حوار مع الفيلسوف مارتن هايدجر

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الفلسفة والفكر

 

 حوار مع مارتن هايدجر

 أجرى الحوار: ريتشارد فيسر R.Wisser

ترجمه عن الألمانية: إسماعيل المصدق

نقدم فيما يلي ترجمة للحوار الذي أجراه ريتشارد فيسر مع هايدجر لفائدة إحدى قنوات التلفزة الألمانية ونشر في إطار مؤلف جماعي تحت إشراف ريتشارد فيسر عن دار النشر Karl Alber، فرايبورج، ميونيخ 1970، ص: 67-77. وقد ألحقنا بالنص عدة هوامش، إما لتفسير الترجمة العربية لبعض المصطلحات والتعابير أو لتوضيح بعض القضايا والأفكار التي وردت في الحوار. والحوار يتناول قضايا هامة مثل: الفلسفة والمجتمع والفلسفة والتقنية، والفلسفة والكائن الخ.

فيسر:

السيد الأستاذ هايدجر! هناك في زماننا أصوات ترى أن تغيير العلاقات الاجتماعية هو المهمة الحاسمة في الوقت الحاضر ونقطة الانطلاق الوحيدة الواعدة بالنسبة للمستقبل؛ هذه الأحداث يتكاثر عددها وتزداد قوتها باستمرار، ما هو موقفكم إزاء مثل هذا الاتجاه لما يسمى "بروح العصر"، مثلا فيما يخص إصلاح الجامعة؟

هايدجر:

سأجيب عن السؤال الأخير فقط؛ ذلك أن ما سألتم عنه قبل ذلك واسع جدا. والجواب الذي أعطيه لكم، هو نفس الجواب الذي أعطيته قبل أربعين سنة في محاضرتي الافتتاحية بجامعة فرايبورج سنة 1929.

أورد لكم جملة من محاضرة "ما هي الميتافيزيقا؟": "إن مجالات العلوم بعيدة جدا عن بعضها البعض، وأساليب معالجة موضوعاتها تختلف اختلافا أساسيا. هذه التعددية المتفتتة للشعب لا تتم المحافظة على تماسكها اليوم إلا بواسطة التنظيم التقني للجامعات والكليات، كما لا تتم المحافظة على دلالتها إلا بفضل توجيه المواد نحو غايات عملية، في حين أن تجذر العلوم في أساس ماهيتها قد اضمحل."

أعتقد أن هذا الجواب يجب أن يكون كافيا.

فيسر:

هناك دوافع متباينة تماما هي التي قادت إلى المحاولات الحديثة الرامية إلى تغيير التوجيه فيما يتعلق بتحديد الأهداف وإلى "تحويل بنية" المعطيات الواقعية داخل المستوى الاجتماعي أو كذلك مستوى العلاقات بين الناس. جلي أن في هذا الأمر كثيرا من الفلسفة، فيما هو إيجابي وفيما هو سلبي.

هل ترون أن هناك مهمة اجتماعية للفلسفة؟

هايدجر:

لا! لا يمكن الحديث عن مهمة اجتماعية بهذا المعنى.

إذا أردنا أن نجيب على هذا السؤال فينبغي أولا أن نسأل: "ما هو المجتمع؟" وأن نتذكر بأن المجتمع اليوم ليس سوى صيغة مطلقة للذاتية() الحديثة، وبأنه انطلاقا من ذلك، فإن فلسفة تخطت زاوية نظر الذاتية ليس لها الحق في أن تساهم في ذلك.

أما السؤال: إلى أي حد يمكن الحديث عموما عن تغيير المجتمع، فهو سؤال آخر. إن السؤال عن ضرورة تغيير العالم يعود إلى جملة لكارل ماركس من "أطروحات حول فويرباخ"، وهي جملة يتم الاستشهاد بها كثيرا.

أريد أن أنقل هذه الجملة بدقة وأن أتلوها أمامكم: "لم يقم الفلاسفة إلا بتأويل العالم بكيفيات مختلفة، في حين أن المهم هو تغييره."

يغفل المرء عند الاستشهاد بهذه الجملة والأخذ بها أن تغيير العالم يفترض تغيرا في تصور العالم، وأنه لا يمكن الوصول إلى تصور للعالم إلا إذا تم تأويله على نحو كاف.

يعني هذا أن ماركس في مطالبته "بتغيير العالم" يستند إلى تأويل محدد تماما للعالم، وبذلك يتبين أن هذه الجملة غير مؤسسة. إنها تولد الانطباع بأنه قد تم الحديث بكيفية جازمة ضد الفلسفة، في حين أن القسم الثاني من الجملة يفترض ضمنيا ضرورة الفلسفة.

فيسر:

كيف يمكن أن تصير فلسفتكم اليوم فعالة في مجتمع مشخص له مهامه وهمومه المتعددة، متاعبه وآماله؟ أم هل الحق هو بجانب نقادك الذين يدعون بأن مارتن هايدجر ركز اهتمامه على "الكون"() إلى حد أنه ضحى بالشرط البشري، أي بكون الإنسان في المجتمع وكشخص؟

هايدجر:

هذا النقد يقوم على سوء فهم كبير! فسؤال الكون وبسط هذا السؤال يفترضان بالضبط تأويلا للدازاين()، أي تحديدا لماهية الإنسان. والفكرة الأساسية لتفكيري هي بالضبط أن الكون وبالتالي انفتاح الكون يحتاج إلى الإنسان، وأن الإنسان لا يكون بدوره إنسانا إلا لأنه يقيم في انفتاح الكون.

بذلك يجب أن يكون قد تم الحسم في السؤال: إلى أي حد اهتممت فقط بالكون ونسيت الإنسان. لا يمكن أن نسأل عن الكون دون أن نسأل عن ماهية الإنسان.

