حوار مع مارتن هايدجر

أجرى الحوار: ريتشارد فيسر R.Wisser
ترجمه عن الألمانية: إسماعيل المصدق
نقدم فيما يلي ترجمة للحوار الذي أجراه ريتشارد فيسر مع هايدجر لفائدة إحدى قنوات التلفزة الألمانية ونشر في إطار مؤلف جماعي تحت إشراف ريتشارد فيسر عن دار النشر Karl Alber، فرايبورج، ميونيخ 1970، ص: 67-77. وقد ألحقنا بالنص عدة هوامش، إما لتفسير الترجمة العربية لبعض المصطلحات والتعابير أو لتوضيح بعض القضايا والأفكار التي وردت في الحوار. والحوار يتناول قضايا هامة مثل: الفلسفة والمجتمع والفلسفة والتقنية، والفلسفة والكائن الخ.
فيسر:
السيد الأستاذ هايدجر! هناك في زماننا أصوات ترى أن تغيير العلاقات الاجتماعية هو المهمة الحاسمة في الوقت الحاضر ونقطة الانطلاق الوحيدة الواعدة بالنسبة للمستقبل؛ هذه الأحداث يتكاثر عددها وتزداد قوتها باستمرار، ما هو موقفكم إزاء مثل هذا الاتجاه لما يسمى "بروح العصر"، مثلا فيما يخص إصلاح الجامعة؟
هايدجر:
سأجيب عن السؤال الأخير فقط؛ ذلك أن ما سألتم عنه قبل ذلك واسع جدا. والجواب الذي أعطيه لكم، هو نفس الجواب الذي أعطيته قبل أربعين سنة في محاضرتي الافتتاحية بجامعة فرايبورج سنة 1929.
أورد لكم جملة من محاضرة "ما هي الميتافيزيقا؟": "إن مجالات العلوم بعيدة جدا عن بعضها البعض، وأساليب معالجة موضوعاتها تختلف اختلافا أساسيا. هذه التعددية المتفتتة للشعب لا تتم المحافظة على تماسكها اليوم إلا بواسطة التنظيم التقني للجامعات والكليات، كما لا تتم المحافظة على دلالتها إلا بفضل توجيه المواد نحو غايات عملية، في حين أن تجذر العلوم في أساس ماهيتها قد اضمحل."
أعتقد أن هذا الجواب يجب أن يكون كافيا.
فيسر:
هناك دوافع متباينة تماما هي التي قادت إلى المحاولات الحديثة الرامية إلى تغيير التوجيه فيما يتعلق بتحديد الأهداف وإلى "تحويل بنية" المعطيات الواقعية داخل المستوى الاجتماعي أو كذلك مستوى العلاقات بين الناس. جلي أن في هذا الأمر كثيرا من الفلسفة، فيما هو إيجابي وفيما هو سلبي.
هل ترون أن هناك مهمة اجتماعية للفلسفة؟
هايدجر:
لا! لا يمكن الحديث عن مهمة اجتماعية بهذا المعنى.
إذا أردنا أن نجيب على هذا السؤال فينبغي أولا أن نسأل: "ما هو المجتمع؟" وأن نتذكر بأن المجتمع اليوم ليس سوى صيغة مطلقة للذاتية() الحديثة، وبأنه انطلاقا من ذلك، فإن فلسفة تخطت زاوية نظر الذاتية ليس لها الحق في أن تساهم في ذلك.
أما السؤال: إلى أي حد يمكن الحديث عموما عن تغيير المجتمع، فهو سؤال آخر. إن السؤال عن ضرورة تغيير العالم يعود إلى جملة لكارل ماركس من "أطروحات حول فويرباخ"، وهي جملة يتم الاستشهاد بها كثيرا.
أريد أن أنقل هذه الجملة بدقة وأن أتلوها أمامكم: "لم يقم الفلاسفة إلا بتأويل العالم بكيفيات مختلفة، في حين أن المهم هو تغييره."
يغفل المرء عند الاستشهاد بهذه الجملة والأخذ بها أن تغيير العالم يفترض تغيرا في تصور العالم، وأنه لا يمكن الوصول إلى تصور للعالم إلا إذا تم تأويله على نحو كاف.
يعني هذا أن ماركس في مطالبته "بتغيير العالم" يستند إلى تأويل محدد تماما للعالم، وبذلك يتبين أن هذه الجملة غير مؤسسة. إنها تولد الانطباع بأنه قد تم الحديث بكيفية جازمة ضد الفلسفة، في حين أن القسم الثاني من الجملة يفترض ضمنيا ضرورة الفلسفة.
فيسر:
كيف يمكن أن تصير فلسفتكم اليوم فعالة في مجتمع مشخص له مهامه وهمومه المتعددة، متاعبه وآماله؟ أم هل الحق هو بجانب نقادك الذين يدعون بأن مارتن هايدجر ركز اهتمامه على "الكون"() إلى حد أنه ضحى بالشرط البشري، أي بكون الإنسان في المجتمع وكشخص؟
هايدجر:
هذا النقد يقوم على سوء فهم كبير! فسؤال الكون وبسط هذا السؤال يفترضان بالضبط تأويلا للدازاين()، أي تحديدا لماهية الإنسان. والفكرة الأساسية لتفكيري هي بالضبط أن الكون وبالتالي انفتاح الكون يحتاج إلى الإنسان، وأن الإنسان لا يكون بدوره إنسانا إلا لأنه يقيم في انفتاح الكون.
بذلك يجب أن يكون قد تم الحسم في السؤال: إلى أي حد اهتممت فقط بالكون ونسيت الإنسان. لا يمكن أن نسأل عن الكون دون أن نسأل عن ماهية الإنسان.
فيسر:
قال نيتشه ذات مرة: الفيلسوف هو الضمير المعذب لعصره. لنترك جانبا ماذا قصد نيتشه بذلك. ولكن تأمل محاولتكم لكشف تاريخ الفلسفة لحد الآن كتاريخ للتدهور فيما يتعلق بالكون، ثم بالتالي لتقويض هذا التاريخ، ربما يغري البعض بأن يسمي مارتن هايدجر الضمير المعذب للفلسفة الغربية.
أين ترون السمة، حتى لا أقول العلامة الفكرية، التي تميز على الأكثر ما تسمونه "نسيان الكون" أو "هجران الكون"؟()
هايدجر:
يجب علي في البداية أن أصحح سؤالكم من أحد الجوانب عندما تتحدثون عن تاريخ للتدهور. لا يجب فه
















