حوار مع القاصة التونسية فوزيى علوي

مايو 30th, 2007 كتبها عتبات/ seuils نشر في , عالم القصة القصيرة

 

 

القاصّة التونسية فوزية علوي

 

 

 

 

 

حاورها : كمال الرياحي

 

 

          فوزية العلوي  مبدعة تونسية متميزة   استطاعت  أن تلفت إليها أقلام النقاد و انتباه القراء  منذ سنوات  بقصّصها المختلفة و قصائدها الجميلة التي نحتتها من غصن مورق خفي ,وأكّد لي أكثر من ناقد مهم في تونس أنها  تجيد الرقص على الحبلين الاجناسيين بنفس الرشاقة ,وهذا ما لا نجد عند كثير من المبدعين الذين يحاولون العزف على وترين فيسقط كثير منهم  في النشاز ,صدرت لفوزية العلوي من مخزونها المخطوط  نصوص شعرية و قصصية منها : علي و مهرة الريح و برزخ طائر و الخضاب و حريق في المدينة الفاضلة  ,و حصدت عديد الجوائز  المحلية و العربية و العالمية في القصة القصيرة و في الشعر منها : جائزة ملتقى نساء المتوسّط في القصة القصيرة بمرسيليا سنة 1995 و جائزة زبيدة بشير عن مجموعتها الخضاب سنة 1999 و الجائزة الأولى في القصة القصيرة عن مجموعتها "حريق في المدينة الفاضلة "  من أندية فتيات الشارقة للمرأة العربية المبدعة سنة 2001 .

في هذا الحوار  حاولنا إن نغوص  بأسئلتنا في  أعماق التجربة الإبداعية  التي خطّتها  المبدعة فوزية العلوي  و حاولنا استفزازها قدر الإمكان لتقول  حكاية شهرزاد الجديدة ,فجاءت أجوبتها  موشّاة بالقصص و المتع  والاحتجاج . دارت الأسئلة حول  كتابة المرأة و رهاناتها و حول سؤال الكتابة و الموت و الكتابة القصصية و الريف و المدينة   و الكتابة النسوية و السلطة الذكورية …لنكتفي بهذه العتبة القصيرة مدخلا لبيت شهرزاد التونسية و لنحمل سؤالنا  إلى عمق اللقاء : كيف تحكي ؟ و لمن تحكي شهرزاد الخضراء؟!

  - تعيش المرأة العادية أمومة واحدة وتعيش المرأة المبدعة أمومة مضاعفة لنحطّ الرّحال في هذه النقطة ونرفع أوتاد خيمة هذا الحوار. هل ولادة العمل الإبداعي أشبه بالولادة فعلا وهل إجهاضه بطعم فقدان الجنين أو الرضيع؟

 

 

 

*-أعيش في هذا المجال جذبا يمارسه قطبان واني لأشعر أحيانا بتمزق أوصالي، أجري لاهثة فرقة بين ردهتين واسعتين أحاول أن أؤثث كل واحدة منهما بعرق الجسد ونصب الروح حتى لا يحدث تماسّ صدامي وحتى لا أجدني صريعة بين حبي لنصي وحبي لأولادي.

سألتني عن الأمومة بمعنييها العميقين والموجعين الممتعين في آن.

أقول ولا أظنني قادرة على إيفاء الوصف حقه، إن ولادة طفل آه كم تستدعي ألما وسهرا وحمّى حتى تظفر منه ببسمة أو ضحكة أو كلمة وان تنشئته لأشد عنتا ووطأة ذلك أن الأم تسعى بين حبها وقسوتها أن تجعل من طفلها الأجمل والأنظف والأقوم وقد لا توفق دائما ولكنها أبدا تحاول ولا تكلّ لأن قدرها أن تعشق هذا الطفل وتتفانى في إنشائه وإنها حادبة عليه جسدا وروحا حتى لا يصيبه أذى. لكن ولادة النص ليست أقل شأنا إنها وجع وضنى على ما في ذلك من عشق ومتعة بل لعلّ هذه الولادة تكون أحيانا أكثر خطرا من الأمومة الطبيعية لأنها الأمومة الغريبة أي تلك التي لا أبوّة فيها وبالتالي لا شرعية لها. فقدر المرأة أن تعيش مغامرتها وجعا وألما ولذة وخوفا هكذا بمفردها ولها أن تعيش عواقبها وحدها..

إنها الأمومة غير الاجتماعية تلك التي لا ينتظر فيها أهل أمام المصحّة ولا يدخل فيها أب بعينين متلهفتين يريد أن يرى ظله في الأرض ولا تزغرد فيها أمّ أو جارة ولا  يسجّل فيها طفل باسم أبيه. انه الطفل الحامل لقب أمه وبالتالي فان تربيته وتنشئته وتعقبه لهو من وظيفته المرأة وحدها وإنها لمتحملة من أجله كلّ المصاعب وكل الضغوط والمضايقات. وهي تسعى أن تمنحه الحب والرعاية في غفلة من أعين المحاسبين والمتلصصين همّها أن تراه يسامق أعلى القامات.