فيسر:

قال نيتشه ذات مرة: الفيلسوف هو الضمير المعذب لعصره. لنترك جانبا ماذا قصد نيتشه بذلك. ولكن تأمل محاولتكم لكشف تاريخ الفلسفة لحد الآن كتاريخ للتدهور فيما يتعلق بالكون، ثم بالتالي لتقويض هذا التاريخ، ربما يغري البعض بأن يسمي مارتن هايدجر الضمير المعذب للفلسفة الغربية.

أين ترون السمة، حتى لا أقول العلامة الفكرية، التي تميز على الأكثر ما تسمونه "نسيان الكون" أو "هجران الكون"؟()

هايدجر:

يجب علي في البداية أن أصحح سؤالكم من أحد الجوانب عندما تتحدثون عن تاريخ للتدهور. لا يجب فه

المزيد


حوار مع المفكر الألماني هابرماس

يونيو 9th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الفلسفة والفكر

حوار مع المفكر الألماني هابرماس

ي . هابرماس

كانت مجلة (Autrement) الفرنسية (العدد 102) سنة 1988 قد أجرت حوارا عميقا، مضمونا وأفقا، مع الفيلسوف الألماني ي. هابرماس. وكنت قد ترجمته ونشرته بجريدة العلم المغربية يوم الإثنين 7 يونيو 1993، وعند مراجعتي له، قبل أيام، وجدته ما زال واردا. ويسعدني أن أعيد نشره على نطاق واسع في هذه المدونة. وقد صححت بعض أخطاء الرقن التي وردت فيه حين نشر أول مرة. وعنوان الحوار من اقتراحي.

الحداثة والتواصل والديمقراطية

حوار مع المفكر الألماني ي. هابرماس

سؤال: إن مشروعكم الرامي إلى استعادة روح الحداثة، وإعادة بناء نظرية موحدة عن العقل، قادكم إلى انتقاد أولئك الذين سموا بما بعد الحداثيين، أي أولئك الذين يظنون أنه من غير الممكن بتاتا أن يكون المرء حديثا اليوم (وأعني هنا ليوطار وديريدا وفوكو… أو ما يمكن أن يسمى عموما بالفلسفة الفرنسية). هل يمكنكم أن تحددوا بالضبط ما يفصلكم عن هؤلاء المفكرين؟

هابرماس: لا أحب أن أحشر أناسا مختلفين في علبة واحدة، كما بعد الحداثة، التي تبقى في نهاية المطاف علبة سوداء. ما قمت به في كتابي خطاب الحداثة الفلسفي ينحصر في رواية قصة تشرح الموقف الذي وقفه الفلاسفة (الفلاسفة الألمان خاصة) منذ نهاية القرن 18 مما أدركوه هم أنفسهم بوصفه حداثة. فهذه الحركة انطلقت بكيفية من الكيفيات مع كانط. وغدت أمرا ملحا بوجه خاص مع هيجل والهيجليين الشباب، بمن فيهم ماركس. وجاء نيتشه لينخرط بدوره في أحداث هذه القصة عن طريق نقده الجذري للعقلانية. ثم تبلور، منذ نيتشه، اتجاهان نقديان في القرن 20: أحدهما تمثل في نظرية السلطة، انتهت إلى فوكو عن طريق باطاي، والثاني تمثل في نقد الميتافيزيقا، قاده كل من هايدجر وديريدا.

وقد كان قصدي من رواية هذه القصة تذكير أولئك الذين التزموا في هذه الأيام بنقد شمولي للعقل بجذور هذا الخطاب حول الحداثة. وبالفعل، فمنذ أن ظهر التمييز بين العقل (vernunft) والفهم (verstand)، وجدنا نقدا يتجه إلى التصور الذاتي المحض للعقل، ونقدا يتجه إلى العقل الأداتي والعقل التوضيعي على حد سواء. وهذا يعني أنه كان هناك نضج مبكر في نقد الأوجه القمعية للعقل عندما يكون هذا الأخير مشدودا إلى بعد واحد، سواء أتعلق الأمر بالبعد التوضيعي أم بالبعد القاضي بالسيطرة الأداتية على الطبيعة أو على ذواتنا. فهذا النقد الذاتي للعقل أو هذا النقد المتجه إلى الذاتية، والذي فُهم منذ نيتشه بوصفه شيئا جديدا كل الجدة، كان حاضرا منذ البداية عند كانط. وحاول هيجل أن ينتقد ما أسماه بفكر الفهم (verstandesdenken)، وكان يقصد به نمطا من الاستدلال الخطابي لا يعي حدوده الخاصة. فهيجل كان يلوم فلسفة الفهم كما خصصها ديكارت وكانط (وهذا الأخير هو ممثل هذا التيار الحقيقي) وفيخته، على كونها فلسفة أو فكرا يضفي الإطلاق (العقل) على شيء ضارب في النسبية (الفهم). وقد ظلت النظرية النقدية مع هوركايمر وأدورنو وبينيامين أسيرة هذا المحور الهيجيلي، على الرغم من أن هؤلاء المفكرين انتقدوا غير ما مرة النزعة الإطلاقية عند هيجل. ففكرتهم عن العقل الأداتي ظلت تُفهم بوصفها اغتصابا للمكانة التي كان يحتلها عقل جامع بواسطة أحد عناصره المقدم بوصفه شيئا مطلقا. بل إن استعمالهم فكرةَ العقل الأداتي كان بدوره استعمالا تهكميا؛ لأنهم كانوا يعتقدون (خصوصا أدورنو) أن العقل الأداتي ليس عقلا بالمرة بل هو فهم يخادع نفسه عندما يتوهم أنه عقل.

