واليرموك وبيرن في الأدب الحديث، أصدر مجموعة من الكتب الإبداعية والنقدية والترجمات: ليت المعري كان أعمى، شرائع معلقة، التوقيعات، كتاب الشين، العباءات والأضرحة، البابلي علي، البياتي في مدن العشق، البياتي برومثيوس الشعر العربي، أسئلة المأساة، كربلاء في الشعر العربي الحديث، دفتر السفينة. رأس عدة مؤسسات وصحف ومجلات ثقافية عربية ودولية، مدير عام المركز الثقافي العربي السويسري، رئيس مهرجان المتنبي للشعر العالمي، كتب عن تجربته عدد من كبار الشعراء والنقاد، ترجمت نصوصه إلى الألمانية والانجليزية والفرنسية والإيطالية والاسبانية واليوغسلافية والصينية…

 

* اقترن اسم علي الشلاه في المشهد الثقافي العربي والعالمي بمهرجان المتنبي العالمي للشعر، إلى أي حد استفاد منك الشاعر بهذه الصفة التنظيمية؟

- استفاد الشاعر كثيرا في اطلاع واسع على تجارب شعرية عالمية وعربية بدرجة دقيقة، لأن اختيار الشعراء ومن ثمة المساهمة في اختيار النصوص والترجمات والتعارف الشخصي كلها خبرات ومعارف تتراكم في الذاكرة لكنه في الحين نفسه أكسبني عداوات أنا في غنى عنها خصوصا لدى بعض الزملاء والأصدقاء من الشعراء العرب الذين لا يدركون آليات العمل وطريقة الاختيار فنحن مؤسسة مسجلة في سويسرا منذ عام 1997 ونخضع في كل فعالياتنا للمقاييس السائدة هناك لدى المؤسسات الرسمية الداعمة للثقافة فقد فشلنا والحمد لله حتى الآن في أن نحصل على أي دعم عربي في حين أننا نجحنا في تحقيق حضور ثقافي كبير حد أن دائرة اليونسكو في سويسرا قد عدت مهرجان المتنبي لهذا العام من أهم الفعاليات الثقافية التي شهدتها سويسرا يمكنك أخذ نسخة منها، ويهمني هنا أن أوضح للزملاء العرب بصفتهم معنيين أساسين بهذا المهرجان أن الجهات الداعمة للمهرجان وهي كلها مؤسسات ثقافية سويسرية كبرى أغلبها حكومي تشترط في أن يكون عدد المساهمين العرب لا يزيد على ثمانية والسويسريون أربعة وباقي دول العالم ثمانية وأن تكون نسبة النساء هي النصف تماما وأن لا يكون المشاركون من جيل شعري واحد عمرا، ولذا فإننا نراوح بين الأجيال والدول العربية كل عام وكمثال بسيط فقد شارك ثلاثة شعراء من ليبيا في دورات المهرجان الست وهم من ثلاثة أجيال مختلفة وبينهم شاعرة شابة. وهم كذلك في غالبية الدول العربية مع اختيارات مختلفة كل عام حتى نحافظ على تمثيل كل الأجيال وكل المدارس لكن مهرجان المتنبي ليس كل ما نقوم به فنحن نستضيف طوال العام مثقفين من عدة بلدان عربية وبحكم العلاقات مع المؤسسات الثقافية والمهرجانات العالمية نرشح ونتبادل الشعراء منهم كما يحصل مع مهرجان مدلين في كولومبيا ومهرجان فنزويلا وروزاريو في الأرجنتين علاوة على المؤسسات السويسرية والألمانية والنمساوية. كما أننا في العام القادم وبمناسبة مرور عشرة أعوام على تأسيس مؤسستنا سنقدم برنامجا استثنائيا إذ من المؤمل أن تكون هناك فعاليات مكثفة طوال العام. من 1-6-2007 إلى 1-6-2008 وأنا هنا أوجه دعوة لكل المؤسسات الثقافية العربية التي ترغب بالتعاون سواء بإيفاد مبدعين إلينا أو باستقبال مثقفين ممن استضفناهم بأن يتواصلوا معنا فذلك سيدعم عملنا وعملهم. إن أكثر من مئتي وخمسين مشارك في مهرجان المتنبي ثلثاهم من الأجانب هم بكل الأحوال أصدقاء جدد للثقافة العربية ويمكن أن نساهم بتقديم ترجماتهم التي أنجزناها إلى العربية مجانا إلى أي مؤسسة ثقافية عربية تود استضافتهم وأن نسهم في إقناعهم. إننا نقدم مهرجانا شعريا بمواصفات عالمية يقام في خمس مدن سويسرية ويترجم المشاركون فيه إلى ثلاث لغات هي الألمانية والفرنسية والإيطالية وغير العرب للعربية. وذلك يحتاج عملا شاقا أخسر وبعض الزملاء أربعة أشهر كل عام لكي يتحقق.

 

* لكن لا يمكن أن تنكر أنك استفدت كثيرا من التملق والتقرب الذي يمارسه البعض من المثقفين العرب للفوز بميدالية سويسرية تختم على جواز سفره؟

- على العكس من ذلك تماما إنني محرج تماما من هذا الطموح الموجود لدى الكثير من أصدقائي وزملائي، إنك لا تعرف ماذا يعني أن تصرف ساعات من الاعتذار والإيضاح أو أن تضيع وجهك من هذا الصديق أو ذاك عندما تلقاه هنا أو هناك في العالم العربي، ثم إنك في كثير من الأحيان مطالب بأن تقدم صكّ براءة من عداوات شخصية بين هذا المبدع أو ذاك إذا ما استضفت أحدهما، إني أقول بلا تردد أن هناك في الوطن العربي أكثر من ألف مبدع يستحقون أن يحضروا في فعاليات ثقافية هامة، لكننا غير قادرين على أن نستضيفهم حتى في عشر سنوات ولذا فإن هذا التملق الذي تتحدث عنه والذي أنا لا أحتاجه فأنا بطبعي أخجل من المديح، هذا التملق سرعان ما يتحول إلى نقمة وشتائم عندما يدرك هؤلاء الأصدقاء أنني غير قادر على أن أحقق هذه الرغبة. كما أن هناك مشاكل أخرى غير منظورة فقد تجد نفسك متهما من سفير عربي في سويسرا لأنك تتعمد عدم دعوة الشعراء من بلده أو من شاعر يزعم أنك تحاول التقليل من شأنه أو من آخر يزعم أنك تتخذ موقفا منه بسبب آراء سياسية سأضرب لك مثلا على هذا الأخير فقد استضفنا عام 2005 الشاعرين موفق محمد من العراق ومحمد بنيس من المغرب وقد شتمني بعض الشعراء العراقيين لأني استضفت بنيس الذي كتب مقالة أساءت إلى ضحايا المقابر الجماعية في العراق كما اتهمني بعض الشعراء العرب بأنني استضفت موفق محمد لأثبت أن المقابر الجماعية قد وقعت فعلا وأن ابنه عدي كان أحد ضحاياها وفي الحقيقة أننا استضفنا شاعرين عربيين كبيرين ولا علاقة لنا في هذا الموقف بآرائهما السياسية.

 

* أعتقد أن مهرجان عالمي مثل "المتنبي" يختلط فيه الأمر بين النقد والنقود؟

- سأقول لك دون تردد إننا لا نتعامل مع النقاد ولم يكتب عني أي من من دعي إلى المتنبي نقدا، وسأضيف أيضا وأقول في موضوعة النقود ما دمت قد فتحتها إني قد عملت عاما كاملا في تجارة السيارات المستخدمة في سويسرا لندفع خسائر مهرجان المتنبي وثمن اللوحات التي أعدناها إلى متحف الفنون في بغداد، وأكثر من ذلك لقد بقيت أكثر من ثمانية أعوام أنا في بناية المركز لأننا لا نستطيع دفع إيجارين إلى أن اختارتني رئاسة مدينة زيوريخ لتمثيل الأجانب لديها وأننا مضطر لهذا العمل البعيد عن الثقافة لكي أوازن وضعي المادي. و

المزيد


مع الشاعر التونسي محمد علي اليوسفي

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الشعر

حوار مع الشاعر التونسي

محمد علي اليوسفي

  

حاوره/ وليد الزريبي

العالم كتلة روائية خالصة. قبضة سارد خشنة تنزلق عميقا، على بطنها، لدغدغة صرّة العالم. فعل الطيران لا يعني العلوّ مطلقا.( على نطاق ضيّق، انتفاخ الحكاية سؤال ” شعريّ “، بينما تتدفّق الكلمات من السّقف، حتّى البلل الفاضح). الكسر الخلاسي حشو لغوي ينتهي حتما بعملية قيصرية. التضحية بالأسئلة مطلب إبداعي كشرط حياة النص. الشعر إجهاض دائم، الوردة، المنشق، البيت الكبير، المدائح، شمس القراميد، حافة الأرض، تحت شجرة. القصيدة كأس الحنّاء. الوحام هو النثر. العالم حزمة من الشعر الخالص. صباح يُسمع من بعيد.كعوب عالية تُتمتم باستمرار، لإغاظة العالم. فعل الاستدراج لا يعني الرغبة على الإطلاق. ( على نطاق واسع، انكماش اللحظة كفائض ليلي واسع شأن حبري ناعم، بينما المناقير تنهض متثائبة من خاصرة امرأة مكسورة الليل ). الوقت إسهال لغوي غامض. التكثيف رغبة مشبوهة. القصيدة حرية مشروطة غير معنية بالتباس مفهوم الطيران، بيان عاطفي بحجم القلب. الرواية واقعة الوقائع، انبهار فاضح، متواليات المتن، التحويل قسرا، سقيفة بني سعده، من النهر إلى النهر، الخياطة الصينية الصغيرة، توقيت البنكا، حكاية بحار غريق، مملكة الأخيضر، مدائح النور، خريف البطريرك، ناراياما، مملكة هذا العالم، امرأة سادسة للحواس، ليلة طويلة جدا.. السرد غصن اصطناعي أعزل. الشعر منقار أخضر.هل علينا أن أعبر القلب في هذا الطّريق، حيث سيقان الأمطار المجروحة انقلاب أبديّ؟ أعضّ الأصابع المخمورة.. أصابع عمر الفجر، شماتة الأغاني مدهوسة في الطّريق حتّى الينابيع. أصفّق مع حرّاس اللّيل، مع "امرأة سادسة للحواس"، مع ضفائر الرّيح، ضفائر الظّلال. ضجّة الحلم، لعنة دموع مخترقة ضفافي حتّى الأظافر، مع طفحة من الحزن وغربة الغيم. في النص ثغر الشّموس العطشى في خطواته كسور الذّاكرة. ثمة قباب لم تعرف بعد أجراسها، نوافذ مشرعة أرجأت طفولتها الوارفة، ثمة أرض تصل فجأة حتّى الشوارع. أوّل الفجر قبل أن يورق الندم من أصابعها، متأخرا مثل الخطى، سوف تنحدر الذاكرة ضجة خالصة لا ظلّ لها. خضراء هي الأعشاش، لعنة الحقول فوق أحجارها. لا حلم يفضي إلى الوطن القديم. لا بحر كي تهدأ هذه الخيول فوق النوافذ. لا رماد أو ضفاف.. فقط كان ضحك الأطفال يعلق في صمته غبار المنافي ويغفو حتى النهاية. ومهما يكن من أمر، فإن امتزاج رغباتنا وشغف تماهيها مع تجربة ضيفنا، يعني أننا أمام مشروع إبداعي صدامي، دقيق وحاد. وهكذا فإن نتيجة للهاثنا الناجم عن تسلق الطفولي فينا، لتلك السلالم العالية التي تمنحها الأقمار للمترجم " تفترض احتمال الانزلاقات الصغيرة أو السقوط المدوّي" على حدّ تعبير ضيفنا. وهو ما يتجلى في كتابات محمد علي اليوسفي، وفي روايته (توقيت البنكا) تحديدا، وهي الرواية التي تندفع بوضوح باتجاه الانسلاخ التام عن السائد السردي إلى النثر العالي، التي يتصف بها الكاتب ذاته. غير أن الفارق بين الراوي والمرويّ يظلّ فارقا قائما. وفي مقابل ذلك، نعرض سيرة الرجل:

محمد علي اليوسفي من مواليد مدينة باجة التونسية 3 مارس 1950. درس المرحلتين الابتدائية والثانوية بتونس ثم سافر إلى الشرق العربي حيث أتم دراسته الجامعية في جامعة دمشق وتخرج في قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية. تابع الدراسات العليا في الاختصاص ذاته بالجامعة اللبنانية خلال الحرب الأهلية. وفي الأثناء مارس الترجمة والكتابة والصحافة الثقافية في أبرز الصحف والمجلات السورية واللبنانية والفلسطينية. عاد إلى تونس ليستقر بها بعد عشرين عاما أمضى ثمانية منها في جزيرة قبرص قدم للمكتبة العربية أعمالا أدبية وفكرية وفلسفية وترجمات كثيرة له في الشعر: حافة الأرض، دار الكلمة، بيروت 1988. امرأة سادسة للحواس، دار الطليعة الجديدة، دمشق 1998. ليل الأجداد، وزارة الثقافة السورية، دمشق 1998. وأيضا في الرواية: توقيت البِنْكَا[جائزة الناقد للرواية] رياض الريس للكتب والنشر، لندن 1992. شمس القراميد،[جائزة كومار:الريشة الذهبية] دار الجنوب، تونس 1997. مملكة الأخيْضَر، دار الطليعة الجديدة، دمشق، سوريا 2001. بيروت ونهر الخيانات، دار الفارابي، بيروت 2002.كما أصدر كتاب نقدي: أبجدية الحجارة، بيسان برس، نيقوسيا، قبرص، 1988. من أعماله المترجمة، في الشعر: حرية مشروطة، أوكتافيو باث، الدار العالمية، بيروت 1983. مدائح النور، مختارات من الشعر اليوناني، دار الملتقى، ليماسول، قبرص1994. في الرواية: حكاية بحار غريق، غابرييل غارسيا ماركيز، دار ابن رشد، بيروت 1980. خريف البطريرك، غابرييل غارسيا ماركيز، دار الكلمة بيروت1981. البابا الأخضر، ميغيل أنخل استورياس، دار التنوير، بيروت1981. ناراياما، شيتشيرو فوكازاوا، دار التنوير، بيروت 1982. مملكة هذا العالم، أليخو كاربنتييه، دار الحقائق، بيروت 1982. البيت الكبير، ألفارو سيبيدا ساموديو، دار منارات، عمان 1986. ليلة طويلة جدا، كريستين بروويه، دار الجنوب، تونس 1994. بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة، داي سيجي، المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، 2004. في السيرة ترجم: المنشق، سيرة نيكوس كازنتزاكي بقلم زوجته، دار الآداب، بيروت 1994. في الدراسات: بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية، ماكس هوركهايمر، دار التنوير، بيروت 1981. بلزاك والواقعية الفرنسية، جورج لوكاش، المؤسسة العربية للناشرين المتحدين، تونس 1985. في السينما: الثورة الفرنسية في السينما، المؤسسة العامة للسينما، دمشق، 2003. قرن من السينما الفرنسية، المؤسسة العامة للسينما، دمشق،2005. وله في الرحلات: من تونس إلى القيروان، غي دي موباسان، دار المدى، دمشق، 2004.

1 – هل يمكن للشاعر أن يحقق توازنا إبداعيا حين يمزج في نصه اللعب والتأدب معا، أليس التجريب والسخرية واللاّتوازن هو نطاق منطق اللعب، أليس هو الهامش الشرعي لشعرية قتل وإحياء فكرة الموت، مما يستدعي التخلي عن مطمح كتابة الأدب بأدب، والقطع نهائيا مع القول الشعري الرصين؟

 

* أتساءل بدوري عن مدى صدور ذلك انطلاقا من طبيعة الشخص كإنسان أولا، قبل أن تتوالد عن قلمه ككاتب. هل هي رغبة شخصية تلك المغامرة المتوجهة إلى كسر قواعد الرصانة؟ أسوأ ما يعترضك في هذا المجال وعلى مستوى اللغة العربية تحديدا، هو هذا التلازم الأخلاقي بين الأدب والتأدب. وكنت حكيت لك في مناسبة سابقة عن خصومتي مع جارتي التي طالبتني بضرورة التحلي بأدب أكثر، لأنني ـ كما كانت تعرف من التلفزة على الأقل ـ: أديب! هي نظرة قداسة ربما تأتي في مجملها من قداسة الكتاب والمكتوب في تاريخنا العربي الإسلامي الذي يحتضننا بوصاية مزدوجة تجعلنا ننتج شاعرا اسمه أبو نواس وآخر اسمه أبو العلاء المعري، تماما كما نقرأ عن الممنوعات التي ازدادت اليوم مع تقدم العصر وتأخُّرِنا نحن فيه. والحال أن هتك الممنوعات كان من أعمدة تراثنا: الجنس مثلا، بكل تفرعاته التي تبلغ حد الشذوذ شبه المشرعن! أنا شخصيا مع اللعب باللغة وبالموقف وبالعلاقات التي لا تخلو من مناكفة بين الشخصيات، وصولا إلى تحقيق ما لا يتحقق في الواقع المادي؛ أعني اللعب بالمقدسات ومداعبة صديقنا الموت وما إلى ذلك. لكنني لا أخفيك أمرا: ألجأ إلى الترميز في الغالب حتى لا يحاصرني الجامع الأزهر، أو جامع الزيتونة، أو حتى الدهماء المتسلحة بازدياد المفتيين الفضائيين. ماذا يبقى من الكاتب عندئذ؟ ربما الأسوأ: أن يلعب وحده على الورق، في كتاب قد يصعب على غيره أن يفك رموزه. وهكذا تنكشف اللعبة فخا يرتد على صاحبه! لا بأس، أقول، إذا كانت هناك قلة قليلة داخل القفص نفسه. وإلا فالمطلوب التأدب، وإعادة كتابة المكتوب، والسير ضمن القطيع، وإطاعة أدب الأسلاف، والصورة التي يشكلها المعاصرون عنهم… المعاصرون  الذين تُعدُّ جارتي واحدة منهم. أرأيت كيف أجبت على سؤالك الأول وأنا ألعب؟

 

2 – إذا كانت الكتابة ذاتها، لا بد أن تنطلق من تجربة مما يخضعها لمسألة الزمن، فكيف نقرأ عدة تجارب أدبية تآلفت مع جسد الثقافة العربية لكنها استمدت شرعية استمراريتها من تجارب الآخرين؟

 

* أذهب إلى أن كل تجربة كتابية لا بد لها أن تنطلق انطلاقة ذات بعدين: من تجارب الآخرين والتجربة الشخصية في آن. وما نسمّيه الزمن هو الذي يكشف لاحقا مدى الغلبة لهذا البعد أو ذاك. ثمة من يظل مقلدا طيلة حياته وتجربته، وقد يشغل زمانه بهذه الدرجة أو ت

المزيد


حوار مع الشاعر محمد الماغوط

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الشعر

 محمد الماغوط

 

السجن جعلني شاعراً والحذاء العسكري علمني الكثير

العالمية لا تعنيني وكنت أتمنى أن أظل فتى أمياً يرعى الغنم

 

حاوره عبده وازن

 

التقيت الشاعر محمد الماغوط في 9 آذار (مارس) في دبي خلال أيام الاحتفال الذي أحيته مؤسسة سلطان العويس لمنح جوائزها للفائزين بها وكان الماغوط واحداً منهم. وعندما ورد نبأ رحيله بعد ظهر أمس كنت أضع اللمسات الأخيرة على الحوار الذي أجريته معه في غرفته في الفندق. لعلها المصادفة القدرية تجعل هذا الحوار آخر حوار يدلي به هذا الشاعر الكبير قبل ثلاثة أسابيع من رحيله. هنا الحوار كما دونته مع المقدمة المفترضة له: حمل محمد الماغوط عالمه الخاص الى غرفته في الفندق الذي حلّ فيه ثلاثة أيام، ملبياً دعوة مؤسسة العويس لتسلّم الجائزة التي فاز بها. عالمه نفسه الذي اختلقه في بيته الدمشقي انتقل الى غرفة لا يحتاج فيها الى أن يمشي أكثر من بضع خطوات، هو الذي بات مشيه صعباً، لا سيما خارج الغرفة أو البيت. في ردهة الفندق كان الماغوط يتنقل على كرسيّ متحرّك يقوده طبيبه الشاب محمد بدّور وهو ابن أخته. إنّها اللحظات القليلة التي ظهر فيها خارج الغرفة، ناهيك بحفلة التكريم، حين جلس على المنصّة بعدما سار متوكئاً على عصاه. أصبح الكرسيّ المتحرك والعصا الوسيلتين الوحيدتين اللتين تساعدانه على استعادة العالم في الخارج، عندما يقرّر أن يخرج وهو نادراً ما يخرج. لكنّ محمد الماغوط رجل جبّار حقاً. روحه ما زالت في أوج يقظتها، وما برح هو على سخريته وغضبه واحتجاجه وتمرّده وطرافته… جسده الذي خانه وقدماه الثقيلتان والقامة السمينة لم تحل دون مواصلته الحياة التي يحبّها، بحزنها وبقايا رغباتها، بفرحها القليل والذكريات، الذكريات التي يستعيدها في عزلته الطويلة المتواصلـة ليل نهار. وقد يقطعها بضعة أصدقاء قليلين يطرقون الباب. في الثانية والسبعين، في وجهه ملامح طفولة عتيقة تمتزج بشآبيب العمر، وفي عينيه تلتمع بروق الحياة التي يصر عليها، على رغم الكآبة التي تحيط به. يصرّ شاعر «حزن في ضوء القمر» على الكتابة، أياً تكن. يدبّج المقالات بيد ترتجف قليلاًَ ويكتب النصوص والقصائد من غير أن يفرّق بينها. وهو سيظل يكتب حتى آخر نفس كما يقول، حتى وان كرّر نفسه. فالكتابة هي نافذته الوحيدة على الحياة وهي حافزه الدائم على الحرية والرفض والاحتجاج وسائر «الثوابت» التي يؤمن بها. لا يخاف الموت بتاتاً وقد عاشه عن كثب. فالموت في نظره هو الانقطاع عن الكتابة.