 

* ظهر منذ شهور كتاب في مصر أظنّ عنوانه "تحيا العربية ويسقط سيبويه "دار موضوعه حول تطوير اللغة العربية بإسقاط بعض القواعد التي أثقلتها كنون النسوة , بعيدا عن النحو هل تشعرين بشيء تجاه هذه النون ؟ البعض يراها كالقرط في أذن الأمة ؟ هل هي نون العنصرية والسلطة الذكورية ؟

 

*- أجدني غير واثقة مما سأقول في هذا المضمار لأنني لم أطلع على الكتاب الذي ذكرت ولكن مسألة تطوير اللغة العربية في رأيي وإسقاط نون النسوة إنما هو أمر موكول إلى طبيعة اللغة وقانون التطور الذي يحكمها فاللغة ليست في حاجة إلى وصاية من أحد وتطوّرها يكون طبيعيا وليس عبر العمليات القيصرية المؤدلجة التي قد تلحق أذى بجسم المولود يصل حدّ البتر والتشويه.

إن سمة الذكورة غالبة في لغتنا، بكل تأكيد لذلك يتغلب المذكر ولو كان واحدا في الضمير على جمع النسوة ولو كن  ألفا. ولكن لنون النسوة وقعها الخاص إنها إيقاع الاختلاف ونبض التميز الذي يسري في عروق الأنثى. بهذه "النون" يكون عشقهن وخوفهن وطمثهن وحملهن وولادتهن وإرضاعهن  ولك أن تقول إن كيدهن عظيم " هن " مجال ليس للرجل أن يقتحمه ويعرف أسراره وخوابيه. أما "هم "فمجال تستطيع المرأة أن تحلّ فيه وأن ترتاد أغواره ونجاده وقد دخلت فعلا هذه المجاهل. لذلك تعامل المرأة بضمير هو إذا كانت بين الذكور ولكن الرجل محروم أبدا من أن يحظى بضمير الأنوثة لذلك إذا كان معهن. قلنا خرجوا ولا نقول خرجن في حين أنها إذا كانت معهم قلنا خرجوا وهكذا تنعم هي بالذكورة في حين يحرم هو من هذه الأنوثة.

 

-يعرف الياس خوري الكتابة قائلا " الكتابة ذاكرة"هل تتفقين مع هذا التعريف المكثّف للكتابة ؟ شعرت بذلك وأنا أرتحل بين نصوصك السردية ؟

 

*- الذاكرة ثدي الكتابة منها تتغذى و بها تنمو وتتطور وكل كتابة تنطلق من حاضر يتيم لا أواصر له ولا أمشاج مع الماضي هي عندي باهتة ومبتورة ومفتقرة إلى الوهج والحياة. إن الذاكرة الفردية – طريقنا الخاصة في استعادة الأشياء – مهمة جدا في ارتياد أقاليم الكتابة لأنها تمثل  المنهل  الثرّ الذي ليس يغيض  أبدا وهي التي تدفع تيار الكتابة إلى الأمام بل أكاد احزم أن أعظم النصوص التي كتبت إنما  تلك التي امتطى     أصحابها أجنحة ذاكرتهم ليهوّموا في فضاءات ليست تلك التي يكونون فيها لحظة الكتابة  همّهم  من ذلك أن   يلمسوا  الأشياء  والوجوه التي  لم يبق إلا ظلها وصداها . و ليس  ضرورة أن تكون مادة التذكر ذات شأن أو من الحوادث الجسام أو الأفعال النبيلة بل إن أي شيء، أي صوت أي رائحة  أي لون  صار في مجال التذكر يكتسب قيمة عظيمة ويصبح قابلا لان يتشكل وفق معطيات الفن فيخرج بذلك من إطار العادي والمتشابه والمتهافت ليصير مثلا أو رمزا أو قيمة.  

 

فماذا كانت تعني تلك المدرسة القديمة التي درست فيها الابتدائية بمدينة القصرين إنها لم تكن أكثر من ساحة مفروشة بالحصى وشجيرات لا ورد فيها ولا ريحان وأقسام خلفتها "فرنسا" نوافذها لا تقفل جيدا وتئز منها الريح الباردة فتؤذينا . فما لها اليوم تتسع في خيالي فأراها برزخا وأرى أشجارها حوريات رافلات في السندس والخزّ. وما لقاعات الدرس تبتسم كلماّ أغمضت عيني أو رأيت المعلمّ يكتب بأصابعه الدقيقة على اللوح الخضر "حب الوطن من الإيمان" .