زد على هذا أن أدورنو في كتابه الجدل السلبي، كان متأثرا بنيتشه أشد ما يكون التأثر. فقد كان في هذه المرحلة من فكره فاقدا كل ثقة في مفهوم إثباتي عن العقل. وكونه استطاع أن يذهب إلى أن العقل شيء قد ضاع، وأنه في مقابل ذلك كان أيضا يعي تمام الوعي عدم قدرته على مواصلة نقده للعقل الأداتي (واستلزاماته في سياق مجتمع سادته البيروقراطية وأطبقت عليه)، يقتضي أنه ظل يذكر على الأقل ما كان يرمي إليه هيجل بواسطة مفهوم "العقل". فقد كان يعرف تمام المعرفة أننا لا نستطيع امتلاك جدل إيجابي يخول لنا الحديث عن كل شيء. فما نقدر عليه هو أن نتحدث بكيفية غير مباشرة (كما اعتقد كيركجارد الذي يستوحيه أدورنو أحيانا)، أو على نحو سلبي (كما يتحدث اللاهوت السلبي عن الإله) لكي نتمسك بما كان يفهم، في وقت من الأوقات، من هذا المفهوم الملتبس للعقل.

إن فوكو وديريدا واصلا معا مشروع نيتشه على نحو أكثر جذرية مما فعل أدورنو. فقد بلغ بهما الأمر مبلغا أنكرا فيه، ولو أن ذلك كان بطريقة غير مباشرة، إمكان تحديد فضاء للعقل يمكن فيه انتقاد العقل الأداتي أو السلطة أو الذاتية. أدورنو كان يحافظ على هذا الإمكان في فكرته عن الجدل السلبي. ولهذا السبب ففوكو وديريدا مورطان، بمعنى من المعاني، فيما سأسميه بـ"التناقض الإنجازي"، لأنهما بنيا مشروعهما ( المتصل بتحليل بنى السلطة بالنسبة إلى فوكو، وذاك المتعلق بنقد الميتافيزيقا الذي واصله ديريدا بعد هايدجر) على أساس موقف نقدي مبهم؛ لكونه يرمي إلى الشمولية السلبية للحقبة الراهنة وللحداثة ولذاتية الأفراد ولنظام السلطة وإمبرياليته. لكن موقفا كهذا لا يمكنه أن يسوغ مقاييسه أو معاييره الخاصة. فالعقل بالنسبة إليهما محصور بصفة قطعية في بعد يتعارض تماما مع فكرهما. إنهما بكل بساطة يبدعان اصطلاحات جديدة لصيغتهما الخاصة في الاستدلال (وهذا يصدق أكثر على ديريدا أو على هايدجر كذلك). فهايدجر يستبدل بالاصطلاح (Denken) اصطلاح (Andenken)، لكن الأمر لا يعدو أن يكون لفظا جديدا. فهذا الإبداع للاصطلاحات الجديدة يؤدي، حسب رأيي، وظيفة تكمن في إخفاء الدوران الذي ينقلب به نقدهما الخاص ضدا حتى على مشروعية المسلمات التي يستند إليها.

وهكذا ترون أنني أروي فقط قصة تبين، في حال الإنصات إليها كلها، أن نقد ميتافيزيقا الذاتية مظهر قديم جدا، حرك أول نقاش حول الحداثة وظل، منذ نيتشه، مسكونا بهذا التناقض الإنجازي ومهددا به.

سؤال: مهما يكن اعتقاد أولئك الذين يكتبون عن الحداثة، نجدهم يذهبون إلى أننا الآن مفصولون جذريا عن الأقدمين. وهناك آخرون

المزيد


حوار مع محمد أركون

يونيو 7th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الفلسفة والفكر

 أركون ونقد الاستشراق

 

محمود عزب

باريس فى 4 أكتوبر 2006

 مدخل

كان الاستشراق دائماَ مثار جدل فى الماضى والحاضر. ومازالت رموزه مثار دراسات، لم تكن فى اغلبها علمية أو على درجة كافية من الموضوعية.

ذلك فى الغالب لأن العرب والمسلمين من جانبهم حين يحاولون دراسة الاستشراق والمستشرقين، يقع أكثرهم فى فخاخ المشاعر والعواطف… فقد شاع ربط الاستشراق بالاستعمار، فأصبح ذا سمعة ليست بالحسنة، حتى أن الكثيرين ممن كانوا يسمون مستشرقين أصبحوا يتوجسون من هذه التسمية، ويفضلون أن يدُعَوا مستعربين Arabisants أو علماء إسلاميات Islanologues

وليس معنى ذلك أن كل من كتبوا عن الاستشراق والمستشرقين، من الباحثين العرب والمسلمين، كانوا أسرى العاطفة والذاتية.. كما أن الاستشراق لم تكن كل رموزه قاتمة أو منحازة فى بحوثها وآرائها….

ومعنا الآن خلال هذه الدراسة القصيرة واحد من كبار علماء الإسلاميات فى أكبر جامعة من جامعات فرنسا وأوروبا كلها.. تعلم فيها، ثم عاش حياته أستاذاً لتاريخ الفكر الاسلامى بها – هو محمد أركون.

وقد ولد ونشأ فى بلد ذي ثقافة عربية إسلامية هو الجزائر، وبدأ حياته الدراسية هناك فى جامعات يقوم بالتدريس فيها أساتذة فرنسيون، فى الجزائر المستعمرة التى كانت تدعى الجزائر الفرنسية، كان على وعي ببدايات تكوينه فى هذا الجو قبل أن يأتى إلى فرنسا نفسها لاستكمال دراساته.

إنه تعود منذ بدايات حياته الدراسية والعقلية على تخطى الحدود… هكذا وصفه الأستاذ شتيفانى فيلد فى برلين سنة 2003 إلا أن منحه جائزة ابن رشد للفكر الحر لسنة 2003.