في غرفته في الفندق التقيت محمد الماغوط. الانطباع الأول الذي يساور زائره هو أن الشاعر تغيّر ولكن من دون أن يتغيّر مزاجه الذي طالما عرف به، ولا حماسته ولا احساسه العبثي بالزمن والتاريخ… الكأس على مقربة من يده، والسيكارة لا تغادر أصابعه، وعلى الطاولة الصغيرة المجاورة للسرير، بضعة صحون لا تخلو من طعام خفيف. هذا هو «طقس» محمد الماغوط الذي لا يتخلى عنه ولو خرج من بيته. بحّة صوته لا تزال هي نفسها، والكلام المختصر والمختصر جداً في أحيان، ما زال طريقته في التعبير. يضجر قليلاً، ثم يستعيد حماسته، مستعيناً بذاكرته المتوقّدة. هذا الشاعر الذي كتب أجمل قصائد النثر بالصدفة، والذي أسس مدرسة شعرية من غير أن يدري، هو شاعر المستقبل بمقدار ما هو شاعر الواقع والحاضر. جاء الشعر من عيشه اياه، من الحياة نفسها، من مرارة العزلة، من الخوف الذي اكتشفه باكراً في السجن، من الشارع الذي تعلّم فيه الكثير. كانت موهبته الكبيرة هي الأساس الذي قامت عليه شعريته، اضافة الى ثقافته المتواضعة، كما يعترف. وموهبة الماغوط تتسم بطابع وحشي وغريزي، فهو يتنفس الشعر تنفّساً من غير أن يسعى الى تقديمه والتنظير له. شاعر كان صوته من الأصوات الأولى التي خرجت على الشعر التقليدي، في أشكاله وقضاياه. شاعر كان همّه أن يحتج ويعترض، مرسخاً قدميه في الأرض، ومصغياً الى ايقاع الحياة اليومية والعابرة. الا أن شعره لم يخلُ لحظة من الحنين الغامض والبعد المأسوّي والهمّ الجمالي واللغوي. وقد استطاع أن يجذب شعراء كثراً أعقبوه، سواء تأثروا به وقلّدوه أم اكتفوا بمقاربة شعريته الكبيرة. ودواوينه، لا سيما الثلاثة الأول، كانت لها رهبتها وما زالت، رهبة الشعر الطالع من عمق التجربة الحية.

ما أصعب أن تحاور محمد الماغوط. يعترف للفور أنه ملّ الحوارات الصحافية، القليلة أصلاً. ويعتبر أن ما قاله بات كافياً وأن لا جديد لديه. لكنه ما ان يبدأ في الاجابة عن الأسئلة حتى يمعن في قول جمل بديعة وفيها من الجديد ما فيها من الطريف والساخر والمأسويّ. أجوبته مختصره كعادته، فهو لا يحبّ الاطالة. يقطف الكلام قطفاً وعليك أنت الذي تحاوره أن تلتقطها لئلا تضيع في المجهول.

* ما زلت تكره الحوار الصحافي و «السين والجيم»! كيف يمكننا أن نحاور محمد الماغوط برأيك؟

- بالعاطفة، السؤال والجواب ما زالا يذكرانني بالأمن ورجاله. ويذكرانني أيضاً بالمدرسة والأساتذة. وأنا أكره المدرسة منذ مراهقتي وقد طفشت منها باكراً.

* جائزة العويس التي حصلت عليها، ماذا تعني لك؟ ألا تعتقد أنّها تأخرت في الوصول اليك؟

- فرحت بها. ولا يهمّني إن كانت تأخّرت في الوصول اليّ. فرحت بها كما يفرح الصبي بالطابة.

* وماذا ستفعل بالمئة وعشرين ألف دولار؟

- سأصرف الكثير منها على الأدوية.

* وأمورك الصغيرة أو ملذاتك الصغيرة!

- لم يبق لديّ أي ملذّات. السيكارة والكأس فقط، وربما الانتظار. هناك أيضاً الأصدقاء القلّة الذين أحبّهم ويحبونني. أعترف لك بأنني مرتاح هكذا ولم يبق لديّ طموح الى أي شيء. حتى جائزة نوبل لا أطمح اليها. وأعتقد أن جائزة العويس أصدق من نوبل في مقوّماتها وأهدافها.

* ما قصة مسرحية «جلوس قيام» التي عرضت في دمشق والتي قيل انك هاجمت فيها بيروت؟

- هم أضافوا اليها. أنا لم أكتب كلّ النص. حتى إنني لم أشاهد المسرحية. أنا أعبد بيروت فكيف أهاجمها. كنت في المستشفى عندما أضافوا الى النص. أنا لا أهاجم بيروت مهما حصل.

* تتحدّث دوماً عن شاعر يدعى سليمان عوّاد وتعتبره الوحيد الذي أثر بك! ما قصّة هذا الشاعر شبه المجهول؟

- سليمان عواد شاعر سوري درس الفرنسية، كنت أحبّه كثيراً كشخص وأحب بعض أشعاره، وكان صديقي. لكنّه لم يطوّر نفسه. توّفي فقيراً وما زلت أحبّه حتى الآن وأتحدّث عنه بإعجاب.

* عندما شاركت في «خميس» مجلّة «شعر» للمرة الأولى في بيروت، شبهك بعض الحاضرين بالشاعر الفرنسي رامبو، بعدما استمعوا الى قصائدك بصوت أدونيس! ما رأيك بهذا التشبيه؟

- لم يعنِ لي هذا التشبيه شيئاً حينذاك. لم أكن أعرف رامبو ولم أكن قرأت له أيّ قصيدة. وأذكر أن شاعراً وناقداً أوسترالياً قال: اذا اخترنا أربعة أو خمسة شعراء كبار في العالم فالماغوط سيكون واحداً منهم. هذا الاوسترالي قرأني بالانكليزية طبعاً. وهناك شاعر اوسترالي أيضاً يدعى جان عصفور، عربي الأصل، يعتبر أن تعريفي بالشعر هو الأجمل. ويقصد الجملة التي وردت في قصيدة لي وتقول: «سئمتك أيها الشعر. أيتها الجيفة الخالدة».

* ماذا تشعر عندما ترى شعرك مترجماً الى اللغات الأجنبية؟

- لا يعني لي شيئاً. الشهرة نفسها لا تعنيني أيضاً. وأنا لا أعرف أي لغة أجنبية.

* لكن الشعراء يسعون دوماً الى العالمية من خلال التر

المزيد


حوار مع الشاعر العراقي عدنان الصائغ

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الشعر

 

حوار مع الشاعر العراقي

عدنان الصّائغ

 

 

حاوره/ وليد الزريبي

 

- هل يستطيع الشاعر العراقي النّجاة من السؤال السياسي؟

* يولد العراقي وفي فمه، فاتورة طويلة، من ديون وخسائر سياسية، تظل تلاحقه حتى النفس الأخير، منفياً مشرداً خارج وطنه - كأغلب مبدعيه - أو مقيماً متبرماً داخل ذلك الفرن الملتهب.. وليس له مهرب أبداً من هذا الطوق مهما حاول أن ينأى بنفسه أو بنصه… إنها تلازمه أبداً كظله، تعرض عليه أجندتها ومضارباتها، شاء أم أبى.. لكنها – أي السياسة، أي الأحزاب - قد تغدو عند البعض مهنة أو هواية أو تجارة، وعند البعض عذاب وفكر ونزف… غير أن الكثيرين من المستقلين، وأنا منهم، لم نلمسَ منها ولم نرَ سوى طواحين هواء ونواعير دم على امتداد نصف القرن الأخير… تبدأ بانقلاب وتنتهي بانقلاب ومعها ينقلب الوطن ومن عليه… من سيء إلى أسوأ… لهذا نأيتُ بنفسي ونصي منذ البدء عن الدخول أو التورط في هذا المعترك، الذي لم أفقه منه يوماً شيئاً.. في بلد مثل السويد الذي عشتُ فيه لأكثر من سبعة أعوام، وفي لندن حيث أقيم الآن، تكاد لا تجد فيهما من الأحزاب أكثر من عدد أصابع اليدين.. وتعال إلى بلدي اليوم تجد في كل دربونة حزب.. وفي كل مقهى يافطة شعار أو صورة زعيم سياسي أو ديني.. فمن الحزب الواحد الذي حكما بالحديد والصديد لأكثر من ثلاثة عقود، إلى هذا التكاثر الأميبي من الأحزاب والطوائف حيث لدينا الآن أكثر من 200 حزب وآلاف من اليافطات التي لم نعد نستطيع اللحاق حتى بقراءة شعارتها… أريد  أن أخدم الوطن بعيداً عن يافطة أي حزب أو لجنة. لا اختلاف عندي بين حزب وحزب إلا بمقدار ما يخدم شعبي ويفتح نوافذه للحرية والتقدم. ولا اختلاف بين دين ودين، أو بين طائفة وطائفة إلا بمقدار ما يصون كرامة الانسان ويكرس قيم الخير والجمال والمحبة.. أنا ضد كل السلطات القمعية، سواء كانت مؤسسة دينية أو اجتماعية أو ايديولوجية. وقد تحالفت هذه السلطات حتى بدون اتفاق لتشديد الخناق على أعناقنا الهزيلة طيلة كل تلك العقود الطويلة وما تزال.. لكن يبقى دائماً ثمة ضوء في نهاية نفقنا الطويل والمشتبك، ثمة أمل أن يستفيد سياسيو وطننا ومثقفيه وناسه من تلك التجارب الطاحنة، ونبدأ جميعاً ببناء الوطن الذي نحلم..

- هل أنت الآن بمنأى عن أوروك و عن الطغاة الذين طوقوا موهبتك؟

* قد أحيلك إلى نص ورد في ديواني الأخير "تأبط منفى" لترى أن كوابيسهم ما زالت تلاحق الشاعر حتى وهو في صقيع منفاه النائي، في أقصى الأرض:

"أضعُ يدي على خريطةِ العالمِ

وأحلمُ بالشوارعِ التي سأجوبها بقدمي الحافيتين

والخصورِ التي سأطوقها بذراعي في الحدائقِ العامةِ

والمكتباتِ التي سأستعيرُ منها الكتبَ ولن أعيدها

والمخبرين الذين سأراوغهم من شارعٍ إلى شارعٍ

منتشياً بالمطرِ والكركراتِ

حتى أراهم فجأةً أمامي

فأرفع إصبعي عن الخارطة خائفاً

وأنامُ ممتلئاً بالقهر"..

وقد أحيلك إلى "نشيد أوروك" نفسه لتجد هذا الهاجس المرير قد صبغ حياتي ونصي برماده الكابي وما يزال:

"صاعداً في النشيدِ إلى قلبِ أوروك، ألقي الظلالَ على وطنٍ لا ظلالَ لهُ غير ما خلّفتهُ البنادقُ من بقعٍ وتماثيل. تأتي الفصولُ وتذبلُ. تأتي الجيوشُ وترحلُ. تأتي الملوكُ وتبقى.. يشيّدُ أحدهم قلعةً من جماجمنا ليهدمها آخرررررررر…" والخ..

وقريباً منه ما ذهب إليه الشاعر اليوناني كافافي بحكمته الفاجعة: " ما دمت قد خرّبت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم فهي خرابٌ أينما حللتَ"..

- هل ينظر الشاعر عدنان الصائغ اليوم إلى الأشياء من زاوية أكثر وضوحاً وإشراقا  ليرى ما لم يكن قد رآه من قبل؟

* في القاهرة، نهاية الثمانينات، وفي أول سفرة لي خارج الوطن، ألقيت شهادة شعرية عن الحرب أهديتها الى صديقي البغل الذي سبقني راكضاً في الطريق الجبلي المعشب إلى النبع فأنفجر به اللغم.. ذلك اللغم الذي كان مُقدّراً – لولا ذلك البغل المسكين – أن ينفجر بي..

كنتُ جندياً بائساَ، ويائساً، أتمشى قبل الغروب، بين أعشاب السفح الممرعة، قريباً من فوجنا – رغم التحذيرات العسكرية بعدم التوغل في هذه الأرض المحرمة – سائراً أنفّس عن ضيق روحي، وقد أخذتني دهشة الطبيعة وبهائها وخضرتها الخلابة، دون أن أدري ما يواجهني..