وماذا كانت تعني خدّوج  بائعة الكوانين والطواجين عندما كانت تمر من حين إلى حين بزقاقنا. كانت مثال القروية البسيطة التي تبيع الطين كي لا تبيع ماء الوجه و لعلي وقتها لم أكن أصبّح عليها أو أمسي ولا كنت أعيرها اهتماما لكن الآن وقد رحلت وغابت في غابة الحياة هذه وأخذت معها ضفائري وفساتيني المورّدة . وتراب حينا الذي كانت تطؤه بقدميها المتعبتين , ومعها أخذت رائحة الإكليل والمطر والطّين وأخذت دهشة عيوننا أيام كانت صافية كالزيت. اليوم فقط صارت خد وج تحظى بهذا الحضور البهي في نفسي و يخيّل إلي كلما نزل المطر أنني أشم عبق أثوابها وكوانينها وأرى بريق عينيها الدامعتين وقد نفخهما برد القصرين وأراني أركض أمامها طفلة طروبا لا ينغص  حياتي  شيئا إن الذاكرة تأخذ الكاتب لحظة الكتابة مما هو فيه لتحلّق بعيدا إلى حيث تخوم الصفاء والشفافية  ولا بد لي أنا مثلا  إذا رمت الكتابة أن أسدل بين مكاني وبيني وبين زماني وبيني أكلّة أو ستائر حتى أتحول نفسا وذهنا لأحل في إقليم التذكر وحتى أتمكن إذاك من تحويل ماعشته آنذاك من مجال الواقع إلى مجال الفن. إن  للذاكرة قدرة عجيبة على إقحام الكاتب روحا وجسدا في فلك الكتابة فأن تكتب بعمق  معناه عندي أن تتذكر بعمق والتذكر يعني أن تنفصل عن الإطار الذي تكون فيه وأن تفقد القدرة على السمع والنظر والتعاطي   مع ما يحيط بك بعني  أن تصبح في حالة  من الصّفاء الذهني يجعلك قادرا على أن تسافر عبر الزمان والمكان دون أن  تغادر مكانك وزمانك والكاتب في تلك اللحظة يكون محتاجا جدا إلى نوع من التركيز الداخلي يبيح له أن يلتقط الجزئيات والتفاصيل واللحظات والمواقف المنثورة في ذلك الماضي البعيد حتى يتمكن من إعادة تركيبها وفق ما يمليه منطق الكتابة وقتها .

إن التذكر يمنح النفس دفقات من القوة لتفعيل الكتابة وتخصيبها . لكن دعني أوضح أمرا في هذا المجال إن التذكار عندي موصول أساسا بالطفولة والصبا الأول فانا مثلا لا استحضر مختلف مراحل حياتي السابقة بنفس العمق والشفافية والشعرية التي استحضر بها مرحلة الطفولة . على انه يمكن الحديث في الكتابة زيادة عن الذاكرة الفردية والتي تعني طريقتنا الخاصة في استعادة ما عشناه عن ذاكرة جماعية نكتب من خلالها  وهذه الذاكرة تضم التراث الذي نمونا في كنفه  وتشبعنا بنفحاته المختلفة وأعني هنا النصوص التي قرانا ها و التي تروي سيرة أشخاص أو  تلك   التي تخبرنا  عن أحداث وقعت في حضارتنا العربية و الإسلامية  زيادة عن النصوص الإنسانية الكبرى. فنحن عندما نكتب لا نستحضر ما له علاقة مباشرة بحياتنا نحن فقط وإنما  نستحضر نصوصا  كثيرة خزّنتها ذاكرتنا شعرا وأيام عرب  وسيرا وأخبارا كما نستحضر الأغاني  والحكم والأمثال  والحكايا الشعبية … إن فعل الكتابة يشبه سبيلا عظيما إذا تدفق جرف معه كل شيء ومال يخطر على بالك إذا كنت متوقفا عن الكتابة

 

- يحضرني تمييز طريف للقص القصير من الرواية وقعه الروائي والقاص التونسي حسن بن عثمان يقول فيه "الرواية جريمة في حين القصص والحكايات جنح  وجنايات " وهذا التعريف نفسه تقريبا نقرأه في "ذاكرة الجسد " للكاتبة الجزائرية لأحلام مستغانمي ." علمت أنك تخفين أكثر من مخطوط روائي .متى نقرأ جرائمك ؟

 متى سيحقق معك في أولى جرائم فوزية علوي ؟

 

*-أظن أن المعنى الذي قصدته أحلام مستغانمي غير المعنى الذي قصده حسن بن عثمان لأن كلا من الكاتبين ينظر من زاوية مختلفة حسب رأيي بمقتضاها يقيم فعل الكتابة من حيث آليات ومضمونه وهدفه.