يقول الأستاذ فيلد:

"ربما كانت أفضل طريقة لوصف حياة ونشاطات محمد أركون هى القول بأنها دائماً تتخطى الحدود. فالحد الأول هو مسقط رأسه. ولد أركون سنة 1928 فى الجزائر من أصل بربرى. وقد تخطى الحدود الجغرافية عندما ذهب للدراسة الجامعية، حيث قطع البحر المتوسط من الجزائر إلى باريس للدراسة فى السوربون. ثم تجنس بالجنسية الفرنسية، بذلك يكون قد تخطى الحدود اللغوية، ثم الحدود الثقافية السياسية.  وكل تخط لأى حدود هو تعب ووداع، وحزن، وبنفس الوقت هو انطلاق جديد، ثم فرصة…. ثم فى عام 1968أركون أستاذاً لتاريخ الفكر الإسلامى والفلسفة فى السوربون".

وإشكالية هذا البحيث، هى، السؤال التالى:

"ماذا عندما يكون ناقد المستشرقين جامعاً هذه التركيبة كونه بربرياً، عربياً مسلماً، مزدوج اللغة أو متعدد اللغات يرى المستشرقين منذ سنواته الجامعية الأولى، ويدرس بمناهجهم ويكمل معهم فى بلادهم، ويدرس وينتج بلغتهم؟

لم تثر شخصية من بين علماء الإسلاميات فى جامعات الغرب ما تثيره شخصية محمد أركون. غزير الإنتاج كتباً ومقالات ومحاضرات، مدعُو ومحاضر فى أوروبا وأمريكا وكل قارات العالم تقريباً. هو موضع ثقة أكثر الباحثين فى العالم، بل وموضع ثقة أكثر المسئولين وكبار رجالات السياسة..

كانت ثمة محاولات دائمة لتصنيفه، هل هو مستشرق أم باحث مسلم؟

وكانت الإجابة أو محاولات الإجابة عن هذا السؤال مثار جدل كبير، واختلافات فى الشرق والغرب، أما فى الشرق، أى فى البلاد العربية والإسلامية، فكانوا يضعونه أحيانا فى صفوف المستشرقين، أليس بنقد الإسلام وعلومه بمناهج شبه حاسمة، أبعد ما تكون عن التمجيد والتقديس"؟

وأما فى الغرب فهم يرونه يكتب بشكل مختلف عن إشكاليات العقل الإسلامى، ويستحضر النصوص الأصلية دائماً، ثم انه دأب منذ رسالته للدكتوراه فى جامعة السوربون على نقد للعقل الاستشراقى..

كان لصعوبة لغته، وخصوية مفرداته، ومنحوتاته واصطلاحاته الجديدة غير المتعارف عليها، دور   فى عدم سهولة فهم مايكتب وكان كثيراً مايتصف، أو يوصف بالغموض فى الشرق والغرب كذلك وكان نادراً مايترجم للعربية، ونادراً ماتكون الترجمة واضحة سهلة مفهومة، حتى اختص بترجمته باحث عربى جاد هو هاشم صالح الذى يحاول كثيراً أن يفسر ويحلل كثيراً من العبارات والأفكار الأركونية فى هوامش الكتب ليساعد القارئ العربى على استيعاب لغة أركون.و لهذا فإن تأثيره فى جامعات البلاد العربية، مازال فى دور التنامى ويسير بشكل بطئ.. وإن كان له حواريون، وأنصار متزايدون.

هو يختلف إذن عن الباحثين العرب والمسلمين حتى أولئك الذين درسوا مثله فى باريس وفى السوربون. وأدى ذلك إلى اعتبار بعضهم إياه مستشرقاً…

وهو يختلف كذلك عن الباحثين الغربيين فى علوم الإسلام اختلافاً كبيراً فى المنهج وغير المنهج وكثير منهم لذلك لايعتبره مستشرقاً.

ثم إن هؤلاء وأولئك قد يقولون أو يقول كثير منهم إنه خرج على تقاليد المستشرقين منذ عهد ليس بالبعيد..

وكون الرجل مازال حياً يرزق، ومازال ناطقاً كاتباً باحثاً ومحاضراً ومتداخلاً كثير التداخل ذات اليمين وذات الشمال، قد يجعل ذلك من محاولة تحديد موقعه، أي كونه مستشرقاً أو غير مستشرق أمراً سهلاً فى نظر البعض، إذ يستطيع أن يرد وأن يتدخل، وأن يصحح وأن يؤكد، وهو ما يحدث كثيراً، ولكنه من ناحية أخرى قد يكون صعباً، فالظاهرة حية متحركة، وهو لم يضع قلمه بعد، بل مازال مستمراً فى طرح مشروعه الكبير "الإسلاميات التطبيقية" ومازال ينتج مصطلحاته وينحت قاموس مفرداته أو مفردات قاموسه.

وتستمر الصعوبات لدى ناطقى الفرنسية ولدى ناطقى العربية. ولكن هل يعتبر أركون نفسه مستشرقاً؟ وما أهمية ذلك؟.

§       كيف يقدم أركون نفسه؟

فى حوار مباشر مع الكاتب الصحفى أحمد الشيخ. وفى كتاب بعنوان "حوار الاستشراق (صادر عن المركز العربى للدراسات الغربية .. والذى يضع الحوار مع أركون ضمن عشرين من أسماء كبار المستشرقين المعروفين. يقول احمد الشيخ فى ص 63:

"فى إطار حواري مع المستشرقين الفرنسيين توجهت للبروفيسور محمد أركون، وهو من أصل جزائرى، وسألته كيف يفسر واقع أن البعض يعدونه ضمن المستشرقين كجان بيير برونسيل هوجوز " فى مقال نشر فى صحيفة "لوموند" الفرنسية، وأن البعض يضعونه بأنه من الأصوليين، مثل أوليفييه كاريه" فى كتابه الأخير "سيد قطب: قراءة ثورية للقرآن"، والبعض الآخر يصنفون كتاباته خارج الحقل الإسلامى"