هذه الصدفة المهولة علمتني أشياء كثيرة في الكتابة والحياة.. أن الحياة رغم مراراتها تبقى هي الأبهى والأشد سطوعاً من كل شيء.. وعلمتني أن أرى زهور الأمل حتى بين ركام الخراب والشظايا. ومنحتني قوة الصبر والرؤية والحكمة لأواجه فيما بعد كل تلك الفواجع المتلاحقة وأرى المشهد بوضوح رغم سحب الدخان التي تغطي واقعنا. هكذا خرجتُ من الحرب سهواً – كما عبرتُ في أحد قصائدي – وهكذا بقيتُ أواجه تداعياتها القادمة.. إن من عاش الفجيعة بكاملها يجد نفسه قادراً على التحمل والاستمرار، أكثر من غيره .. هكذا عاش جيلنا وهكذا عانى وهكذا كتب.. لقد احالتني قسوة الخراب إلى مراجعة الكثير من كتب التاريخ والأساطير والأديان عليَّ أجد تفسيراً لما حدث لنا على هذه الأرض الطيبة والمرّة، فرأيت العجب العجاب من هذا التاريخ الذي ما زال ينزف حتى الآن.. وقد استخلصت الكثير من هذا، في عملي "نشيد أوروك" الذي أنجزته عام 1996 في بيروت. وأنا الآن في صدد إنجاز عملي الآخر "نرد النص"، وهو نص مفتوح يحاول أن يكمل رؤية المشهد باتساعاته وتداعياته وتداخلاته وخفاياه.

- كيف تنجو القصيدة الواحدة من الحروب القبلية؟

* على الشاعر الحقيقي أن يتعالى بنفسه وبنصه عن حروب داحس والغبراء الشعرية – السياسية – القبلية، كي لا يضيّع أو يستنفد طاقته وإبداعه ورؤاه، في المعارك المجانية والمناقشات الفارغة التي تعج بها مقاهينا الأدبية والأنترنيتية وما أكثرها هذه الأيام.

تلك الحروب التي ملأت تاريخنا وأرواحنا وتراثنا بهذا الغبار المتطاير.. الحروب القبلية في الشعر والسياسة والدين أكلت من اعمالنا ونصوصنا الكثير.. فما من أمة في التاريخ عاشت حروباً بقدر حروبنا وتحملت خسائر كخسائرنا وأضاعت الكثير من نصوصها ومبدعيها كما اضعنا، حرقاً وقتلاً ونفياُ.. والخ، والخ.. إن النص العظيم هو الذي يتسامى على الحسابات الصغيرة، ليلتصق بهموم الناس والشاعر والعصر.. وهو يسأل ويجترح ويتحدى ويستشرف..

- هل نجح نص عدنان الصائغ اليوم من التخلص من جحيم الماضي أم أن جحيم اليوم أشدّ قسوة من الأمس؟

* الماضي بحروبه وقمعه، والحاضر بمفخخاته واسقاطاته، لم يمنحانا فرصة لتأمل ومراجعة ما مضى وما حدث وما سيأتي.. لقد مرَّ كل شيء، بفوضى وسرعة وصخب، جعلك لا تستطيع أن تتشبث بشيء أو تتلمس شيئاً، على مستوى المشهد الجمعي. أما مشهدك الخاص - رؤيتك الخاصة، فلها حسابات تنبع من أرثك ومتابعاتك وقوة روحك ووعيك وبصيرتك على استشراف المستقبل. الجحيمان شديدا القسوة، وأن اختلفا، في الأسباب والنتائج وغيرها.. لكن أرواحنا ظلت كما هي، مشرئبة بأحلامها، تلوب بصبرها وقوتها الإسطوريين، على التحمل، مستعيرة تهكم أبي الطيب المتنبي:

وكنتُ إذا اصابتني سهامٌ      تكسّرتِ النصالُ على النصالِ

هكذا تكسرت نصال الحاضر على نصال الماضي، فلم تعد تؤثر أو تثير.. ولم تعد تجد في الشارع غير تلك اللامبالاة المرّة لكل ما يحدث أمامها، وهو مشهد مخادع يمور تحته عويل روح تستصرخ السماء وتلعن كل شيء.. هكذا وجدتُ نصي، اليوم، ساخراً لا مبالياً وتحت سطوره تاريخ من العويل.

ثلاثة عشر سنة من الحروب، ومثلها من المنافى..

أية حياةٍ هذه يا الهي..

وما الذي بقي لنا منها!؟

فبين الشاعر الذي كنته في 1975 قلقاً وفرحاً، بنصوصي الأولى وأحلامي الأولى، وبين الشاعر الذي أنا هو الآن، عام 2005 متأبطاً منفاي وحزني، من بلد الى بلد ومن قصيدة إلى قصيدة، تمتد كل تلك السنوات النائحة.

- هل تكتب اليوم جالسا على سطح بركان، أم على مسطبة هادئة في حديقة البيت، كانت سماؤك في خوذة و اليوم ألا تعتقد أنها صارت خوذة بلا سماء؟

* لم أكتب على أريكة مريحة طيلة حياتي، شعراً أو نثراً، منذ أول نص كتبته لصق سرير أبي المعلول قبل أربعين عاماً، وحتى كتابة هذه السطور في مقهى ضاج قريباً من الهايدبارك.. لا أفكر أين أكتب بقدر ما أفكر ماذا أكتب، وكيف أكتب.. الكتابة عندي انفجار، لحظة حمى، تعرٍ كامل. علاقتي مع الشعر، علاقة يومية وروحية متشابكة.. صار الشعر خوذتي في الحرب، وصلباني في المشتبك، وواحتي في الهجير، ومنفاي في الوطن، ووطني في المنفى..

أمارس كتابة الشعر كما أمارس التنفس، طبيعياً لا تكلفة ولا تعقيداً ولا إفتعالاً. لذلك تراني في الشعر كما أنا في الحياة: قلقاً، هادئاً، مسالماً، محتدماً، ثائراً، متأملاً، حزيناً، فرحاً، كافراً، مؤمناً، متيقناً، شكاكاً، غاضباً، مجنوناً، توّاقاً للحرية، نهماً بتذوق الموسيقى والجمال..

 

- لم يشأ الكثير من الشعراء العراقيين أن يختاروا منفاهم بل التجأوا إليه باعتباره منفذاً أو مهرباً من القمع والكوابيس والضغوطات السياسية والاجتماعية التي تحاصرهم في وطنهم، ألا تعتقد عدنان أن المسألة تجاوزت احتمالات الهرب إلى ما يشبه التيمة القدرية للمثقف العراقي أو لعلها موضة كُرّست اعتباطا أو تواطؤ لا فرق؟

* نعم أشاطرك الرأي في الكثير من هذا،  كأن قدر الشعراء العراقيين أن يموتوا في منافيهم: السياب، الجواهري، البياتي، بلند الحيدري، مصطفى جمال الدين، والخ… والقائمة تطول وتفجع..  لكأن البريكان كان استثناءاً حيث وُجِد مذبوحاً على فراشه، غير بعيد عن مرأى المراكب الغاربة، ونجيع الدم القادم، الذي ذكره الجواهري في أحد أبياته:

      أرى أفقاً من نجيع الدماء  تلوّن وازورتِ الأنجمُ

وغير بعيد عن شهقات السياب على شواطيء الخليج الملتطم، وهو يصيح:

"ما مرّ عام والعراقُ ليس فيه جوع".. كل الطيور المهاجرة تعود إلى أعشاشها في المواسم، إلا الشعراء العراقيون، فأنهم يعيشون في المنفى ويموتون في المنفى قبل أن يطلقون زفيرهم وأغنياتهم الأخيرة هناك، مثل طائر التم، ويهوون إلى الأبد:

"لي بظلِّ النخيلِ بلادٌ مسوّرةٌ بالبنادق

كيف الوصولُ إليها

وقد بعد الدربُ ما بيننا والعتابْ

وكيف أرى الصحبَ

مَنْ غُيّبوا في الزنازين

أو كرّشوا في الموازين

أو سُلّموا للترابْ

انها محنةٌ - بعد عشرين -

أنْ تبصرَ الجسرَ غيرَ الذي قد عبرتَ

السماواتِ غيرَ السماواتِ

والناسَ مسكونةً بالغيابْ"

- انتظريني تحت نصب الحرية، أغنيات على جسر الكوفة، العصافير لا تحب الرصاص، سماء في خوذة، مرايا لشعرها الطويل، غيمة الصمغ، تحت سماء غريبة، خرجت من الحرب سهوا، تكوينات، نشيد أوروك، صراخ بحجم وطن، تأبط منفى و الكتابة بالأظافر.. عدنان، هل يمكن اعتبار كل هذه المجموعات الشعرية ديكورا كافيا لإدانة مسرح الجريمة؟

 * الجريمة أكبر وأشنع يا صديقي فما سرقوا من أعمارنا ووطننا لا يعوض بشيء ولا تكفيه أوراق العالم كلها ولا دموعه. كنت أحاول أن أسجل يوميات الحرب المريرة في دفاتري فأجدها تفيض وتفيض حتى لتغطي سريري ومكتبتي بالنجيع والرماد. كم من الأصدقاء ابتلعتهم سواتر الحرب والمقابر الجماعية.. وكم من الذكريات والأحلام والأيام تسربت من بين أصابعي غير مخلفة سوى مراراتها وحرمانها. كل آهة وكل سطر وكل دمعة وكل صرخة تدين تلك البشاعة ولا تسكت… وتظل تصرخ وتصرخ، كي لا تتكرر المأساة من جديد.. لكنها لا تستطيع أن تعيد شيئاً مما ضاع، وهو كثيرٌ وكثيرٌ وكثيرٌ.. في نصٍ لي كتبته عام 1987 أثناء الحرب أقول فيه:

"مَنْ يلمُّ الشظايا - غداً -

حينما تنتهي الحربُ، مرغمةً؟

مَنْ يعيدُ لأرملةِ الحربِ زهرتَها اليانعةْ؟"

- كتب سعدي يوسف في تعليق على تجربتك: "هناك تمايز أكيد. ثمة جرعة من الحرية، أثرت في الشكل وفي طبيعة المادة الخام. أهي النجاة من الكابوس؟ ربما، لكنها استلزمت التحديق فيه طويلاً.. من موقع الحرية". فهل يحتاج الشاعر أحيانا إلى تبادل الأدوار مع الوحيدة المزدراة، الحرية، و لو افتراضيا لتأثيث الكون الشعري الغير افتراضي؟

* الحرية هي الشرط الأول والأساسي في كل عملية إبداعية. كنا داخل الوطن نراوغ رقيبنا. نحلم بها، نقترب منها بحذر كأننا تقترب من لغم موقوت، لا نعرف بأي لحظة ينفجر بنا، ومع هذا ثمة اغراء لذيذ بالأقتراب  وملامسة هذه الجذوة، الحلم، رغم كل شيء.. ذلك الهاجس وذلك الخوف ظلا ملازمين لي، وللكثيرين غيري، كل تلك السنوات الكالحة والموجعة والمميتة، ونحن نحاول أن نجابه الشراسة والطغيان بالكتابة الإبداعية، لتصبح هي، في الوقت نفسه، ملاذنا ومقصلتنا، خلاصنا ومحنتنا. كنا نحاول أن نؤثث مملكة للجمال فوق تلك الأنقاض، ونفتح كوة للنور داخل زنازيننا الأبدية..