أظن أن حسن بن عثمان وليعذرني إن أنا لم أتبين جليا مقصده- إنما يطلق تسمياته انطلاقا من اعتقاده في خطورة العمل الروائي بما هو عمل "ضخم" يتطلب ذاكرة ورؤية استشرافية واضحة كما يتطلب إحاطة شاملة بالحدث الذي يكتب عنه أو المكان الذي يحرك فيه الكاتب شخوص روايته أو الزمان الذي يستظلون تحت فيله كما يتطلب الأخذ من كل شيء بطرف على حد عبارة الجاحظ, فالروائي من هذا المنطلق وجب أن يكون سياسيا وعالم اقتصاد وموسيقيا وعالم نفس ولصّا وسوقيا وعون أمن ومنتميا حزبيا وخارجا عن سلطة القانون وقادرا على تقمّص أي شخصية وبقدر ما يكون كذلك يكون قادرا على تقديم نصّ نابض وأصيل ومحكم ومثير. كما يتطلب العمل الروائي رغم كل التجريب الذي سيطر على الرواية العربية مهارة فنية تجعل الكاتب قادرا على صهر ما ليس من عالم الأدب في عالم الأدب.

وإني أخشى أن يكون تعريفه للقصة القصيرة على أنها ضرب من الجنحة أو الجناية فيه  الكثير من الاستسهال  لهذا الفن الذي أرى أنه لا يقل خطورة ومغامرة عن النص الروائي لأن الكاتب فيه وجب أن يقول الكثير بالقليل من اللغة وأن يصهر العالم كله في بوتقة صغيرة لهذا فان اليسر المزعوم للقصة هو كاليسر المزعوم لقصيدة النثر .

أما ما قصدته أحلام مستغانمي فمسألة حسب رأيي لا تتعلق بجنس الرواية بقدر ما تتعلق بما تكتبه المرأة فما تطرحه أحلام مستغانمي يدخل في إطار تجريم المرأة من خلال كتابتها فبقدر ما يباح للرجل أو يبيح لنفسه أن يشتغل في مجال حر وفسيح يكون فيه عساكر الرقابة في غفلة بقدر ما تشعر المرأة بنفسها محاصرة ومراقبة ومضطرة إلى شتى الخدع والحيل حتى لا تتورط في "فضح نفسها" وحتى تتمكن من إقناع القراء بأن ما تكتبه لا يتعلق بها بل يتعلق ببطلتها وأن ما تأتيه في نصّها لهو من قبيل التخييل أو الإيهام بالواقع ولا يمتّ إلى واقعها بصلة. لكن عين الرقيب ناقدا مختصا أو قارئا عاديا بل وحتى عين القارئة المشبعة بالثقافة البطريركية تظل أبدا تحاصر هذه الكتابة وتتفنّن في غربلتها قصد تعريتها وقصد الحصول على les indices الجريمة التي يقع من خلالها إسقاط الحد بين الواقع والنص أو بين المعيش والمكتوب ولا بد في هذا المجال من تذكر محاكمة بعض الكاتبات قضائيا ولا جرائم اقترفتها إلا أنهن كتبن وتجرأن على اقتحام مناطق – ملغّمة – أو محظورة. كما أن أحلام مستغانمي سعت عبر نمط من التلاعب الفني والمهارة الأسلوبية إلى جعل الحد بين الواقع والخيال واهيا وهو ما يترك القارئ حائرا بين البعد التخييلي والمنحى السير ذاتي في كتابتها فالجرائم التي تقترفها أحلام مستغانمي على لسان بطلتها إنما تتمثل في تصوير المغامرات العاطفية التي تعيشها البطلة والتي ليس في حقها اجتماعيا وأخلاقيا أن تعيشها ولكنها رغم ذلك تقدم عليها وتحرص على عيشها لأنها تتنزل ضمن حقها الوجودي في تعاطي إنسانياتها.

 

    - يبدو أنّك  حلّلت الشاهدين و نسيت السؤال الرئيسي وهو متى ستكتب فوزية العلوي الرواية و ربّما  كان في  دفاعك عن القصة القصيرة إجابة مبطّنة …

تقول يمنى العيد ,مثلا, "أرى نفسي اليوم امرأة قادمة من صمت كان يغمرها  " هل استطاعت المرأة

العربية الكاتبة أن تقول نفسها أم أنها كتبت بأصابع زوجها وشقيقها ووالدها فما قالت غيرهم ؟

ينتابني إحساس بأن رشيد بوجدرة قال المرأة في "  يوميات  امرأة آرق " ما لم تقله مؤلفات النساء مجتمعة؟ هذا يدفعنا إلى الالتفات إلى قضية أخرى تتعلق بموضوع الكتابة وهي الكتابة الأنثوية في مؤلفات الرجال والكتابة الذكورية في أعمال المرأة.

*- ليست يمنى العيد فقط هي التي تحدثت عن الصمت بل أ

المزيد