"طرحت هذه الاختلافات على البروفيسور أركون، وطلبت منه أن يحدد لنا موقفه من حركة الاستشراق فأجاب:

" أود أن ألاحظ إن الذين يظنون أننى أكتب عن الاستشراق والمستشرقين. لم يطلعوا على جميع الكتب التى نشرتها حتى الآن. كان كتابى الأول  - وهو أطروحتى – يعالج ماأسميته الإنسية فى القرن الرابع الهجرى، وهو كتاب يدرس جوهر الثقافة العربية، فى فترة محدودة، تعتبر من أهم الفترات التى يمكن دراستها اليوم فى تاريخ الفكر العربى، واعتمدت على نصوص لمفكرين مسلمين، وحاولت فى هذه الدراسة التى كتبتها فى الستينات أن أرد على مناهج المستشرقين، فى دراسة الفلسفة العربية، وفى دراسة الفكر الإسلامى بصفة عامة، وموقفى مما يخص جميع الثقافة العربية الإسلامية هو موقف جزائرى تربى فى الجزائر وتكون فى الجزائر فى عهد الاستعمار، حيث كان فى نفسى مثل زملائى فى هذا الوقت، رد فعل ضد الضعف الذى كنا نتألم منه فى الجامعة الجزائرية التى يدرس فيها الفرنسيون، وكان المناخ السائد هو مناخ استعمار، وكنا نريد أن نرد على هذا الوضع وأن نتحرر منه، وهذا الشعور يطبع جميع ما كتبته انطلاقاً من الخبرة الجزائرية فى الخمسينيات، التى كانت تتصف بهذا الاضطرام الثقافى والفكرى، بين الشخصية الجزائرية، وأهداف التحرير الجزائرية، وبين الفكر الذى كان ينتقل إلينا عن طريق الثقافة الفرنسية إلا أننى كباحث لا أتكلم  عن هذا الأمر بصورة مباشرة، لكن الذى يقرأ يتمعن ماكتبته وما أكتبه يمكنه أن يجد فى  مقاصدى واتجاهاتي هذا الاستلهام المتصل بهذه الخبرة التى عشناها فى عهد  الاستعمار".

إنه فى هذا يكاد يشبه أكثر الطلاب العرب الذين تكونوا فى جامعات فرنسا… وهمومه تشبه هموم حوارهم مع جامعاتهم وأساتذتهم.. كان يكافح المستشرقين والجامعة كفاحاً إيديولوجيا، وعندما جاء إلى فرنسا للدراسات العليا رأى الاستشراق من قرب آخر، يقول:

"هذا ما اكتشفته هنا فى باريس، ولازلت أكافح ضده، لكن هذا الكفاح هو كفاح منهجى ومعرفى وليس بكفاح إيديولوجى"

ولكنه فى الوقت ذاته يدعو إلى:

"ضرورة تغيير المناهج التى يتبناها الباحثون المسلمون عن الفكر الإسلامى، والمسائل الإسلامية"

وهو ربما يخشَّى أن يحسب طرف من الطرفين وكأنه انحاز للآخر ولذا نراه يؤكد فى وضوح:

"… لذلك أنقد نقداً حاسماً مواقف المستشرقين الذين يقفون بعيداً عن المناهج الحديثة" وانتقد أيضاً المسلمين الذين يرفضون هذه المناهج الحديثة لأنها غربية.. مامعنى هذا الكلام، هل هناك عقل خاص بالغرب وعقل خاص بالعرب والمسلمين؟  نحن بشر وجميع مسائل المعرفة متعلقة بالإدراك، وعلى هذا الأساس النفسانى الجذرى، ينبغى علينا أن ننتقد المعرفة، أن ننتقد جميع ماينتجه العقل البشرى أنىَّ كان فى جميع الثقافات.. وجميع التجارب، بغض النظر عن كونه يابانيا أو أفريقيا، أو عربيا أو مسلماً".

§       نقد الاستشراق:

أما من داخله فنقده قليل، ونادراً مايتسلط النقد على أعماق الاستشراق ذاته، على مناهجه، وأصوله… وأما من خارجه أى عند العرب والمسلمين خصوصاًُ فالقضية معقدة ولايسهل الحكم فيها أو عليها بتسرع ولابحسم..

وإذا أخذنا نقطة بداية


المزيد


حوار مع سارتر

مايو 30th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم الفلسفة والفكر

 

 

حوار مع سارتر

 

 

 

 

أجرى الحوار : برنار بانجو

 

- من خلال موقف الجيل الجديد تجاهك يبدو موقف ميشال فوكو هو الأكثر تماسكا. علاوة على انه أثار فضول جمهور واسع . فما رأيك فيه ؟

إن ما يقدمه لنا فوكو في كتابه " الكلمات و الأشياء " عبارة عن جيولوجيا، كما لاحظ ذلك كانترز جيدا : أي تلك السلسلة من الطبقات المتتالية التي تشكل أرضيتنا . وتحدد كل واحدة من هذه الطبقات شروط إمكان قيام نمط معين من الأفكار كانت له الغلبة في مرحلة من المراحل . إلا أن فوكو لا يخبرنا عن الأهم : ألا وهو كيف ينبني كل فكر انطلاقا من تلك الشروط ، وكيف ينتقل الناس من فكر إلى أخر ، وهو ها هنا قد يحتاج إلى إدخال الممارسة (البراكسيس) والتاريخ بالتالي ، وهذا بالضبط ما يرفضه ، أكيد أن منظوره يظل تاريخيا . فهو يميز بين المراحل ، السابق منها واللاحق . غير انه يضع الفانوس السحري في محل السينما ،( أي يضع) تعاقبا من لحظات السكون في محل الحركة . أن الحفاوة التي قوبل بها كتابه تدل ، بما فيه الكفاية ، على أن الناس كانوا بانتظاره . والحال أن الفكر الأصيل حقا ، لا يجد قط أحدا في انتظاره . و فوكو يمنح الناس ما كانوا في حاجة إليه : أي تركيبا انتقائيا يستعمل فيه روب – جرييه والبنيوية واللسانيات ولاكان و" تيل كيل " بالتناوب قصد البرهنة على استحالة قيام أي تفكير تاريخي .