- هل يمكن لمن تأبط منفى في جحيم الأمس أن يتأبط خوذة في صقيع اليوم؟

* لا مفر من أن تواجه معضلتك بدلاً من الفرار منها، سواء في النص أو في الحياة، في الممارسة أو في التفكير. وأي ابتعاد عن ملامسة سخونة الواقع أو صقيعه، هي – باعتقادي - عجز عن الإدراك وقصور في التعبير.

هنا تمنحك الحساسية الشعرية، ان كانت حيّة ومتأصلة لديك، شعوراً حقيقياً بالتواصل والتفاعل مع عصرك وناسك بكل اختلافاتهما وتناقضاتهما.. نعم.. أنا ابن هذا العصر بكل أخطائه وجماله ونزقه. أحاول أن ألملم شظاياه المتناثرة داخل نصي وأن ألم بأحداثه وخفاياه.

- هل يمكن لمن خرج من الحرب سهوا أن يدخل إلى ما يشبه السلم سهوا؟

* في بيروت اكتشفتُ أن أظافري التي طالت طيلة سنوات الحرب والحصار لا تتلاءم واتوكيتات المدينة والعصر. وقد تجرح النساء حين أصافح راحاتهن الناعمة. أول قارئة - وهي شاعرة أيضاً - واجهتني بعد طبع ديواني "نشيد أوروك" صبت جام غضبها على أسلوبي ووقاحتي… عبثاً حاولت إقناعها أنني، وأنني، وأني، لكنها أردفت ببرود جميل: ما يهمني ما مرّ بكَ. أريد شعراً يريح أعصابي. لا يهيجها ويثيرها ويمزقها.. بقيت أياماً أحاول أن أعرف أو أفهم أين أنا من الخارطة الجمالية الجديدة.. وكيف يمكنني أن أعايش هذه العوالم والإيقاعات التي لم ألفها. كنت أشبه بسجين يواجه النور لأول مرة في حياته. خطوات متعثرة، ورأس مكوكي لا يستقر على كتفيَّ.. بقيت أكتب بإرتباك لفترة طويلة وربما لا أزال.. في محاولة لتغيير أدواتي وملابسي.. ثم وفي ظهيرة بيروتية، قبل رحيلي منها باسابيع إلى البلد الإسكندنافي البعيد أيقظني من غفوتي تدحرج نرد وسقوطه على خدي.. كان طفلاي مهند ومثنى يلعبان به لعبة "حية ودرج".. أمسكته بيدي لدقائق طويلة - وسط حيرتهما ودهشتهما وارتباكهما - دون أن يدريا أو أدري أنني أمسكت، في هذه اللحظة، نصي الجديد "نرد النص"!!..

- كتب جمال الغيطاني أن ثمة من اعتبرك جبران جديد، هل هذه ميزة المنافي الشمالية الباردة؟ وهل علينا أبدا أن تُسحب منا استمارات الحرية كي نندفع لوجهة غير معلومة جغرافيا لكنها في النهاية تهدي لنا تاريخا باذخا من الشعر و الأحزان؟

* المنفى تنويع آخر في الكتابة وجدتني ملقىً في هذه المدينة، لوليو، الهادئة الوادعة في جنوب القطب الشمالي، بدرجة حرارة تصل إلى 36 تحت الصفر، وحيث أعلى درجات الهدوء والسلام والرخاء والصقيع والحرية. أنا القادم من لهيب شمس لا ترحم، وحروب لا ترحم، وسلطات لا ترحم، ومحظورات لا ترحم.. كانت تجربة جديدة

المزيد


حوار مع الشاعر نوري الجراح

يونيو 7th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الشعر

 

حوار مع الشاعر نوري الجراح حول الرحلات الادبية الحديثة منها والقديمة

المحاور:احمد الحيدري

 

 

 

أنظر الرابط

http://arabic.irib.ir/pages/Culture/detailinterview.asp?idr=54

 

الشاعر نوري الجراح الشاعر السوري الذي ولد في دمشق عام 1956 وانتقل الى بيروت وعمل في الصحافة الادبية منذ مطلع الثمانينات وادار تحرير مجلة الفكر وساهم وشارك في تأسيس عدة مجلات ادبية ومن اهم نشاطاته تأسيس اول جائزة عربية للرواية التي تكتبها المرأة تحت اسم الكاتبة للرواية، صدرت له تسع اعمال شعرية اضافة الى كتابه " الفردوس الدامي" ،"ثلاثة عشر يوماً في الجزائر" وكتابه الحواري "بيت بين النهر والبحر" الذي حاور فيه كبار الشخصيات السياسية والادبية على الساحة الفلسطينية. ويشرف الان نوري الجراح على مشروع ارتياد الافاق وهو المشروع الذي يهتم ويرمي الى بعث واحد من اعرق انواع الكتابة في ثقافتنا وسيدور هذا الحوار حول ادب الرحلة.
المحاور: سؤالنا الاول سيكون بالطبع عن مشروع الرحلات الادبية، لو تحدثنا قليلاً عن كيفية بداية الفكرة؟

الضيف: اول شئ المشروع اسمه مشروع ارتياد الافاق وهو مشروع جغرافي عربي ينطلق من الامارات ليلم بمجمل النتاج الذي كتبه وسجله العرب عبر عشرة قرون واعني به ادب الرحلة العربي قبل القرن العاشر الميلادي وحتى مطلع او النصف الاول من القرن العشرين، المشروع يرعاه وبطبيعة الحال مؤسسه الشاعر الاماراتي المتنور الاستاذ محمد السويدي، وهو يصدر عن دار السويدي في ابو ظبي بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

المشروع في اساسه وفي مرماه غير ربحي وهو عملية مشروع غير تجاري يهدف الى رصد الرحالة العرب والمسلمين وبناء مكتبة عربية من هذه الاعمال المتناثرة في المخطوطات والطبعات المبكرة غير المحققة تحقيقاً جيداً او الطبعات الحجرية التي هي عبارة عن اخراج كتب اكثر منه كتب.

وما دمنا نتحدث عن ادب الرحلة نتحدث عن ادب وضعه العرب والمسلمون ثمرة لتجوالهم ورحلاتهم وبحثهم في ديار الاخر وبحثهم في عالمهم وعوامل الاخرين التي تنتمي اليها ثقافات اخرى، بهذا المعنى المشروع يهدف رصد نظرة تحولات، نظرة العربي والمسلم الى ذاته من خلال الاخر والى الاخر من خلال وعيه بطبيعة اختلاف هذا الاخر واختلاف هذا الاخر واختلاف صياغته لحياته ورؤيته لوجوده على الارض.

بدأ المشروع عملياً تحت اسم ارتياد الافاق في سلسلة خططنا لها لتكون مئة رحلة وكان الاعلان عن هذه السلسلة مدهشة للقضاء العرب لكونهم في اكثريتهم لا يعرفون ادب الرحلة ما هو اكثر من رحلة ابن بطوطة وابن جبير وبالتالي اقول كان مدهشاً عندما عرفوا ان ابن خلدون له رحلة، ان الغرناطي له رحلة _الغرناطي المدفون في دمشق _ كثير من العلماء العرب والمسلمين لهم رحلات، لهم مخطوطات اولاً ومن ثم تحقيقها وبحثها ودراستها وتعليق هوامشها ومن ثم تقديمها تقديماً عصرياً هو بطبيعة الحال هو عمل مضني ولكن هذا العمل يقوم به فريق من المحققين وفريق من الاكادمين العرب موجودين في المشرق والمغرب العربي وبعضهم ممن يقيم في اوربا ايضاً.

بدأنا كما قلت بالاعلان عن اصدار مئه رحلة اصدرنا منها اكثر من خمسة وعشرين رحلة، ووجدنا ايضاً ان من المفيد والضروري تأسيس جائزة لادب الرحلة تحت اسم " جائزة ابن بطوطة " لادب الجغرافية وهذه الجائزة ليست مجرد جائزة احتفائية او جائزة اعلانية واعلامية وانما جائزة محرضة على الفعل اي محرضة على الكشف من المزيد من هذا الادب المغمور وفيه كنوز ولئالئ من المعرفة والاخبار والوثائق والمواد.

المحاور: طبعاً تحتوي على اشياء كثيرة منها الجغرافية والسياسة وطبيعة المجتمع الثقافي كيف تكون كل هذا يرى في ادب الرحلات.

الضيف: نعم ادب الرحلة غني كما تفضلت واشرت اليه، على ان الرحالة متنوعين خلفيات ومتنوعين المصادر التي صدروا عنها وهم ايضاً بين عالم وتاجر وباحث عن المعرفة وسائح في الارض وبين مفكر يريدان يمتحن فكره في مكان اخر او باحث في بيوغرافيا يريدان يجمع اخبار من يهتم باخبارهم من الاعلام في هذا البلد او ذاك.

كانت بطبيعة الحال الديار الاسلامية متسعة تبدأ من مكة والمدينة ولا تنتهي عند مشارف الصين فقط، فكان العلماء والتجار على طرق التجارة القديمة يتنقلون براً وبحراً، طريق الحرير، طريق التوابل وطرق اخرى، طريق الذهب ومختلف الطرق الاخرى ليحملوا معهم استعدادهم البحث عن ما هو موجود في الديار التي يحلون فيها وبطبيعة الحال كان الرحالة العرب يتجولون في الديار الاسلامية ويتجولون في الديار غير الاسلامية كأبن فضلان مثلاً واذا ما اردنا ان نفحص هذه الرؤية من خلال قراءتها نجد ونكشف طبيعة هذه النظرة ونجد ان الثقافة العربية والاسلامية انتجت في عصور معينة منها، انتجت رؤية تعترف بالاخر تقر الاختلاف لا تستعلي على الاخر وانما رؤية ذات بعد انساني جمالي وفكري وفيه شئ من الرحمة، تقدير اوضاع او اختلاف وحتى ضعف الحالة الانسانية في مكان ما او تخلفها، كما هو الحال بالنسبة لابن فضلان عندما وصف الصقالبة وتخلفهم ووضعهم الضلال، لكنه لا يصفهم من استعلاء كما فعل لاحقاً الرحالة الاوربيين الذين وصلوا الى الشرق لم ينقلوا صورة امينة كما نقلها قبلهم قبل الف سنة او اكثر ابن فضلان، ابتكروا صوراً للشرق ارادوا ان يروا الشرق على حال يريدون ان يرونها، كانت نظرتهم الى احد.

المحاور: نظرة مسبقة الى ان تكتمل هذه النظرة وارادوا ان يطبقوها كتابياً.

الضيف: ان يجدوها

المحاور: نعم ان يجدوها

الضيف: يعني هم اختلفوا الشرق وفي بعض الحالات الرسامين الذين رافقوا الرحالة الاوربيين الى الشرق رسموا الشرق خالياً من الناس الى من حضور فلكلوري من الناس، رسموا معابد مثل بعلبك مثلاً رسموها خالية فقط حجارة ضخمة كمن يريدان يقول تعالوا للغربيين تعالوا وخذوا هذه البلاد فارغة فهي لكم كما لو كانوا يقولون فانا احالول ان اؤول هذه الصورة، فاذن ارادت مخيلة فلوبير المريضة او مخيلته الابتكارية، اراد ان يرى صوراً برنو غرافية يحولها الى الغرب ليقول هذا شرق الف ليلة وليلة.

المحاور: هذا هو اكتشاف بلاد العجائب.

الضيف: ان يحولك الى اعجوبة يمكن التفرج عليها والتفكه بها، هذا لم يفعله المسلمون، المسلمون كانوا، اي واحد منهم ابن خلدون، ابن فضلان، ابو دلف المسعري الذي انطلق من البحر الاحمر وعبر بلاد فارس الى ارمينيا لم يدون شيءاً من هذا القبيل ولم تخلق مخيلته الصور، رسم الصور ودون الصور التي رأى ودون الحكايات التي سمع حتى عندما كان عجائبيه نحن نعرف العصور الوسطى، نفترض القرن التاسع او العاشر الميلادي والذي هو الثالث والرابع والخامس الهجري قرون كانت الاسطورة وكان العجيب والغريب موجود كنزوع جمالي عند القارئ في تطريف وتطرية الكناية نفسها الجغرافية او غيرها، وبالتالي عند المؤلف وكان هذا.

المحاور: منتشر ومستخدم في كتاباتهم

الضيف: على هامش العلم لا العلم نفسه وبالتالي لا اريد ان استطرد واتشعب كثيراً اقول ان المشروع مشروع فكري عربي ايضاً وليس مشروعاً ادبياً وحسب، مشروع يريد ان يقدم لابناء الشرق ولابناء العربية المادة الجغرافية ومادة ادب الرحلة لتعرفواهم اولاً عليها وليراقبوا وليتفحصوا تطور نظرة اجدادهم الى الاخر ومن ثم قد يجدوا فيها ما ينير رؤيتهم الى تراثهم والى حتى حاضرهم، نحن نعرف ان هناك اشكالية اليوم بين العرب والمسلمين والعالم العربي وهذه الاشكالية في نظري مصدرها او احد مصادرها سوء الفهم المبني على الجهل بالاخر والجهل على الاخر مبني على سياسة مقصودة وهي اني اريد ان اجهلك لأظل كما اريد، انك اخر ليس لاخذ به وانما لاجعله اخر ليس مختلفاً ومقبولاً اختلافه ثم اخر متخلفاً لان فيه من الحضارة ولا استقبله في رحاب الحضارة الا من خلال نظرتي اليها ومن خلال هيمنتي على الحضارة، هذا ما يفعله الغرب في ازدواجيته وفي الخلل اللا اخلاقي الكامل في
المزيد


حوار مع الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم

مايو 31st, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الشعر

 

حوار مع الشاعر أحمد فؤاد نجم 

 وليد الزريبي

 المتعة مضمونة في الحوار مع الشاعر الشعبي العربي المصري الشهير أحمد فؤاد نجم ولا يعرف محاوره من أية نقطة يبدأ. لأن أجوبته دائما تحمل حرارة الحياة وطعم الشعر والتحدي. يحكي نجم ويجيبك عن أي سؤال تطرحه أنت، وتتحمل جريدتك مسؤولية نشره. فلم يعترض، كما يفعل بعضهم، على سؤال متحجّجا أو متحرّجا، بل كان يجيب بتلقائية ساحرة عن أسئلة تنطلق من مواضيعه الشعرية الأثيرة والتي عرف بها، ورحلته الفنية الحميمة مع الشيخ إمام عيسى، وعن علاقاته بأهل الفن والسياسة، وعن شعره الذي سجنه وحرّره في الوقت ذاته، وعن " عزة " التي صارت رمزا للمرأة التي لم ينجح معها إلا شعريا، عن كل هذا تحدث نجم مشيدا بأبي الطيب المتنبي كأعظم شاعر أنجبته امرأة في هذه الدنيا…

* هل يستطيع المثقف العربي اليوم النجاة من السؤال السياسي؟

- من المستحيل أن ينجو المثقف العربي من السؤال السياسي، ولا أي كان ممن يعمل في المجال الفنّي والأدبي عموما، بحيث لا يوجد عمل إبداعي أو فنّي خال من السياسة. فأنت تخرج من البيت وتذهب إلى العمل وتذهب إلى المحلات لتشتري بضاعة… هذا عمل سياسي، وتعاطي لمفهوم السياسة، فالإنسان حيوان سياسي مثلما أشار عدة فلاسفة من العصر القديم أو الحديث، أي لا وجود لمثقف معزول عن السياسة، فالإنسان سياسي بطبعه وبشرط وجوده. فيما يخصني أنا لم أنج من السؤال السياسي، وأرجو أن لا أنجو منه، بل كان هو هاجس الإبداع والشعر بالنسبة لي، بل قدر الشاعر والمبدع العربي عموما أن يكون مسكونا بالسؤال السياسي، خاصة في ظل المراحل التي مرّت بها الأمّة العربية في تاريخها الحديث.

* والسياسة هل يمكن أن تتخلّى عن المثقف، في ظرف ما؟

- إذا كان للمثقف حسابات، وإذا كان المثقف غير ملتزم بقضايا أمّته، وعصره، ويحصر واقعه وسعيه وراء إنجازات ذاتية، شخصية، فسرعان ما يتخلى عنه كل من يحيط به، ويجد نفسه على الهامش معزولا عن الحياة والناس، بمعنى المثقف الذي تتخلى عنه السياسة هو الذي تخلى عنها في بداية وعيه كمثقف، فإن لم يصدّق نفسه كمثقف فسوف تحسم فيه السياسة.

* بأي معنى يظل كل شاعر عربي حفيد شهرزاد اللسانية، وهل يمكن للكتابة أن تتحول إلى مرادف الدفاع عن الحياة؟

- لغاية أن يرث الله الأرض ومن عليها، ما دمنا أحياء ومتواجدين بين أمّة فأنت نبتة أمة وثقافة، ستظلّ ملتزما بهذا، أن ترى الواقع وتتأمّل فيما حولك: هل هناك عدل؟ هل هناك ظلام؟ هل هناك نور؟… ستظلّ ملزما بإبداء رأيك ومرغما على قول الحقّ، أو تجد نفسك خارج الحياة، أو بالأحرى خارج حياتك.

* هل الكتابة قدر يختارنا أم نختاره؟

- الحقيقة وحسب رأيي الشخصي: هي قدر يختارنا، لكن نوع الكتابة ومضمونها نحن الذين نختاره، فأنا اكتشفت أنني موهوب كشاعر دون اختياري، لكني اخترت. شاعر بماذا؟ شاعر مع من؟ وضدّ من؟ اخترت أن أكون بين الناس، اخترت كيف أمشي متوازنا بما لم أختر؟ بمعنى آخر الكتابة قدر يختارنا لنُبْتلى باختياره طوال حياتنا.

* قصائد أحمد فؤاد نجم صارت لها سلطة، ولها حراس مؤسسة بامتياز، ألا تخاف أن تتحوّل أنت نفسك إلى مؤسسة؟

- لا… لن أتحوّل إلى مؤسسة لأني بلا احتياجات، ليس لي حبّ امتلاك أي شيء، ومثلما تراني هكذا في "جلابيّة" و"شبشب" أذهب إلى أوروبا وأسافر في الوطن العربي هكذا، أنا لا أجوع مثل الناس، أنا كلّما تذكرت الأكل أشرع بالأكل، أي ليست هناك حاجة تستعبدني فأضطر إلى أن أكون مؤسسة حتى ألبّيها، فليست هناك حاجة ملحّة في حياتي ترغمني على التعامل مع المؤسسة، فما بالك بأن أتحوّل أنا إلى مؤسسة.

* الكثير من الشعراء العرب تحولوا إلى مؤسسة بموجب ودونه، هل هي نهاية الشعر أم الإنسان؟

- عندما يتحوّل الشاعر إلى مؤسسة فإنه آليّا ينتهي كشاعر، فإمّا أن يكون شاعرا أو يكون مؤسسة، لأنه من المستحيل أن يوفّق بينهما، فكثيرا من الشعراء العرب فعلا تحولوا إلى مؤسسة، لكنهم انتهوا كشعراء، بل هناك من انتهى كإنسان.

* هل حقّا أن الكتابة منازلة للمكبوت الفردي والجماعي؟ إن كان الأمر كذلك فأي مكبوت تفصح عنه في كتاباتك؟

- أفصح عن الظلم الذي يعاني منه شعبي وأمّتي، أفصح عن الطموح واستشراف المستقبل الأفضل، فعندما يسألونني: هل مازال لديك أمل؟ أقول: نعم، لي أمل. فعندما أطلب من مصر أن تلد مولودا جديدا فهذا ليس بجديد، فهي فعلت أكثر من مرّة في التاريخ، الكلّ يعرف أن الرجل الإغريقي والمؤرخ هيرودوت هو من نقلوا عنه العبارة الخائبة "إن مصر هبة النيل"، النيل موجود في السودان، وفي إثيوبيا أيضا، فمصر ليست "هبة النيل" مثلما قال هذا الإغريقي، إنها هبة المصريين، نعم مصر هبة المصريين، هبة الفلاح المصري. هو دور مصر الحضاري، إنّها شمعة مستقرة في قاع النهر كلّما أظلم العالم تطفو على السطح، هو دور حضاري قامت به من قبل وعبر تاريخها العريق القديم، قامت به أيضا بعد الإسلام وأثناء الإسلام، فأنا لا أطلب منها المستحيل، عندما أطلب منها أن تستيقظ وتلعب دورها الحضاري. فأنا لم أتفاءل من قبل أكثر من تفاؤلي اليوم، عندما تنتهي الأنظمة العربية وينتهي بها الأمر إلى التآكل وإلى الخنوع، إعدام صدام حسين مثلا فضيحة لهم كلّهم، وصدّام ليس صلى الله عليه وسلم، هو حاكم مستبد لكن فقط لأنه أبدى شجاعة أربع دقائق أصبح بطلا، وهو يذكرنا بعبد الناصر الذي كان له ضحايا كثر لكنّه كان شجاعا فسار في جنازته خمسة ملايين من البشر، أما السادات فقد هربوا بجنازته وأخرجوها بطريقة شبه سريّة لما سجّله من خنوع وغياب الشجاعة.

* ألا يكون الفرق الوحيد بين جنازة جمال عبد الناصر وجنازة صدام حسين هو عدد المشيعين؟

 - صدّام حسين استحوذ على قلوب الناس، قلوب كل العرب، وذلك الإحساس الرهيب كون أ الإعدام حصل يوم عيد الأضحى، كان بصقة في وجوههم، وهذه البصقة كانت منذ اغتصاب فلسطين وضياع لبنان ثم العراق. فليس بجديد علينا الإهانة ومحاربة مشاعرنا وتحطيم معنوياتنا، لقد تعودنا على الإهانات.

* جيلكم الأدبي اكتوى بنار الشعارات والهتافات، وتآلف مع الخيبات والبطولات الوهمية، في حين أن الجيل الجديد ليس له ما يخسر على الأقل حتى الآن؟

- أنا أراهن على الشباب.. قد تسألني لماذا؟ لأن الشباب العربي من المحيط إلى الخليج ولأول مرّة في التاريخ الحديث يصل إلى التكافؤ، وفرصته خاصة في مجال الانترنت والكومبيوتر.. فأنا قلت مرة لصحيفة "النيويورك تايمز": "بعد عشرة أو عشرين سنة سيبقى أعظم عشرة عباقرة في هذا المجال، وسيبقى منهم ثلاثة عرب على الأقل". فالشباب العربي اليوم بصدد أخذ فرصته في عدة مجالات نحن حرمنا منها.