إن فوكو يهدف ، بالطبع ، من خلال هجومه على التاريخ إلى الهجوم على الماركسية . والمطلوب هو تشكيل إيديولوجية جديدة ، تكون بمثابة السد الأخير الذي لازال بمستطاع البرجوازية إقامته في وجه ماركس . لقد كان الايدلوجيون البورجوازيون في الماضي يطعنون في النظرية الماركسية  عن التاريخ باسم نظرية أخرى . إما بإنجاز تاريخ للأفكار ، كما فعل توينبى ، أو بتصوير تتابع الحضارات على هيئة سيرورة عضوية ، كما صنع شبينغلر ، أو بفضح انعدام المعنى والعبث في   تاريخ " ملئ بالصخب والعنف " كما فعل كامو . ولكن كل هذه التواريخ المزعومة أصبحت خبرا بعد عين ، لان المؤرخين الحقيقيين لم يحتفظوا بها قط . ويمكن للمؤرخ اليوم أن يكون غير شيوعي ؛ إلا انه يعلم انه من غير الممكن أن يكتب تاريخا جديا دون أن توضع العناصر المادية لحياة الناس ، وعلاقات الإنتاج ، والممارسة ( البراكسيس )، في المقام الأول ، - حتى وان كان ( هذا المؤرخ ) يعتقد، مثلى ، أن " البنيات الفوقية " تشكل مناطق مستقلة نسبيا فوق تلك العلاقات. وعلى ضوء هذه الأعمال تبدو كل النظريات البورجوازية عن التاريخ بمثابة صورة كاذبة مبتورة . وليس بالإمكان اختراع نسق جديد لا يشوه ، بشكل أو بآخر مجموعة المحددات المشروطة هذه . ولانعدام القدرة على تجاوز الماركسية ، فينبغي إذن حذفها . سيقال انه من المتعذر الإمساك بتاريخ كتاريخ ، وان كل نظرية للتاريخ هي بالتحديد "دوكسولوجيا" ( نظرية تقوم على الشكر والحمد ) ، إذا ما استعملنا مصطلح فوكو . و بالتخلي عن تبرير مراحل الانتقال ، سيتم معارضة التاريخ – وهو ميدان اللايقين – بتحليل البنيات الذي يسمح ، وحده ، بالبحث العلمي الحقيقي .

-         أنت ترفض البنيوية إذن ؟

- أنا لا أناهض البنيوية ، قطعا ، إذا ما بقى البنيوي واعيا بحدود المنهج . هكذا يقول لنا بينفينست، بعد سوسير : " لقد غالى الناس كثيرا في استعمالهم للتعاقب أثناء دراستهم للسان . وقد آن أوان النظر إلى هذا الأخير من زاوية تزامنية، أي باعتباره نسقا من التعارضات ". و أنا اقبل هذه الفكرة بسهولة ، خصوصا وان الفكر بالنسبة لي لا يختلط باللغة . وقد مضى زمن كان الناس فيه يحددون الفكر باستقلاله عن اللغة ، وكأنه شيء لا يمكن الإمساك به ، كأنه شيء لا يوصف ، يسبق التعبير في الوجود . وها هم اليوم يسقطون في الخطأ المعاكس. فيحاولون إقناعنا بأن الفكر ليس سوى لغة ، كما لو أن اللغة نفسها لم تكن منطوقة.

والحقيقية أن ثمة مستويين للغة ، بحيث تتمظهر هذه في المستوى الأول باعتبارها نسقا مستقلا ذاتيا ، يعكس (عملية ) التوحيد الاجتماعي . أن اللغة عنصر من عناصر "المجال العملي – لها مد" أي مادة صوتية توحدها مجموعة من الممارسات . ويتخذ الباحث اللغوي كلية العلاقة هذه موضوعا لدراسته ، وله الحق في القيام بذلك مادامت ( هذه الكلية ) مشكلة سلفا . هذه هي لحظة البنية ، حيث تبدو الكلية وكأنها شيء دون إنسان ، كأنها شبكة من التعارضات يتحدد طرف كل عنصر فيها من طرف عنصر آخر ، وحيث لا حد هناك ، إذ لا وجود لغير العلاقات والاختلافات . إلا أن هذا الشيء الذي غاب عنه الإنسان هو في نفس الوقت ، مادة شكلها الإنسان ، وتحمل اثر الإنسان . وانك لن تجد في الطبيعة ، تعارضات مثل  تلك التي يصفها عالم اللغة . أن الطبيعة لا تعرف سوى استقلال القوى . وترتبط العناصر المادية ، بعضها ببعض  ، كما تؤثر بعضها في بعض . إلا أن هذا الرابط خارجي دائما . ولا يتعلق الأمر بعلاقات داخلية ، مثل تلك العلاقة التي تضع المذكر مقابل المؤنث ، والجمع مقابل المفرد ، أي أن الأمر لا يتعلق بنسق يشرط وجود كل عنصر داخله  وجود باقي العناصر . وإذا ما سلم المرء بوجود نسق من هذا النوع ، وجب عليه التسليم أيضا بان اللغة لا توجد إلا منطوقة ، أي لا توجد بعبارة أخري إلا وهى قيد الفعل . ويحيل كل عنصر من عناصر النسق إلى كل ، غير أن هذا الكل ميت ما لم يتكفل به شخصا ما ، ويشغله على هذا المستوى ، (وهو المستوى الثاني) ، لا يعود الكلام عن بنيات جاهزة  قد توجد دوننا . وهناك في نسق اللغة شيء لا يمكن للهامد إعطاءه لوحده ، وهو اثر ممارسة ( من الممارسات ) و لا تفرض البنية نفسها علينا إلا في نطاق ما هي مشكلة من قبل آخرين ولكي نفهم كيف تتشكل، ينبغي لنا، إذن ، إعادة إدخال الممارسة ( البراكسيس) من جديد كسيرورة مجمعة . على التحليل البنيوي أن يفضي ( إذن) إلى فهم جدلي .