* هل يمكن للشاعر أن يتخلى عن إنسانيته من منطلق الدفاع عن المصير الإنساني؟

- ليس للناس إحساس واحد بالوجود، فمثلا مكسيم غوركي يقول: "جئت إلى هذا العالم لكي أختلف معه". نحن موجودون ولا بدّ أن يكون لنا ملاحظات على هذا الوجود عبر الأحلام والأمنيات في اتجاه الأفضل. فأنا مثلا أرى أن الإنسان سيّد هذا الوجود، وأيّ قضية يعانيها أو تمسّ من سيادته إنّما هي قضيتي. الإنسان أينما كان هو قضيتي، فمثلا لا أستطيع أن أرى طفلا يتعذب وأنسى ذلك وأتجاوز، تلك هي قضيتي، وعذابه هو عذابي بل مسؤولية مشاعري وإرادتها رغما عني في التفاعل والتماهي مع هذا الطفل المعذّب.

* أدب أحمد فؤاد نجم اندمج في الجو السياسي الذي غمر مصر إبّان الثورة، الجو الذي قامت فيه الثورات والبطولات والرّجال. هل يمكن اعتباره العمل الوحيد الذي خرج من صلب التحرّك الجماهيري واندمج فيه بصورة نهائية؟

- لا.. ليس بالعمل الوحيد. هناك الكثير خرجوا من صلب الجماهير ولم يندمجوا في السياسة أو بالأحرى في السلطة. أنا انتظرت، انتظرت مع الناس، انتظرت مع الكوم الكبير إن صحّ التعبير، فاختيار الناس هو الأضمن في الانتظار معهم. هم الأبقى وهم الأشرف.

- كيف ترجمت وفاءك لهذا " الكوم " البشري الذي لا نشك في أنه قد ألهمك كثيرا؟

* طبعا. فمن أين أجيء بالشعر؟ أو من أين جاء صلاح جاهين بالشعر؟ أليس من الآباء والأمهات؟ فهم الذين علّمونا، فاختلافي إلى اللهجة العامية في الوطن العربي لأنها مليئة حكما وبلاغة شبيهة بحكم وبلاغة المتنبّي. عندما أستمع إلى موّال شعبي كأنه المتنبي يغنّي ويتكلّم، مثلا هناك أغنية فلاّحية تقول كلماتها: "يا حلواني بيع الحلاوة اللّي عندك، يا حلواني عضّيتو عضّة وبانت مطرح أسناني، خرّ العسل يا جميل وشربتو بأجفاني"، صورة قد لا يستطيع المتنبي تصويرها. فأنا ابن هذه الصورة وأحيانا هي ابنتي، ابن هذه الثقافة ولي الشرف أن أكون ابن هذه الثقافة. لذا لن أخونها أبدا.. ولو خنتها فإنّي أخون نفسي.. ومزابل التاريخ مستعدّة لاستقبال من يخون ثقافته وأمّته ومن يخون نفسه.

* هل أنت متفائل بمستقبل هذا الجيل، وهل تراهن عليه؟

- نعم.. جيل الانترنت أوفر حظا، وأقلّ حرمانا من جيلنا، وأنا كما ذكرت أراهن عليه كثيرا في تحمّل مسؤولية وجود أقل إهانة، وهزائم وانكسارات من وجود جيلنا، وأخذ زمام الأمور في العناية بالإنسان العربي المهموم. أنا لن أموت إلا إذا رأيت هذا الجيل يحاول إصلاح الوطن ويفرض احترام العالم لنا، حينها سأقول: سلام عليكم، إنني ذاهب.

* هل راودتك ولو مرّة فكرة اغتيال نفسك؟

- لن أفكر في هذا مطلقا. فأنا إنسان أحب الحياة حبّا كبيرا. أنا أحبّ أحمد فؤاد نجم كثيرا.. ولو أستطيع فإني أريد أن أبدأ الحياة من جديد، فإني سأختار أن أكون هكذا، أختار أن أكون أحمد فؤاد نجم اليتيم، الفقير، الذي رفض الخروج من مصر ومن أحلامه ومن معانيها… الذي رفض الخروج من نفسه، ومن حبّه لمصر، وللعرب، وللإنسان، رغم ما عاناه من ظلم. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ما تمنيت أن أرى رجلا في الجاهلية مثل عنترة بن شداد" وكان يقول للناس: "علّموا أولادكم حديث وشعر هذا الفارس". ثم أريد أن أخبركم شيئا وهو أن أشعر شعراء العرب هم أفرس فرسانهم إن صحّ التعبير، وهي ليست صدفة فالشاعر الذي لا يفهم الفروسية ولا يمارسها ولا يكون رجل القبيلة وحاميها لن يكون شاعرا كبيرا عند قومه. والشاعر الذي لا يكون فارسا بأي طريقة وفي أي مجال فأحرى به أن ينصرف إلى شغل آخر، ينصرف إلى الزراعة أو أي شيء آخر، فالفروسية ولو في الأفكار والمعاني هي شرط الشاعرية.

* هل نحن أمام عمل أدبي يرتهن بمهمّة واحدة هي مخاطبة الجماهير وإعدادها سياسيّا، وكون هذا العمل الأدبي سياسيا صرفا، هل يفقره فنيّا؟

- الحمد لله أنا لا أعاني من الفقر الفنّي في كتاباتي السياسية كما صنّفتها، بالعكس أنا يمكن أن أكون النموذج الفني بالنسبة للذي يريد العمل في السياسة والنضال، إذ لابد أن يكون هناك بعد جمالي. فقد حصل استفتاء حول شعري: هل فيه فنيات أم لا؟ لكن عندما أذهب إلى أي بلد عربي أجد الناس يحفظون شعري، والذي يسعدني ويطربني ويهبني الأمل هو أن الشباب الجديد هو الذي يحفظ شعري، فهم المستقبل وبالتالي يمكن القول إن نفاذ قصائدي عائد إلى اشتغالي عليه فنيا وأدبيا، فالقصيدة بالنسبة لي ليست خطابا سياسيا فقط بل يجب أن تتوفر على الشرط الأدبي والفني الذي يكسبها مكانة في العقول وفي القلوب أيضا، وعندما تقول "هذه قصيدة" يعني آليا فيها فن وإلاّ ما كانت لتعدّ قصيدة.

* هل كتبت في وقت من الأوقات بدافع تحريض الجماهير؟

- طبعا.. مثل قصيدة "شرفت يا نكسن بابا".. كانت طلقة وصرخة لابدّ أن تخرجها في زمنها، لكن الآن عندما تعيد سماعها فإنّك تستمتع بها لأن فيها خيطا يربطك بالدم المصري. فابن البلد بذكائه ليس مغفلا كي يكتب أدبا في خضم واقع سياسي يكون خاليا من الفن، لن يستطيع أن يعيش المرحلة ولا أن يسمعه الناس إذا خرج عن الإطار الفنّي. إنه شرط تصديق الآخرين له، فالناس تميل إلى تكذيب الكلام السياسي الصّرف.

* لكنك اشتهرت بأنك اقتصرت في كتابتك على المسألة الوطنية السياسية؟

- لا.. أنا

المزيد


حوار مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم

مايو 31st, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الشعر

 

حوار مع الشاعر الفلسطيني

سميح القاسم

 

 

وليد الزريبي

1- الآن، كيف ينظر سميح القاسم إلى تجربته الشعرية، إلى مسيرته الطويلة، هل ندمت على بعض الكتابات؟ هل ثمة كتب لو قُدر لك إعادة كتابتها كنت تلغيها؟

* لا أريد أن أبدو مغرورا ولا أحب الغرور.. وتعرفون أنني بعيد جدا عن سمة الغرور. لكن هناك مسألة أصرّ عليها أعتبرها من حقي الشرعي. أعتقد أني أنقذت الشعر العربي الحديث من عوامل السقوط والتقدِّم والهجانة. أعتقد أنني أجسّد الحداثة الشعرية العربية.

إذا كان المقصود الشكل فهذا أمر طبيعي أنا لم أتخلّ عن العمود الكلاسيكي في أي وقت من الأوقات. كتبت قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة والكلاسيكية، الشكل لم يربكني في أي وقت من الأوقات أحب العمودي في الشعر العربي بولع أعشق الأوزان العربية وهي أجنحة حرية وليست قيود كما يدّعي بعض الجهلة الذين لا يتقنون ولا يتمكنون من العروض لا يعرفون سر العروض إذا تحولت الأوزان إلى جزء من نصك الشخصي فهي تصبح أجنحة حرية ليست قيودا على الإطلاق ولذلك أنا مع الحرية المطلقة في العملية الإبداعية ولا أسميها أصولية.

 

2- هل يستطيع الشاعر الفلسطيني التنصّل من السؤال السياسي؟

* لا يستطيع الشاعر الحقيقي النجاة من جميع الأسئلة، بما فيها السؤال السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

الشعراء المستنسخون من طراز النعجة "دولي" يستطيعون الاختباء وراء جينات التهجين والهرب من الحياة نارًا ونورًا، عذابًا وحُلمًا.

أنا لستُ من هؤلاء كما تعلم ولن أكون منهم وأستذكر دائما قول ماركي أو أنجلس لا أذكر: " ليس لي قَفَا ثور لأديره لهموم الجماهير ".

الدعوة لإخراج الشعر من السياسة وإبعاد السياسة عن الشعر، هي في صلبها دعوة سياسية رجعية قبيحة تُريد تجريد الإنسان من أحد أسلحته القوية في الدفاع عن إنسانيته ولن تجد خارج الهم الإنساني شعرا جميلا وإنسانيا.

ولتهوين المسألة وتوضيحها أنا أحب النقيضين بيكاسو ودالي. لكني أحترم بيكاسو أكثر ممّا أحترم دالي. وأفضل العمل الفني العظيم بمضمون إنساني عظيم.

لا أعترض على نظرية الفن للفن لكني لا أُدخل نباحها إلي بيتي. مع حرية الإبداع لكني أدافع عن الالتزام وأستحضر دائما ما كتبه نيرودا في تقديم منتخبات من أشعار صديقي الراحل الكبير رافائييل ألبرتي، في ذلك التقديم عبارة بسيطة لكنها تعني كل شيء " يخرج الشعر من السلام، كما يخرج الخبز من الطحين ".

فالنضال من أجل السلام والحرية هو في عمقه نضال من أجل الشعر. وأستهجن أن يطالبني أحد بتجنب العوامل السياسية وأنا ابن أمة مذبوحة وشعب مغتصب ووطن ضائع، وأعني الوطن الصغير فلسطين، والوطن الكبير من محيطه إلى خليجه. من واجبي تدريب العبيد على الحرية.

 

3- ألا تعتقد أن جيلكم الشعري أقل حظا من جيل ما بعد " السلام "؟

* السؤال المطروح عادة يقول أن جيلنا أوفر حظا من الأجيال اللاحقة وهذا الكلام مرفوض.كل جيل يفرز شعراءه وكل جيل يشكل صوته وصورته.

أن لا أقرّ نظرية صراع الأجيال لا في الشعر ولا في أي شيء آخر. أنا أقرّ بتواتر الأجيال، وتكامل الأجيال. الصراع يجري في كل جيل. داخل الجيل الواحد يجري صراع شرس حول الذائقة الفنية والمعنى الإبداعي.

هناك معارك لم تحسم على مرور الأجيال. فكرة السّقف غير القابل للاختراق هي فكرة باطلة في رأيي. البعض يزعمون أن جيلنا شكّل سقفا غير قابل للاختراق وهذا غير صحيح. لدي قناعة أن هناك أصوات عديدة في الوطن العربي تستطيع إثبات وجودها بتقاطيعها الخاصة وملامحها الخاصة. أنا متفائل بهذا المعنى لكن أرفض محاولة تجريد أي جيل من انجازاته الخاصة والمتميزة. وأرفض الروح العدائية التي توجّه من الأجيال الجديدة للأجيال السابقة. حتى في تونس هناك من يحاول تجريد الشابي من مكانه ولا خطيئة للشابي، لم يرتكب جريمة، كان شاعرا فحسب. لم يغتصب مكان أحد، ولم يلغ مكانة أحد. وأنا لم ألغ شاعرا فلسطينيا ولم أمحُ موهبة شاعر، لا فلسطيني ولا تونسي ولا ليبي ولا مصري. فلا مبرّر للعدائية.

 

4- كيف يتفرّد الشاعر بصوته؟ هل للعوامل التاريخية دور؟ وكيف يصبح مختلفا؟

* أنا قادم فقط بالصدق، الصدق بالمعنى الفني والمعنى الأخلاقي بكل معنى الكلمة والصدق الفني أن يبني قصيدته على مادة تجربته ألا يستعير من الآخرين. وفي الشعر العربي ظاهرة، ظاهرة السرقات، السّطو. حدث ولا حرج. الترجمة والافتعال كلها أمور في نهاية المطاف تلغي شخصية الشاعر. الصدق بالمعنى الفني والأخلاقي واختزال التجربة، لا يوجد شاعر بدون تجربة عميقة وعريضة وطويلة، لا يمكن.. تجربة الحياة بكل ما تعنيه الحياة من خير وشر وحزن وفرح وانجاز وإحباط وحب وكراهية وغضب بدون الإيغال في الحياة بكل صورها وأشكالها لن تنتج تجربة شعرية جديرة بالبقاء ومتميزة.

 

 

5- في مستقبل الشعر العربي ربما بعد خمسين سنة هل تتوقع أن يتم العودة القوية أو الحنين القوي إلى القصيدة التي تعتمد نظام الشطرين أو القصيدة العمودية؟

* هي لم تمت حتى نعود إليها موجودة أنت تعرف أنها وُجدت بقوة عند الجواهري وتعرف أنها موجودة عندي أيضا بقوة وبعنفوان. أنا أرفض الادعاء بأن الرواية ستحتل مكانة الشعر وقصيدة النثر ستحتل مكان القصيدة العمودية هذه كلها افتراضات غير دقيقة وغير علمية وغير محسوبة، تستطيع قصيدة النثر أن تتعايش مع القصيدة العمودية إذا كانت هذه القصيدة حقيقية وتلك قصيدة حقيقية لا تناقض بين الأشكال، هذا التناقض مفتعل هو مستورد وهو اختراع الآن في أوروبا يعودون إلى الأشكال الكلاسيكية القديمة في بريطانيا وفرنسا وفي ألمانيا هناك عودة.

كنت قبل حين دعيت إلى جامعة روما أصدروا لي مجموعة باللغة الإيطالية وأقاموا حفلا وأمسية وقرأت واخترت أن أقرأ بعض القصائد العمودية وفوجئت بشعراء إيطاليين يقولون إنهم يعودون إلى الكلاسيك الإيطالي ليس لإخلاء الحديث الإيطالي بل لرغبة التنوع والتعدد والتجدد المستمر وإذا التغى العمود الشعري بالمناسبة هذا يعني زوال التراث الشعري العربي من شعراء الجاهلية إلى المتنبي إلى الجواهري.

 

6- أقصد دعوة منظمة على غرار ما هو سياسي؟

* لن تنجح، لن تنجح أية دعوة منظمة لن تنجح. جامعة الدول العربية اذا اتخذت قرارا فستفشل وأية دولة ستفشل. في الثقافة وفي الإبداع لا وجود للقرار هناك قرار غربي أمريكي مع بعض التافهين الرجعيين العرب لإلغاء أمور ثقافية كثيرة لكنها لن تنجح.

 

7- زرت الكثير من المهرجانات الشعرية الدولية، وبطبيعة الحال أنت عربي وزرت الكثير من البلدان العربية، كيف ترى الشعر أو منزلة الشعر وجمهور الشعر العربي بالمقارنة مع الجمهور الغربي. هل تراجع هذا الفن في بلداننا خاصة ونحن أمة يقال أن الشعر هو فنها الأول؟

* قرأت لجماهير أوروبية ليس لعرب في أوروبا، بل دُعيت لأمسيات لجماهير أوروبية ولا أنسى في ستوكهولم حين سلم علي شاعر سويدي وقال " ليتني أملك في السويد جمهورا كجمهورك من السويديين ". في الوطن العربي الشعر مازال سيد الإبداع، وأعتقد أنه سيظل سيد الإبداع إلى قرون. المشكلة في العلاقة: الفضائيات، الانترنت، الفيديو.. كل هذه الأمور قلصت جمهور الشعر بدون شك. لكن هناك مشكلة أيضا في المؤسسة الثقافية ينظمون مهرجانا في عاصمة عربية ولا يضعون ميزانية للإعلان وللإعلام. الشاعر لا يحصل على الاعلان لأمسيته وهذه حالة عربية في أقطار سايس بيكو في حظائر سايس بيكو هناك ظاهرة مرضية التخلي عن الكرامة القومية والسياسية والثقافية. هناك سقوط ثقافي وأنا قلتها في تونس وفي مصر وفي كل مكان أقولها الثقافة خندقنا الأخير كعرب إذا سقط هذا الخندق " كفّك على الضيعة " كما يقال في لبنان. سنتحول إلى ما يشبه أمريكا اللاتينية تلتغي الأمة العربية لنتحول إلى توانسة وليبيين وفلسطينيين ومصريين وعراقيين إلى آخره من بذاءات سايس بيكو، وحراس سايس بيكو معنيون بهذه التجزئة، معنيون بالقضاء على الخندق الثقافي. السؤال هو هل نسمح لهم بذلك أم لا. أنا لا أسمح بذلك، لا أسمح للجامعة العربية مجتمعة بخلخلة الروح القومية العربية الحضارية الراقية في الوطن العربي. مادمت على قيد الحياة أحارب من أجل الدفاع عن كرامتي وعن ثقافتي وعن قصيدتي وعن قصيدتك وعن قصيدته، دفاعا عن وجودنا. لكن القول بزوال الشعر وانتهاء زمن الشعر كلام فارغ يجوز هذا القول في أمريكا اللاتينية. الرواية في أمريكا اللاتينية تفوقت. أصبحت ديوان شعوب أمريكا اللاتينية. لأنهم قدموا نماذج روائية رائعة ومذهلة، قدموا

المزيد


حوار مع الشاعر البحريني قاسم حداد

مايو 31st, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الشعر

 

حوار مع الشاعر البحريني قاسم حداد     

وليد الزريبي

أضع المرآة على الطاولة. أحملق، وأتساءل: من يكون هذا الشخص؟ أكاد لا أعرفه. أستعين بالمزيد من المرايا. وإذا بالشخص ذاته يتعدد أمامي ويتكاثر مثل الصدى كارتدادية الجبال، فأتخيل أنني قادر على وصفه: إنه قاسم حداد.. تقريبا/

الشاعر العربي قاسم حداد من مواليد البحرين عام1948. تلقى تعليمه بمدارس البحرين حتى السنة الثانية ثانوي. التحق بالعمل في المكتبة العامة منذ عام 1968 حتى عام 1975، ثم عمل في إدارة الثقافة والفنون بوزارة الإعلام من عام 1980. شارك في تأسيس ( أسرة الأدباء والكتاب في البحرين ) عام 1969. شغل عدداً من المراكز القيادية في إدارتها. تولى رئاسة تحرير مجلة كلمات التي صدرت عام 1987. عضو مؤسس في فرقة (مسرح أوال) العام 1970. يكتب مقالاً أسبوعياً منذ بداية الثمانينات بعنوان (وقت للكتابة) ينشر في عدد من الصحافة العربية.كتبت عن تجربته الشعرية عدد من الأطروحات في الجامعات العربية والأجنبية، والدراسات النقدية بالصحف والدوريات العربية والأجنبية. ترجمت أشعاره إلى عدد من اللغات الأجنبية. حصل على إجازة التفرق للعمل الأدبي من طرف وزارة الإعلام نهاية عام 1997. شارك في عدد من المؤتمرات والندوات الشعرية والثقافية عربية وعالمية منها: ملتقى الشعر العربي الأول.1970مهرجان المربد- بغداد- 1974مهرجان أصيلة العاشر 1987- المغرب- 1986مهرجان جرش- الأردن- 1997المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب اللبنانيين- بيروت 1984مهرجان الإبداع – القاهرة ندوة العمل الثقافي المشترك (الكويت/الرياض)1985 المهرجان العالمي الأول للشعر - القاهرة لقاء الشعر العرب الفرنسي- غرنوبل-فرنسا/الرباط-المغرب 1986لقاء الشعر العربي في نانت-فرنسا 1990الندوة الشعرية في مئوية جامعة جورج تاون- واشنطن 1989. 

ندوة الانتفاضة الفلسطينية-صنعاء 1989, مهرجان الشعر العربي - الأول مسقط - عمان
ملتقى الشعر العربي الأول- تونس
1997مهرجان الشعر العربي الأسباني- صنعاء - 1990
مهرجان الجنادرية - الرياض –السعودية المؤتمر الثاني لاتحاد الكتاب اللبنانيين - بيروت
1994معرض الكتاب في الشارقة - الإمارات العربية المتحدة معرض الكتاب في أبوظبي - الإمارات العربية المتحدة مهرجان القرين - الكويت - 1994ندوة أبو القاسم الشابي- فاس - المغرب - 1994ندوة التنوير- أبوظبي مهرجان الشاعر عرار – الأردن مهرجان الشعر العربي في الرباط- 1997مهرجان لوديف-جنوب فرنسا- 1999مهرجان مؤسسة الهجرة للثقافة العربية- أمستردام- هولندا - 1998مهرجان ربيع الشعر في معهد العالم العربي- باريس 2000مهرجان الشعر العربي الألماني- صنعاء - اليمن 2001 مهرجان الشعر العربي الثاني - بيت الشعر -الأردن 2001الأسبوع الثقافي لمؤسسة المدى- دمشق- 2001 ندوة الثقافة العربية والنشر الإلكتروني- الكويت 2001 أمسية شعرية في كلية التربية في مدينة عبري - سلطنة عمان - 2001المهرجان العالمي للشعر في ميدلين- كولومبيا – 2001. صدر للشاعر حتى الآن: البشارة - البحرين– أبريل 1970خروج رأس الحسين من المدن الخائنة-بيروت-أبريل 1972. الدم الثاني - البحرين - سبتمبر 1975. قلب الحب - بيروت - فبراير 1980. القيامة - بيروت – 1980.شظايا - بيروت - 1981 . انتماءات - بيروت - 1982. النهروان - البحرين - 1988 . الجواشن (نص مشترك مع أمين صالح) - المغرب - 1989 . يمشي مخفوراً بالوعول - لندن – 1990.عزلة الملكات - البحرين - 1992. نقد الأمل - بيروت – 1995. أخبار مجنون ليلى ( بالاشتراك مع الفنان ضياء العزاوي ) لندن / البحرين - 1996. ليس بهذا الشكل ، ولا بشكل آخر - دار قرطاس - الكويت -1997 . الأعمال الشعرية - المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت - 2000. علاج المسافة - دار تبر الزمان - تونس - ‏2000‏-. له حصة في الولع - دار الانتشار - بيروت – 2000.المستحيل الأزرق (كتاب مشترك مع المصور الفوتغرافي صالح العزاز). ترجمت النصوص إلى الفرنسية / عبد اللطيف اللعبي، والإنجليزية / نعيم عاشور- طبع في روما -2001.

المزيد


التالي