 

 

 

        وهل ينطبق النقد الذي طرحته الآن على أعمال ليفى ستراوس؟

لقد احتج ليفى ستراوس غير ما مرة على المغالاة في استعمال مفهوم البنية في بعض الميادين التي يكون تطبيقها فيها محفوفا بالمزالق فعلا : مثل النقد الأدبي . أما الأبحاث التي يقوم بها هو بالذات في ميدانه فهي أبحاث إيجابية. ومن المؤكد أن التحليل البنيوي يسمح بفهم افضل لنسق علاقات القرابة المعقد ، أو لدلالة الأسطورة، ظاهريا ، هي دمج العناصر العبثية أو المستهجنة التي تهدد حياة مجتمع ما ، يبقى أن الناس هم الذين بلوروا الأسطورة وصاغوها ، بل أن أوغل المجتمعات في القدم ،و أكثرها جمودا في الظاهر ، تلك المجتمعات التي يسميها ليفى ستراوس المجتمعات " الباردة " ، هي مجتمعات ذات تاريخ ، فقط يأخذ (هذا التاريخ) حيزا زمنيا أطول من الحيز الذي يأخذه تاريخ المجتمعات"الساخنة" . ويستحيل من منظور بنيوي ، أي لا جدلي ، تناول هذا التطور . فالتاريخ يتبدى و كأنه ظاهرة محض منفعلة ، إما لكون البنية تحمل في طياتها ، ومنذ البداية ، أسباب موتها ، أو لان عنصرا خارجيا يحطمها .

لست اعترض على وجود البنيات ، ولا على ضرورة تحليل أوليتها. ولكن البنية ليست بالنسبة لي سوى لحظة من لحظات " المجال العملي – الهامد" ، إنها نتيجة ممارسة (براكسيس) تتجاوز منفذيها . ولكل إبداع بشرى ميدان سلبيته ؛ لكن ليس معنى ذلك أن السلبية تخترقه كلية . أنت تذكر كلمة اوغست كونت :" التقدم هو تطور النظام " ، إنها تنطبق تماما على الفكرة التي كونها البنيويون عن التعاقب، والتي تقول : أن الإنسان يتطور ، بمعنى ما ، من طرف تطور البنية ذاته . وأنا لا اعتقد أن التاريخ هو النظام . و إنما هو اللانظام . لنقل انه لا نظام عقلاني . وفى ذات اللحظة التي يحافظ فيها التاريخ على النظام ، أي البنية ، فانه يكون بصدد تفكيكها ، هكذا يخلق صراع الطبقات بنيات تتجلى عبرها ، وتشرطه بالتالي ، ولكنه بقدر ما يسبقها زمنيا بقدر ما يواصل تجاوزها دون توقف .

سأتناول مثلا هو ساد . أن عمل ساد يقع ضمن مجموعة " اركيولوجية " معينة . فهناك لغة العصر ، وهناك أيضا نمط الفكر الميت المترسب فيها . و من ضمن الموضوعات الأساسية لهذه الأيدلوجية ( نجد ) موضوعة الطبيعة . أن بورجوازي القرن الثامن عشر يعتبر أن الطبيعة خيرة . ولكن ساد ليس بورجوازيا . فهو أرستقراطي يشهد الانحدار المتزايد لطبقته . وهو يعلم أن الإمتيازات آخذه في الزوال . انه يجد نفسه ، إذن ، تجاه الآخرين ، في وضع من يملك ، نظريا ، حقوقا لا حد لها ، وفى نفس الوقت الذي لم يعد قادرا فيه على التمتع بها ، ولا على تحقيق رغبته الفردية كأرستقراطي .

 

-         هذه هي الوضعية الأصلية . و لفهم معناها كان على ساد أن يتجاوزها ، لصالح تركيب ذاتي ، (كان) هو السادية . إن السادية نظرية للعلاقة بين الناس ؛ وما يبحث عنه ساد هو التواصل . لكنه ، ولكي يعبر عن أفكاره حول التواصل ، سيجد نفسه مضطرا لاستعمال اللغة المعطاة له . ولو أن السادية جاءت متأخرة بقرن من الزمان لعرفت بأنها مناهضة للطبيعة . الأمر الذي لم يكن ممكنا في القرن الثامن عشر، بحيث كان على ساد  أن يمر عبر فكرة الطبيعة. هكذا سيقيم، إذن ، نظرية للطبيعة مماثلة لنظرية البرجوازيين مع فارق واحد هو أن الطبيعة ، بدلا من أن تكون خيرة، ستكون شريرة، فهي تريد موت الإنسان. وهكذا سينتهي كتاب "جولييت" بصورة رجل يستمني في بركان .

إن ما أقوله هنا سريع جدا ، بالطبع . و لكنك ترى أن هناك علاقة مزدوجة: ف" الطبيعة " تسرق من ساد معنى فكره ، إلا أن ساد يسرق، بدوره ، المعنى من الطبيعة .

- كيف  تفسر الحظوة التي يتمتع بها التوسير لدى نفس المثقفين الذين يعلنون انتماءهم لليفي ستراوس او فوكو او لاكان ؟ مع العلم أن التوسير ماركسي .

يؤكد التوسير بان الإنسان يصنع التاريخ دون وعى منه . ليس التاريخ هو الذي يقتضيه، بل أن المجموعة البنيوية التي يتموضع ضمنها هي التي تشرطه . أن التاريخ يدلف إلى البنيات . لكن التوسير لا يرى أن ثمة تناقضا بين بنية المجال العلمي الهامد وبين الإنسان الذي يكتشف نفسه مشروطا بها . ويتخذ من كل جيل تباعدا جديدا تجاه هذه البنيات ، وهذا التباعد هو الذي يسمح بتغير البنيات ذاتها . ويتمسك التوسير ، مثله في ذلك مثل فوكو ، بتحليل البنيات . الأمر الذي يرجع – من الزاوية الايبستيمولوجية – إلى اتخاذ موقف لصالح التصور (le concept) ضدا على المفهوم (la notion) . فالتصور لا زماني. ويمكن لنا أن ندرس كيف تتوالد التصورات ، بعضها من بعض ، داخل مقولات محددة . غير أن الزمن ذاته ، والتاريخ بالتالي ، لا يمكنهما أن يكونا موضوعا لتصور ما ، فهناك تناقض في الحدود . وما أن يدخل المرء الزمنية ، حتى يلزمه مراعاة أن التصور يعرف تعديلا داخل التطور الزمني . أما المفهوم فيمكن تحديده، على عكس ذلك ، باعتباره ذلك المجهود التركيبي الهادف لانتاج فكرة تتطور هي ذاتها، عبر التناقضات و التجاوزات المتتالية ، وتكون، من ثم، متجانسة مع تطور الأشياء. وهذا ما يسميه فوكو "دوكسولوجيا" ويرفضه .

وخلف هذا التيار الفكري بمجمله نجد ، في العمق، موقفا ديكارتيا جدا: فمن جهة هناك التصور، وهناك الخيال من جهة أخرى . وهذا هجوم ضد الزمن. (فالموقف المذكور) يرفض التجاوز، أو على الأقل، يرفض تجاوزا يقوم به الإنسان. وهنا نعود إلى النزعة الوضعية. فقط ( ينبغي توضيح ) إنها لم تعد وضعية وقائع، بل صارت وضعية علامات. هناك كليات، أو مجموعات مبنينة تتشكل عبر الإنسان ، بحيث تنحصر وظيفة الإنسان الوحيدة في فك رموزها ، وان يكون فوكو قد حيا المجهود " الشجاع " لالتوسير ، فهذا دليل على انهم يسيران ، معا، في نفس الاتجاه . عندما كان ماركس قيد الحياة ، لم يستعمله آخرون قط . وإذا ما استطاع البنيويون استعمال التوسير ، فذلك يرجع إلي أن لديه إرادة تفضيل البنيات على التاريخ .

-         - يقدمك البعض ، أحيانا، على انك آخر الفلاسفة . وهذه طريقة لقول أن الفلسفة قد ماتت . فما رأيك ؟

إذا ما سلم المرء ، مثلى ، بان الحركة التاريخية تجميع دائم ، وبان كل إنسان هو جامع ومجمع في كل آن و حين ، فان الفلسفة تمثل مجهود الإنسان المجمع من اجل استعادة معنى التجميع . ولا يمكن لأي علم تعويضها ، وذلك لان كل علم ينصب في ميدان ، من ميادين الإنسان ، سبق تقطيعه . ومنهج العلوم تحليلي ، في حين أن منهج الفلسفة لا يمكن إلا أن يكون جدليا . وان الفلسفة – من حيث هي تساؤل حول الممارسة ( البراكسيس ) – هي بذات الوقت تساؤل حول الإنسان ، أي  حول الذات الجامعة للتاريخ . ولا يهم ان تكون هذه الذات قد حادت عن مركزها أو لم تحد . كما أن الأساسي ليس هو ما صنع بالإنسان ، بل ما صنعه هو بما صنع به. وما صنع بالإنسان هو البنيات ، هو المجموعات الدالة التي تدرسها العلوم الإنسانية . أما ما يصنعه الإنسان ، فهو التاريخ ذاته ، هو التجاوز الواقعي لهذه البنيات عن طريق ممارسة جامعة . وتقف الفلسفة في نقطة التقاطع . أن الممارسة ( البراكسيس) هي ، في حركتها، تجميع تام ؛ إلا إنها لا تنتهي قط سوى إلى تجميعات جزئية ، سيتم تجاوزها بدورها . والفيلسوف هو ذلك ( الشخص )  الذي يحاول التفكير في هذا التجاوز .

-         وهو يملك منهجا لهذا الغرض ، وهو المنهج الوحيد الكفيل بتناول مجمل الحركة التاريخية عبر نظام منطقي ، هو الماركسية . والماركسية ليست نظاما جامدا ، و إنما هي مهمة ومشروع مطروحان للإنجاز . و لأسباب مختلفة حصل توقف في إنجاز هذه المهمة ، لقد رفض الماركسيون لمدة طويلة ، إدماج المعارف الجديدة حول الإنسان ، ومن هنا أفقرت الماركسية . أن المسالة المطروحة اليوم ، هي مسالة معرفة ما إذا كنا نرغب في إعادة الحياة إليها ، عبر توسيعها وتعميقها ، أم أننا نفضل تركها لتموت . أن يتخلى المرء عن الماركسية معناه التخلي عن فهم الانتقال . و الحال أنني أظن بأننا دائما في حالة انتقال ، ودائما في حالة تفكيك عبر الإنتاج و في حالة إنتاج عبر التفكيك ؛ وبان الإنسان منقطع وبشكل دائم عن البنيات التي تشرطه ، وذلك لأنه مختلف عما يجعل منه ما هو ، وبالتالي لست اف

المزيد